السفير أحمد يوسف التنى .. بقلم: شوقى محى الدين أبوالريش/الدوحة
30 أبريل, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
42 زيارة
إذا دعتك مشاغل الحياة وتأملت في هذه الدنيا قليلا فستجدها أشبه بمسرح كبير به أناس يمثلون وأناس يشاهدون والأكثرية كومبارس أدوارهم ثانوية محدودة، وهناك القلة وهم أبطال المسرحية يؤدون أدوارهم البطولية حتى النهاية فيكون المشاهد مشدوداً حتى نهاية الفصل الأخير من المسرحية، وهناك أبطال يتساقطون، حسب السيناريو، قبل الفصل الأخير فيفقد المشاهد المتعة وينتظر متى تكون نهاية الفصل الأخير .. هكذا هي حال الدنيا أبطال يسقطون في منتصف الطريق ويسدل الستار فيتغير طعم الحياة. كان لقائى الأخير مع سعادة السفير أحمد يوسف التنى في مناسبة سعيدة جمعتنا في منزل الأخ معتصم عبدالغنى في الدوحة قبل أقل من عام، وعندما إنتهت المناسبة بالفصل الأخير إنفض سامر الأصحاب والأحباب وذهب كل واحد منا إلى حاله إلى أن تجمعنا الظروف في مناسبة أخرى لمن يظلوا أبطال.. وهكذا حال الناس في الدوحة كلهم يجتمعون ويتفرقون دائماً في المناسبات وهم أكثر شوقاً وما أكثر المناسبات فرحاً كانت أم كرها..رافقته حتى السيارة وودعته وما كنت أعلم أن ذلك كان هو الوداع الأخير، لكن الآن أشعر أنه كانت هناك ثمة دلالات خفية لم تخطر على بال أي منا….فقد تجاذبنا أطراف حديث ذي شجون لأول مرة منذ أن عرفته في الدوحة وهو من الأوائل الذين عرفتهم وراقوا لي في هذا البلد المضياف..إستغل هدوء المكان، فقد أتينا مبكراً لعلاقة قربى تربطنى وعلاقة قربى تربطة بالمحتفى بهما الذين أصبحا الآن في عش واحد، وجلس بجانبى بل إشتركنا في كنبة وثيرة في صالون الأخ معتصم.. وبهدوئه المعهود بدأ حديثه بأنه قرر العودة إلى الوطن والإستقرار في أرض السودان وعندما لاحظ إمتعاضاً على وجهى إستمر قائلاً أصلاً هي أيام بقيت لنا نقضيها مع الأهل والأصدقاء والأحباب لنعمل معهم لبناء السودان ليعود وطناً للجميع – وصدق القول فقد كانت أيام – وأردف قائلاً لى : ” إننى أواظب على قراءة كل ما تكتب بل كل يوم أترقب صحيفة سودانايل الإلكترونية لعلنى أجد لك مقالاً جديداً” .. إندهشت لما قال الرجل..فأنا غير مواظب على الكتابة ولا أكتب في مواضيع تستحق هكذا مواظبة..فما أكتبه من حين لآخر ما هو إلا مجرد خواطر وذكريات مشتتة أجد متعة لنفسى في أن أضعها على الورق حتى لا تتبخر وقد آن الآوان الذى ننسى فيه أسماء أولادنا – ولا مفر من أن نقتدى بجدى المرحوم خليلون الذى إشترط على أولاده وبناته أنه إذا نادى أي من أسمائهم يلبى نداءه من يسمع أولاً بصرف النظر عن مسماه وقد نفذوا أمره بحذافيره وأراح نفسه من الصياح – زاد من دهشتى عندما عدّد لى عدداً من عناوين مقالاتى التي قرأها في صحيفة سودنايل وعلق لى على بعضها.. قال كلاماً كثيراً أحتفظُ به لنفسى حتى لا يؤخذ مأخذ الدعاية، لكن بإختصار قال أنه يجد متعة في متابعة سردى للأحداث والفكاهة والمعلومات التي يستشفها من وسط السرد عن أحداث وشخصيات المقال..حقاً إنها إستراحة. الشاهد أن الدبلوماسي أحمد التنى كان مطلعاً لكل ما يكتب وقارئاً شغوفاً وذي ثقافة عالية في كل ضروب الأدب والشعر والثقافة والسياسة والدبلوماسية والإقتصاد والفن والرياضة.. كان كتاباً مفتوحاً تنهل منه بل موسوعة متحركة تستفيد منه في أي لحظة معه، يأسرك بِكَمٍّ هائلٍ من المعلومات التي عنده بل برأيه الثاقب ونصحه إذا إحتجت.. كل ذلك بطريقته الهادئة وأسلوبه الجذاب في المحاورة وفى أدبه ودبلوماسيته. كان رجلاً نادر الصفات تحبه من أول لقاء و بلا مقدمات، طوال حياته ظل مهتماً بقضاء حوائج الناس بإبتسامة لا تغيب عن وجهه وصدرلا يضيق..سماحة تعامله وطيب معشره وتواضعه الجم جعله سفيراً لكل السودانيين في الدوحة على مختلف توجهاتهم..كان وجهاً مقبولاً للكل رغم حدة الصراعات التي اختلقها النظام وافتعلها في كل مكان..