الرَّقْصُ مَعَ الْموتَى .. سُلَحْفَاةُ حُميد البيضاء قتلتها (الحداثة)..! .. بقلم: غسان علي عثمان


(عم عبد الرحيم) هي بيان استسلام لغزوة الحداثة المتوحشة..

الثمانينيات كانت أكثر فترات اضطراب الوعي وتمزق الوجدان عند السودانيين..

كالداخل إلى متحف العجائب (التلفزيون.. والثلاجة.. والفيديو) رُسُل الحداثة التي قبعت في بيوت متهالكة..!

(تَشَنُّجَات) (2)

ghassanworld@gmail.com

(لم أكن أعرف أن الموت سهل هكذا.. الكوميديا أصعب.. جورج برنارد شو..)

محمد حسن سالم حُميد (1956م- 2012م) ليس ملك لحزب السودانيين جميعاً، والرجل جسّد قيمنا السمحة رافضاً التنازل المجاني لقيم الحداثة التي لم ننتجها، الحداثة في أطوارها كافة..

وبطله (عم عبد الرحيم) كذلك هو ضحية الحداثة، ضحيتها المقدسة، لأنه شهد آخر فصل للبداوة وهي تغادر تربة مجتمعه؛ مجتمعه المسكون بالاعتيادية، والشغوف باللاشيء وخصومته مع الجدة فاجرة. ذلك أنه ما بات من الممكن إطلاقاً الانتظار أطول لإطفاء نار البساطة والتلقائية والعفوية في تدابير الفعل الاجتماعي بعد الآن، إنها النهاية بالقوة لما كان يعرف بالحياة الطبيعية وهي تلك التي لا تعرف من الوجود سوى الشروط الأولية للحياة : ميلاد.. تعثرات في الحياة والطبيعة.. وموت.. ثم تدور الدائرة.

ذلك أن يوم البطل في قصيدة حميد، (عبد الرحيم) وفي الأسم دلالة واضحة، هي ارتجاء الرحمة من غلواء التحديث الإكراهي في مجتمع البداهة فيه تحتل وعيه بالكامل.. فيومه يبدأ بقين السوداني ممارساً قدرية وعدمية في الوقت ذاته.. يقول: (فتاح يا عليم رزاق يا كريم.. صلى على عجل.. همهم همهمة.. حصّن للعباد .. وهوزز سبحتو..).. هذا مفتاح اليقين الهارب من التدبير.. الجاعل من حياته سِجل كُتِبَ من قبل.. يفعلها إمعاناً في تصديق كيف يكون الإنسان في جوهره مُسّير ولا خيار له في الحياة إلا عبر إعادة تمثيل القصة، وفوق هذا اليقين المُستلب، فإن الحياة ورغم بدائيتها وشظفها، إلا أنه راضي كل الرضى عن مسيرته فيها، وهذه النغمة هي مونولوج عجز يصبر بها السوداني بل ابن الثقافة العربية عموماً وبموجبها يعبر عن فشله ويغطيه.. بل أن الذاكرة تلعب دوراً في إلهاء الذات الشقية، فهي تشكل مخزون الذكريات القديمة، بل الموصوفة بأنها جميلة وإن كانت غير ذلك..

فحينما كانت دافئة.. كان الرجل لا يعي شيئاً أسمه التفكير في صناعة الحياة، وهو يستقبل حداثة مجبور عليها، لا يجد سبيلاً أخراً سوى ممارسة لعبة التذكر والنسيان الموقت لما يواجهه.. ( وكان الدنيي صيف، لا قالتلوا كيف.. كيف أصبحت كيف، لا لمسة وداد، لا لمسة حنان، لا رمشة طِريف، من قلباً وفي، زى أيام زمان .. أيام الدِفِي)..

سودان الثمانينيات.. الحداثة والقهر بالألوان:

من يعش في سودان سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، سيعرف كيف تشوهت ذهنيتنا بمحض الصدفة.. فالانتقال الجبري من البسيط إلى المعقد، فعل فينا الأفاعيل كما يقولون، نجد هذه الفترة قد انتقل فيها السوداني من حيز وجوده الطبيعي إلى التعلق بممكنات الحداثة المستوردة، جرى ذلك والسوداني لم يزل قابع في بيئة لم تفهم سوى العمل بجد لمحاربة سوسة النخيل، وحماية التميرات، ويتعارك مع التماسيح بمعرفة دقيقة عن موعد تحركاتها، ولا يمكنها من التغذي عليه البتة.. وتقول الأسطورة أن جمهرة من شباب النيل كانوا يلتقون خفية كل ليلة ينتظرون خروج السلحفاة البيضاء لظنهم أن من يصعد على ظهرها سوف يحكم إلى الأبد.

