بدأت بعض الأصوات داخل معسكر الإسلاميين تدعو إلى قبول السلام ووقف الحرب بعد أن دخلت الحرب السودانية عامها الرابع. ورغم ترحيبنا المبدئي بأي دعوة توقف نزيف الدم وتخفف معاناة شعبنا، فإن التعامل مع هذه الدعوات يتطلب قدراً كبيراً من الحذر، خاصة في ضوء التجارب السابقة ودور الحركة الإسلامية في الحياة السياسية السودانية خلال العقود الماضية.
ولكي نفهم طبيعة هذه الدعوات وتوقيتها، لا بد من التوقف عند بعض الحقائق الأساسية.
أولاً، أدركت الحركة الإسلامية منذ وقت مبكر أن التخلف الاقتصادي والاجتماعي وضعف مؤسسات الدولة، إلى جانب المناهج التعليمية التي خلطت بين الدين والتاريخ ومجدت ثقافة الغلبة والصراع على حساب قيم المواطنة والتسامح، تمثل بيئة مناسبة لانتشار مشروعها السياسي وتوسيع نفوذها داخل المجتمع والدولة.
ثانياً، اعتمدت الحركة الإسلامية على خطاب التعبئة الدينية والسياسية في مواجهة خصومها، واستفادت من إمكانات مالية وتنظيمية ضخمة مكنتها من التغلغل داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. وقد أسهم ذلك، إلى جانب أخطاء القوى السياسية الأخرى، في تهيئة الظروف لانقلاب عام 1989 الذي أطاح بالتجربة الديمقراطية الثالثة وأدخل البلاد في واحدة من أطول مراحل الاستبداد في تاريخها الحديث.
ثالثاً، وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الحكم وما ارتبط بها من فساد واستبداد وتمكين وتفكيك لمؤسسات الدولة، اندلعت الحرب الحالية في 15 أبريل 2023. ومن وجهة نظري، فإن الحركة الإسلامية كانت من أبرز القوى التي دفعت نحو خيار الحرب بعد تعثر مشروع التسوية السياسية مع قوات الدعم السريع، وذلك أملاً في استعادة نفوذها السياسي والعسكري الذي فقدته عقب ثورة ديسمبر.
رابعاً، نجحت الحركة الإسلامية خلال سنوات حكمها في بناء شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، كما حافظت على درجة عالية من التماسك التنظيمي مقارنة بمعظم القوى السياسية الأخرى، وظلت تضع بقاء التنظيم واستمرار نفوذه فوق أي اعتبار وطني آخر.
انطلاقاً من هذه الخلفية، يصبح من المشروع التساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء التحول المفاجئ في خطاب بعض الإسلاميين. فبعد سنوات من الرهان على الحسم العسكري، يبدو أن هناك إدراكاً متزايداً لصعوبة تحقيق انتصار عسكري كامل. ولذلك يبرز سؤال جوهري: هل تعكس هذه الدعوات مراجعة سياسية حقيقية، أم أنها مجرد محاولة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الصفوف استعداداً لجولة جديدة من الصراع؟
ويطرح ذلك سؤالين لا يمكن القفز فوقهما:
إذا كان دعاة الحرب مستعدين اليوم للقبول بالتفاوض، فلماذا تأخر هذا الاستعداد كل هذه السنوات رغم الكلفة الإنسانية الهائلة التي دفعها الشعب السوداني من دمائه وأرزاقه ومستقبل أبنائه؟
ولماذا ظل تحالف “صمود” متمسكاً بخيار التفاوض والحل السياسي منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين ضرورية لفهم طبيعة الأزمة السودانية. فالتجربة السودانية أثبتت أن الحروب لا تنشأ من فراغ، بل من بنية سياسية مختلة ظلت تمنح السلاح والتنظيمات العقائدية سلطة تفوق سلطة المجتمع والدولة.
ومن هنا فإن أي سلام حقيقي ومستدام لا يمكن أن يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يجب أن يقود إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة تقوم على المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون، مع تقليص نفوذ القوى العسكرية والتنظيمات العقائدية على القرار الوطني.
أما تحالف “صمود”، فقد جعل من وقف الحرب أولوية قصوى باعتبارها المدخل الضروري لأي تحول سياسي لاحق. غير أنني أرى أن التحالف لم يمارس القدر الكافي من الضغط السياسي على الإسلاميين الذين يملكون نفوذاً واسعاً داخل المؤسسة العسكرية، ولم ينجح في تحويل هذا الملف إلى محور رئيسي في خطابه السياسي والإعلامي.
كما أن بعض مواقف التحالف بدت وكأنها تضع الإسلاميين وقوات الدعم السريع في خانة واحدة، رغم الاختلافات الواضحة في الخلفيات السياسية والأهداف وطبيعة المسؤولية عن اندلاع الحرب. وأرى أن هذا التبسيط لا يساعد على بناء تحالف واسع قادر على إنهاء الحرب وتفكيك البنية السياسية التي أعادت إنتاجها.
ولا يعني ذلك تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع أو غيرها من الأطراف المسلحة، فالمساءلة والعدالة تمثلان شرطاً أساسياً لبناء دولة القانون. غير أن هناك فرقاً بين الانتهاكات التي تنتج عن ضعف الانضباط داخل بعض الوحدات العسكرية، وبين مشروع سياسي متكامل يقوم على توظيف الدين في الصراع السياسي وتبرير العنف ضد الخصوم.
لقد أثبتت التجربة السودانية، في تقديري، أن أخطر ما يهدد بناء الدولة المدنية الديمقراطية هو استمرار نفوذ التيارات التي تستخدم الدين غطاءً للمشروع السياسي وتستبيح خصومها باسم العقيدة والجهاد. ولذلك فإن إضعاف النفوذ العسكري والسياسي للحركة الإسلامية يظل شرطاً أساسياً لأي عملية تحول ديمقراطي حقيقية.
يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح القوى السياسية والمدنية والمسلحة في فرض مسار سلام حقيقي يضع حداً للحرب ويؤسس لدولة المواطنة والديمقراطية، وإما أن تستمر دوامة العنف والانقسام بما تحمله من مزيد من الدمار والتشريد والمعاناة.
إن مسؤولية إنقاذ السودان لا تقع على طرف واحد، لكنها تبدأ بالاعتراف الصريح بجذور الأزمة والقوى التي ساهمت في إنتاجها، ثم العمل على بناء مشروع وطني جديد يفتح الطريق أمام السلام والعدالة والتنمية والدولة الديمقراطية الحديثة.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