ومن أصعب الأمور أن تكون سفيراً لنظام دكتاتورى – أي أن تقوم بدور كما يقولون devil’s advocate (محامي الشيطان) – إلا أنه سار بالمهمة قدماً وخلق أوسع العلاقات مع أهل هذا البلد..هذا المجرم الذى أدخل سياسة ما يُسمّى (الإحالة للصالح العام) قد أجرم في حق السودان وفى حق الدبلوماسية السودانية..سياسة ليس فيها بعد نظر بل هي قمة الأنانية وكانت معول هدم للدبلوماسية السودانية وبناء السودان كله.. السفير أحمد التنى كان هو الرجل المناسب بكل ما يملك من مؤهلات علمية وشمائل شخصية وخبرة مهنية واحترافية في العمل الدبلوماسي وعمله بمفهوم الدبلوماسية الشعبية الناجح. لكن هذا الجاهل الذى إخترع الإحالة إلى ما يُزعم بأنه (الصالح العام) لا يدرى شيئاً عن السفير أحمد التنى..لا يدرى أنه تربى في بيت الدبلوماسيه ورضع منها طفلاً، فوالده الدبلوماسي الشاعر الفحل السفير يوسف مصطفى التنى، طيب الله ثراه، من أوائل سفراء السودان في عهد رئيس الوزراء الأسبق محمد أحمد المحجوب، وزوجته من أول إثنتين من النساء السودانيات اللاتى عملن في السلك الدبلوماسى وهى السفيرة المعروفة فاطمة سيد أحمد البيلى التي أحيلت أيضاً معه إلى المعاش.
لمن لا يعرفون السفير أحمد يوسف التنى فهو من مواليد أمدرمان- حى ود نوباوى شارع كررى – عام 1945، تربى وترعرع فيها..تلقى تعليمه في المرحلة الأولية والمتوسطة في أم درمان والعيلفون والخرطوم والثانوى في مدرسة الأحفاد الثانوية وتخرج من جامعة الخرطوم في كلية الإقتصاد بدرجة بكالوريوس إقتصاد وعلوم سياسية في عام 1968. كان ناشطاً سياسياً في الجامعة ولنشاطه إنتخب عضوا في إتحاد طلاب جامعة الخرطوم ممثلاً للقوى الإشتراكية الديمقراطية، وبعد تخرجه إلتحق بوزارة المالية ثم بوازرة الخارجية ملحقاً دبلوماسياً عام 1970و تدرج في سلمها حتى أصبح سفيراً.. عمل في مكاتب الرئاسة في الخرطوم وفى محطات خارجية كثيرة مثل بيروت و واشنطن والقاهرة والدوحة.. وبعد فصله من الخارجية السودانية عاد إلى الدوحة عام 1992 حيث عمل فى مصرف قطر الإسلامي ثم البنك الأهلى حتى عودته إلى أرض الوطن فى هذا العام.
هذا الرجل الذى كان مثالياً، على إستقامة، لا يهرٍّج عند التحدث، كان متقد الذهن رحب الآفاق وقّاد الفكر، متميز مهنياً، حب الوطن والغيرة عليه كانا يجرىان في عروقه، حمل راية الشموخ والإباء، عميق التفكير، له قدرة وصبر شديد على الإصغاء دون مقاطعة، وكان لديه ملكة جمع وترتيب وصياغة الأفكار وتقديمها، لا يمل ولا يشكو الحال رغم أنه قد عانى ما عانى من المرض الذى أثر في كليتيه اللتين توقفتا عن العمل وهو في قمة نشاطه وعطائه فإستبدل إحداهما في مصر ورجع منها أكثر عافية ونشاطاً ليواصل عمله الرسمي والإجتماعى، وكان هو الأكثر قبولا ليرأس معظم لجان العمل العام في الدوحة .. وأذكر أنه كان رئيس لجنة علاج الفنان الكبير محمد وردى، طيب الله ثراه، وكان لمجهوده في اللجنة القدح المعلى في الترتيبات و نجاح العملية وعودة الفنان وردى معافى إلى أرض الوطن .. لكن المؤسف أنه عندما مرض بنفس مرض الكلى، حسب علمى، لم تكن هناك لجنة بل لم يسمع الكثيرون بمرضه إلا بعد أن أجرى العملية وعاد إلى الدوحة .. ما كان الرجل يأبه بذلك فقد كُرم في دولة قطر حين إحتفوا به وودعوه في البنك الأهلى وقال كلمته التي شكر فيها سمو الأمير ورجال دولة قطر البلد التي إستضافته أكثر من 26 عاماً..ثم كرمتهما المجموعة السودانية بدولة قطر تكريماً يليق بمقام الرجل ومقام حرمه المصون، وكليهما دعيا الجميع بطيب الإقامة والعودة لبناء الوطن الذى يمر بمنعطف خطير، إن دعى الحال لذلك، وعولت السيدة السفيرة فاطمة البيلى في كلمتها على خيرات السودان من الزراعة والبترول والمعادن والدهب وقالت أن السودانيون هم الدهب الحقيقى. أما الوطن الذى أفنيا له زهرة شبابهما وخدمه السنين لم يقدم لهما حتى كلمة شكر بل عاقبهما بما قيل زوراً وبهتاناً إلى (الصالح العام) المزعوم.
وعندما إنتهى من عمله في الدوحة غادر إلى أرض الوطن الذى أحبه ليستقر فيه رغم وجود خيارات أفضل لحالته الصحيه إلا أن إرادة الله ومشيئته كانت أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في ذلك الوطن الذى أحبه وعاد إليه، وكله أملٌ وتفاؤل، وأن يتوسد رأسه ثرى مقابر البكرى في أم درمان حيث وُوري جثمانه الطاهر…فإكتسى الحزن الكثيرين من الأهل والأصحاب والأحباب والزملاء لفقده المفاجئ.
الكاتب والأديب الكبير وعبقرى الرواية العربية الطيب صالح، طيب الله ثراه، جسد الشخصية السودانية عامة في قصصه ورواياته العالمية الذائعة الصيت منها “موسم الهجرة إلى الشمال” و “عُرس الزين” و”دومة ود حامد” و”المريود” لكنه لم يخص بالكتابة أحد إلا شخصيتين فقط.. هما الأديب والدبلوماسى المرموق المرحوم جمال محمد أحمد والدبلوماسى المرموق أحمد يوسف التنى. وعندما يتحدث الطيب صالح عن شخص أو جماعة ما رُفعت الأقلام وجفت الصحف .. وقطعت جَهِيْزَةُ قول كل خطيب … وهاكم ما كتبه الأديب الكبير الطيب صالح عن السفير أحمد التنى.. وأسفى إذا كان الحديث مكرراً لبعض القراء منكم..قال :
” كنت في الدوحة حين إنتهى أمد جوازى، رحت إلى السفارة، وأنا بين الشك واليقين، فقد كنت أعلم أن الجواز لم يعد حقاً مشروعاً في هذا العهد، لكنه صار تفضلاً، يمنحونه ويمنعونه كما يحلو لهم. وكانت ترد إلى السفارة من الخرطوم قوائم بأسماء مواطنين حرام عليهم التمتع الذى فرضه لهم القوانين والأعراف، وما يدرينى أننى واحد منهم..لكنى وجدت سفيراً غير هيّاب ولا وجِل، سودانياً كأحسن ما يكون السودانيين من سماحة وشجاعة الأكفاء وترفع..كان من القلة التي بقيت من الدبلوماسيين بعد حملات التطهير والتشريد والإحالة على المعاش، وكان الناس يعجبون كيف أنهم لم ينتبهوا إليه فظل في منصبه يعامل المواطنين على إختلاف إنتماءاتهم السياسية دون تفرقة ولم يكن يهاب أن يجدد الجوازات لمستحقيها دون أن يطلب الإذن من سلطات الخرطوم لأنه يعلم أن لو سألهم فسوف يكون الجواب لا..هو من خيار الناس وخيار السفراء بشهادة أهل البلد التي عمل فيها وكل من عرفه أو تعامل معه..أعادوه إلى الخرطوم ولم يلبث غير أشهر حتى أحالوه إلى التقاعد، ذلك وهو في عز الشباب وقصارى الجهد في خدمة الوطن”
ليس هناك قول على هذا القول ولا وصف لمعدن السفير أحمد التنى أبلغ وأدق من هذا الوصف الجامع وليس هناك خير ما أختتم به هذا القول الصادق إلا أن نرفع أكف الضراعة لله الخالق المميت أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة..ونسألك اللهم أن تعامله بما أنت أهل له ولا تعامله بما هو أهله..اللهم أجزه عن الإحسان إحسانا وعن الإساءة عفواً وغفراناً اللهم أجعل في مرضه وصبره تطهيراً لذنوبه ورحمة له وثباتاً له عند السؤال..اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوزعن سيئاته..اللهم أدخله جناتك العليا من غير حساب أو سابق عذاب..اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده وأغفر لنا وله وأجمعنا معه في جنات النعيم.. اللهم صبِّر زوجته وأولاده وبناته وأهله واحبابه أجمعين..وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
شوقى محى الدين أبوالريش
الدوحة فى29 أبريل 2017
reeshs@hotmail.com