إن إنسان البداهة فينا يملك مهارة شرهة في السجال مع النيل لكن بود وإكبار، ذلك حينما كان وجود (التلفزيون والثلاجة.. ولاحقاً الفيديو) في حقيقته غزوة للاستيلاء على الوجدان وتجزئة للجوف، ومن يرقب سجل الأغاني الشعبية والتي نعدها التعبير الأصدق لأنها تترجم التبدلات الطارئة في السلوك الاجتماعي، هذه الأغاني استخدمت نماذج حداثية انسربت في بيئتنا بفضل هجرة أبناء وآباء بل وفتيات إلى دول مّن الله عليها بالذهب الأسود، لتنجرف نحوها سيول بشرية من كل حدب وصوب كما في العبارة المُلخصة عربياً، تقول المغنية وهي تمازج بين بؤس واقعها البيئي وتأسيس دخول سريع لبنية الاستهلاك، والمغنية هي لسان حال بدايات جديدة معكوفة في زيجات تُبدل الحال إلى مشابهات الراهن حينها، وما الزواج في مجتمعات البداهة في أصله إلا تدويراً للحياة، وتهيئة استقبال التطور المنشود، فنربي بناتنا في الوقت ذاك على ضرورة تحسين معاشها عبر مؤسسة الزواج، وكم تتحسر الأم بحق وبدونه على (بختها) المائل، وتترجى لفتاتها التي رعتها وأنشاتها أنثى جاهزة أن تتزوج بشخص يوفر لها حياة أكثر رفاهية.. (ما بدور المزارعية بدور البركب العربية)..

كما أن التدابير المقننة لسكان المدن لم تكن تؤسس هماً عند سودان البدائية، ولم يكن يرغب السوداني أصلاً في الدخول، ولدي شبه يقين أن الفترة التي شهدت اغتراب عدد كبير من السودانيين كانت فترة تمزق روحي لهم، فهم أبناء السماء المفتوحة على كافة الاحتمالات، ولدوا في بيئات تترجم حياتها وفق الصدفة المحضة، وفوجئوا حينما صعدوا الطائرات، وتسلقوا سلالم السفن، أن التمزق آت آت.. ولما نزلوا صحارى البترول، ولغوا وبالغوا في انتهام المغريات الجديدة، وكان لك أن تدخل أي بيت في حلتكم المتواضعة في ثمانينيات القرن الماضي، لتفاجأ بمتحف المتناقضات.. وإليك قارئي العزيز.. هذا المشهد السريالي الذي يحكي عن التمزق الذي عاشته الأسر السودانية في الثمانينيات، وهي تستلم حقائب مفتوحة على الأعين كافة.. ألم يكن أولاد الحي ورفقتهم أمهاتهم يقومون بزيارة الجار حين يكون له ابن عائد من المغترب؟ ..

طيب: عنقريب قدييم عليه ملاءة جديدة.. غرفة مظلمة ويتركن (في ركنها) فيها تلفزيون ملون، وليس في الغرفة أي أثاث بل يتحلق من فيها نصف دائرة، ومعهم أولاد الحي بأقدام متسخة، وملابس ممزقة.. وأفواه جائعة إلا من بقايا طعم قدحة توم في خُضرا بايتة.. لكن الزائر الجديد ملون وسحره لا يقاوم.. وقد نمّى فيهم نزعة استهلاكية مرتقبة بأن عايرهم بفقرهم.. بل أن البيت الذي يملك أصحابه هذا الكائن العزيز (التلفزيون) هو مهبط رغائب الجيران، ولو كان ترتيبهم الجار رقم 20، ففي كل مساء يمارس أصحاب الدار التلفزيوني سلوكاً تشاركياً لكنه قد لا يتوفر لهم جميعاً.. فمن السهولة أن يمارس طفل الدار الملون امتيازاً خاصاً به، فيقوم بتهديد أصدقاؤه بأنهم إن لم ينصاعوا له حرمهم من مشاهدة مسلسل الأطفال بتاع الساعة (4).. والأطفال مرغمون على الانصياع..

كذلك تجد ملابس آخر موضة وقتها يعني يحتضنهم دولاب لا أبواب له، وإن وجدت فهمي مثبتة بآخر مسمار كمن يتعلق بالقشة الأخيرة وهو يغرق في المحيط ولكن الابتسامة تعلوه.. سكان الدار يرتدون ساعات على معاصم هي والمفراكة لا فرق إلا في الوظيفة.. طبق منسوج منذ التركية السابقة وفي باطنه حلاوة ماكنتوش.. والسيدة ربة المنزل تلتف بالتوب الجديد لنج، والذي وصل لتوه هناك في أجعص شنطة، لكنها ما أن سمعت بأن جارتها “فلانة” قادمة تبارك شنط المغترب مُش المغترب ذاتو.. أصرت على ارتداء هذا التوب كيتاً فيها.. والمفاجئ في الأمر أن التوب حتى تلك اللحظة لم يكن سوى قماشة ما تم تطريزها بعد.. لكن الحداثة غلابة بطبيعتها.. فالعلاقة مع الحداثة شبيهة بمن يريد تنفيذ خطته للاشتهاء عبر الجسد، فيُقِبل على من ينتظر علاقة أخرى، هي الخيبة في امتيازها المطلق.

ورغم شقاءه إلا أن بطل حُميد يرفض رفضاً باتاً الموافقة على شروط الحياة الجديدة، فلم يعرف جيله من مزارعية السودان، أو أُجَريته مسألة من مسائل رأس المال وسلطة الدولة، هم في بدائيتهم يمارسون أبسط حضور، لا جديد فيها سوى استبدالهم ما يملكون عبر إنشاء العلاقات الاجتماعية عميقة الغور، هي سليلة المودة الكامنة في نفوس السودانيين تُجاه بعضهم، ويأتي بعد ذلك من يقول بصراع الهوية جنداً في يوميات السوداني المعفي من دجل الإيديولوجيا.. فالرجل وأصدقاؤه مثال حي على كذب الماركسية وتوابعها.. (إتوكـّل نزل .. في المُشرَع لِقَى، زُملان الشقا..) وكما أن العمل يقرب العُمال ولا يصنع بينهم حواجز التفاوت، رغم أن هذا السودان عرف الاستهلاك الإيجابي، لكن لمن بقى في مرتب باتت حواجز تصنع نفسها بنفسها.. تصنع صراع الاستهلاكية الجديدة، وفي دفعها نحو حب الامتلاك صنعت معضلات التواصل بين أناس متساوون في الوعي، ومشتركون في الذهنية.. فالقادم إلى حيز بطل حُميد لا يهم من هو؟ ولا من أين جاء؟ فبساطة المشاهي الاجتماعية لديهم جميعاً لا تتعدى ممارسة أفعال استسلامية مطلقة.. (الجا من الجريف .. الجا من الجبل
علْ الناس بخير، صبّح هاظرُمْ .. نقْنقْ ناقَرُمْ، غاظوهو .. ونعَل، وعم عبدالرحيم ما بخَبِر زعل، كل الناس هنا ما بتخبِر زعل، تزعل فى شِنو .. وتزعل من منو..كل الناس هِنا .. كل الناس صِحَابْ .. كل الناس أهَل، والماهُم قُرَاب .. قرّبـُمْ العمل..).

وزوج بطل حُميد (أمونة) مثال حقيقي لقسوة الحداثة في مجتمع متخلف.. فهي وإن لم تطلب منه شيئاً إلا أن شروط الاجتماع الإنساني الوافدة، والمتنفذة في غرور، توجب عليه الانصياع، فيفقد معها حريته، وأسباب العبودية للحداثة ليست إلا أسباباً ذاتية، وهنا لن تشفع له ذكرياته مع الزوج، بل هو مرغم على تنفيذ مطالب الغازي الماكر، ألا وهو الحداثة. يقول حُميد: (عبد الرحيم يا حُر، ماكا حُر، يا ريت التمر .. ياريت لو يشيل كلِّ تَلاتْ أشـُرْ، ولاّ أيام زمان كانت ما تمُر، كان ماجاك هوان .. ما لاقاكي ضـُر، كان لا ضِيق يضيق، لا أنغرغَرْ صبر، ولا شابيت غريق .. ولا طلوَحْ فقُر، كان ماكان .. وكان أكيسي دُر..).

قصيدة (عم عبد الرحيم) هي سجل نقد الحداثة، ولائحة اتهامها، الاتهام هنا موجه للنخبة، كل النخب بلا استثناء، فقد مارسوا أدواراً تخريبية عبر التوظيف السيء لعالم الحداثة، وكم هو رائع تعبير الشاعر محمد المهدي المجذوب، الذي عاش ممزقاً، وقد أوفى الدكتور النور حمد في كتابه الجيد (مهارب المبدعين) إذ ينقل النور حمد نص مراسلة بين المجذوب وصديقه السفير أبو سن.. وفيها عبارة ذكية تلخص أزمة الحداثة في وجدان النخب، إذ يقول المجذوب مخاطباً صديقه.. ياريت الإنجليز لم يأتوا إلى هنا..!

إن في رائعة محمد الحسن سالم حميد (عم عبد الرحيم) شحنة باهظة ومتكلفة إن لم تكن متكتفة بعوالم لغوية شديدة البوح، وفي تضاريسها سوق دلالية معطونة بالتعقيد في علاقتها والمكان، فـ(دورية الكجر جفلت الحمار) أي أفزعته أو جعلته يهرب، ثم (عم عبد الرحيم إتلافا القطر) وإتلافا دي يعني أن القطار قام باحتضانه وفي ذلك توصيف فريد يعني امتزاج الجسد بالمطلق، فالقطار استعان بكل فنون الشوق واعتصر الرجل بأن تفاداه، وهذا أيضاً ضرب من لهفة ولعله كأن ينتظر، هي شيء شبيه (بالقَلدة) أي الاحتضان شديد الرقة.. يا سلام يا حميد.. حينما أفكر في حميد، أعود لأبحث عن سبب وجود أمثاله، في دوائر المجتمعات العالية رغم عدم انتمائه إليها، وظني أن هناك (جينات) تنتقل في سرية تامة، وتختار محاضنها، وحميد جسد مخاتل لشاعر يحب الحياة لدرجة الكراهية.. رحم الله حميد فحاله كان مثل بطله (عبد الرحيم) وكأن السيارة التي أوقفت نبضه فعلت ذلك بحب شديد، رحمه الله بقدر ما طوع اللغة لخدمة شروخه، وأبطاله المهمشين من الناس..

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً