باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 19 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

السودان الذي كان يملك كل شيء تقريباً ولم ينجح في بناء الدولة

اخر تحديث: 19 أغسطس, 2026 10:19 مساءً
شارك

السودان الذي كان يملك كل شيء تقريباً ولم ينجح في بناء الدولة: كيف تحولت الجغرافيا والثروة والجيش والبشر والمؤسسات من مقومات للقوة إلى مصادر للتنافس والتفكك؟

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تتمثل المفارقة السودانية الأساسية في أن السودان لم يكن يفتقر إلى مقومات الدولة القوية، بل كان يمتلك معظم عناصرها المادية والبشرية والجغرافية والاقتصادية، لكنه أخفق بصورة متكررة في تحويل هذه الإمكانات إلى قدرة مؤسسية مستدامة وشرعية سياسية جامعة وتنمية متوازنة واستقرار طويل الأمد. فقد امتلك السودان مساحة جغرافية واسعة وموقعاً استراتيجياً يربط وادي النيل بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي ووسط إفريقيا، وموارد مائية وزراعية واسعة، وثروة حيوانية كبيرة، ونفطاً وذهباً ومعادن، وموانئ وممرات تجارية، وجامعات ومؤسسات تعليمية ومهنية، ورأس مال بشرياً مهماً، وجيشاً ومؤسسات إدارية، وأحزاباً ونقابات وحركات اجتماعية ومجتمعاً مدنياً نشطاً. وكان يمكن لهذه العناصر مجتمعة أن تجعل السودان دولة إقليمية ذات وزن اقتصادي وسياسي كبير، إلا أن ضعف المؤسسات، والصراع على السلطة، والتفاوت بين المركز والأطراف، والعسكرة، والاقتصاد الريعي، وضعف المالية العامة، وفشل التسويات السياسية، حالت دون تحويل هذه المقومات إلى قوة وطنية مشتركة.

وتظهر هذه المفارقة بوضوح في القطاع الزراعي، الذي يمثل أحد أكبر أصول السودان الاستراتيجية. فالسودان يمتلك أراضي واسعة وأنظمة زراعية متنوعة ومياه نهرية ومطرية وثروة حيوانية وموقعاً يسمح بالوصول إلى أسواق عربية وإفريقية واسعة. وكان مشروع الجزيرة مثالاً تاريخياً على إمكانية الجمع بين الري والزراعة والتمويل والتسويق وبناء المؤسسات. إلا أن ضعف الإدارة والتمويل والبنية التحتية وتغير السياسات والعلاقات غير المستقرة بين الدولة والمزارعين أدى إلى تراجع الأداء. وبذلك بقيت الإمكانات الزراعية أكبر بكثير من الإنتاجية الفعلية والقيمة المضافة المحققة منها. كما أن الثروة الحيوانية، رغم ضخامتها، لم تتحول بصورة كافية إلى صناعة متكاملة قائمة على التصنيع الغذائي والجلود والأعلاف والخدمات البيطرية وسلاسل التصدير الحديثة.

وتكرر النمط نفسه في النفط. فقد وفر النفط قبل انفصال جنوب السودان عام 2011 إيرادات كبيرة وعملة أجنبية كان يمكن استخدامها لبناء البنية التحتية وتنويع الاقتصاد وتقوية مؤسسات الدولة. لكن الاعتماد على النفط لم يتحول إلى قاعدة إنتاجية واسعة ومستدامة، وأصبحت الإيرادات النفطية جزءاً من الاقتصاد السياسي للسلطة والإنفاق العام والأمن. وعندما فقد السودان الجزء الأكبر من إنتاج النفط بعد الانفصال ظهرت هشاشة النموذج الاقتصادي السابق، لأن البلاد لم تكن قد طورت بالقدر الكافي قاعدة بديلة من الضرائب والإنتاج والتصنيع والتصدير المتنوع. وهكذا أثبتت تجربة النفط أن وجود مورد ضخم لا يكفي لبناء دولة قوية إذا لم يتحول إلى مؤسسات مالية وإنتاجية مستقرة.

ثم برز الذهب بوصفه مورداً استراتيجياً بديلاً، لكنه كشف بصورة أشد خطورة عن مشكلة الدولة السودانية. فقد أصبح التعدين الأهلي واسع النطاق، ونمت حول الذهب شبكات إنتاج وتجارة وتصدير تتجاوز في بعض الأحيان قدرة الدولة على التنظيم والرقابة والتحصيل الضريبي. كما ارتبطت السيطرة على الذهب بمصالح أمنية وعسكرية وتجارية، وأصبح المورد الطبيعي جزءاً من الاقتصاد السياسي للصراع. وبدلاً من أن يؤدي الذهب تلقائياً إلى زيادة الإيرادات العامة وتمويل التنمية، أصبح قادراً على توفير مصادر تمويل مستقلة لبعض الفاعلين المسلحين، الأمر الذي ساهم في إضعاف احتكار الدولة للموارد والقوة. ولذلك فإن المشكلة السودانية ليست مجرد لعنة الموارد، وإنما لعنة الموارد عندما تعمل داخل مؤسسات ضعيفة وتحت سيطرة شبكات سياسية وأمنية واقتصادية متنافسة.

كما أن رأس المال البشري يمثل أحد أكبر أصول السودان التي لم تُستثمر بصورة تراكمية. فقد أنتج السودان أعداداً كبيرة من الأطباء والمهندسين والمعلمين والباحثين والقانونيين والاقتصاديين وغيرهم، وامتلك تقاليد تعليمية ومهنية وجامعات ومؤسسات ذات خبرات مهمة. كما يمتلك السودانيون في الخارج رصيداً كبيراً من المعرفة والخبرة والموارد المالية والشبكات الدولية. لكن عدم الاستقرار السياسي، وتدهور التعليم والصحة والبحث العلمي، وتسييس الخدمة العامة، والهجرة، والحرب، أدى إلى فقدان جزء كبير من هذا الرصيد أو تحويله إلى مورد تستفيد منه دول أخرى. ولذلك أصبحت أزمة السودان في جانب منها أزمة تحويل رأس المال البشري إلى قدرة مؤسسية وإنتاجية وطنية.

وترتبط جذور المشكلة بالطريقة التي تشكلت بها الدولة السودانية الحديثة. فقد ورث السودان جهازاً إدارياً وقانونياً وأمنياً من الحكم الاستعماري، لكنه لم يرث عقداً وطنياً مكتملاً يضمن اندماج الأقاليم والمجموعات المختلفة في نظام مستقر للمواطنة والسلطة والموارد. وبعد الاستقلال لم تنجح النخب السياسية في حسم السؤال المتعلق بطبيعة الدولة وعلاقة المركز بالأطراف وتوزيع الموارد والسلطات بصورة عادلة ومستقرة. ولذلك أصبحت الدولة المركزية نفسها موضع تنافس شديد، وتحولت السيطرة على الخرطوم ومؤسساتها ومواردها إلى هدف أساسي للصراع السياسي، بينما بقيت مناطق واسعة تشعر بأن الدولة حاضرة فيها بدرجة أكبر في وظائف السيطرة والأمن والضرائب والتجنيد، وأضعف في وظائف التنمية والخدمات والعدالة.

ومن هنا نشأت مفارقة المركزية السودانية: كان المركز قوياً في إصدار القرارات وتغيير الحكومات وإدارة السلطة السياسية، لكنه لم يكن قوياً بالقدر نفسه في توفير التنمية المتوازنة والخدمات والعدالة وفرض قواعد موحدة ومستدامة في جميع أنحاء البلاد. ولذلك لم تنتج المركزية دولة قوية بقدر ما أنتجت مركزاً سياسياً قوياً نسبياً محاطاً بأطراف تعاني ضعف المؤسسات والتمثيل والموارد. وعندما تفشل الدولة في توفير قنوات سلمية وفعالة لمعالجة هذه الاختلالات، تصبح الهويات الإقليمية والمحلية والقبلية أدوات للتعبئة، ويصبح التمرد وحمل السلاح وسيلة للحصول على الاعتراف والموارد والسلطة.

وزادت الانقلابات العسكرية من عمق المشكلة. فقد عرف السودان منذ الاستقلال دورات متكررة من الحكم المدني والعسكري، ولم تكن الانقلابات مجرد استبدال حكومة بأخرى، وإنما أدت في كثير من الأحيان إلى إعادة تشكيل الخدمة المدنية والمؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية وفق مصالح النظام الجديد. ونتيجة لذلك تضررت الذاكرة المؤسسية، وتراجع الاستقرار الإداري، وأصبحت المؤسسات عرضة للتسييس وإعادة التشكيل مع كل تحول سياسي كبير. والأخطر من ذلك أن تكرار الانقلابات رسخ لدى بعض النخب فكرة أن السيطرة على القوة يمكن أن تكون أكثر فعالية من بناء الشرعية السياسية والمؤسسات الدستورية، فأصبح الجيش وسيلة محتملة للوصول إلى السلطة بدلاً من أن يكون مؤسسة محايدة لحماية الدولة.

وتشكلت نتيجة ذلك حلقة متبادلة بين ضعف المؤسسات والعسكرة. فكلما ضعفت المؤسسات المدنية زادت قيمة القوة العسكرية، وكلما تدخل الجيش في السياسة توسعت مصالحه السياسية والاقتصادية، وكلما توسعت تلك المصالح أصبح إصلاح القطاع العسكري أصعب، وكلما أصبح الإصلاح أصعب لجأت الأطراف المنافسة إلى بناء قوى أمنية أو مسلحة خاصة بها، الأمر الذي أدى بدوره إلى مزيد من عسكرة الدولة. وبذلك لم تعد المشكلة مجرد تدخل عسكري متكرر في السياسة، بل أصبحت بنية متكاملة تتداخل فيها السلطة والسلاح والموارد والاقتصاد.

وتظهر هذه البنية بوضوح في العلاقة بين الدولة والاقتصاد. فقد تطور في السودان نظام سياسي واقتصادي أصبحت فيه المناصب والامتيازات والموارد العامة والخاصة أدوات لبناء الولاء السياسي وتمويل المنافسة على السلطة. وبدلاً من أن تعمل المؤسسات وفق قواعد عامة مستقرة، أصبحت الشبكات السياسية والأمنية والاجتماعية قادرة على الوصول إلى الموارد بصورة متفاوتة. كما أن وجود موارد يمكن الحصول عليها من النفط أو الذهب أو التجارة أو الامتيازات أو الاقتصاد غير الرسمي قلل الحاجة إلى بناء قاعدة ضريبية وطنية واسعة. وهكذا أصبحت الدولة أقل اعتماداً على علاقة ضريبية مباشرة ومستدامة مع المواطنين، وأصبح المواطن أقل قدرة على رؤية علاقة واضحة بين ما يدفعه للدولة وما يحصل عليه من خدمات.

وقد أدى ضعف الإيرادات العامة إلى إضعاف قدرة الدولة على القيام بوظائفها الأساسية. فالدولة التي لا تستطيع تحصيل الإيرادات بصورة مستقرة لا تستطيع تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية والعدالة والإدارة المحلية والأمن بصورة مستدامة. كما أن ضعف الخدمات يضعف الثقة في الدولة، وانخفاض الثقة يقلل الاستعداد للامتثال للقواعد والضرائب، وانخفاض الامتثال يخفض الإيرادات، فتتراجع الخدمات أكثر. وبذلك تتشكل دائرة من ضعف المالية العامة وضعف الخدمات وضعف الثقة. ولذلك فإن إصلاح النظام المالي السوداني ليس مسألة فنية تتعلق بالضرائب والموازنة فقط، وإنما هو جزء أساسي من إعادة بناء العقد الاجتماعي والسياسي.

وتظهر مشكلة المالية العامة أيضاً في العلاقة بين المركز والولايات. فقد تبنت الدولة السودانية أشكالاً متعددة من الفيدرالية واللامركزية، لكنها لم تنجح بصورة مستقرة في نقل الصلاحيات والموارد والمساءلة إلى المستويات المحلية. وتغيير عدد الولايات أو حدودها أو هياكلها الإدارية لا يعني بالضرورة تحقيق اللامركزية الحقيقية. فاللامركزية الفعالة تحتاج إلى صلاحيات واضحة، وموارد مالية يمكن التنبؤ بها، وقدرة محلية على إدارة الخدمات، ونظام عادل للتحويلات المالية، وآليات للمساءلة المحلية. وعندما تحصل الولايات على المسؤوليات من دون الموارد والسلطات اللازمة، تتحول اللامركزية إلى تفويض ناقص، بينما تبقى القرارات المالية والسياسية الأساسية في المركز.

وأدى هذا الاختلال إلى استمرار الإحساس بعدم العدالة في توزيع الموارد. فالمناطق التي تملك الموارد الطبيعية لا تحصل بالضرورة على نصيب متناسب من التنمية، والمناطق التي تتحمل تكلفة النزاعات أو تستضيف النازحين لا تمتلك بالضرورة الموارد الكافية للتعامل معها، والمواطنون في الأطراف قد يواجهون ضعفاً أكبر في التعليم والصحة والبنية التحتية والعدالة. ولذلك أصبح التفاوت المكاني أحد عوامل تغذية الصراع، لأن التهميش لم يعد مجرد نتيجة للفقر، بل أصبح مرتبطاً بالسؤال عن من يملك الدولة ومن يحدد أولوياتها ومن يحصل على نصيبه من الموارد العامة.

وتُعد علاقة الجيش بالدولة إحدى أكثر حلقات المشكلة حساسية. فالدولة القوية تحتاج إلى جيش قوي، لكن القوة العسكرية تصبح عاملاً لإضعاف الدولة عندما يتحول الجيش إلى فاعل سياسي واقتصادي مستقل عن السلطة المدنية. وقد شهد السودان تاريخاً طويلاً من الحكم العسكري والتدخل العسكري في السياسة، كما ظهرت إلى جانب القوات المسلحة قوى مسلحة أخرى. وأدى ذلك إلى نشوء مشكلة ازدواج السيادة المسلحة، حيث لم يعد السؤال فقط عن مدى قوة الجيش، بل عن عدد مراكز القوة التي تمتلك السلاح والموارد والقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة عن المؤسسات المدنية.

وتفاقمت هذه المشكلة مع تطور قوات الدعم السريع وتحولها إلى قوة كبيرة ذات قدرات عسكرية وشبكات اقتصادية مستقلة نسبياً. وبذلك أصبح السودان أمام تنافس بين مراكز أمنية وعسكرية ذات مصالح سياسية واقتصادية مختلفة، بدلاً من وجود احتكار وطني واضح للعنف المشروع. وقد جعلت هذه البنية عملية الانتقال الديمقراطي أكثر هشاشة، لأن أي محاولة لإعادة تنظيم القطاع الأمني أصبحت تمس مصالح اقتصادية وأمنية كبيرة، وأصبحت عملية دمج القوات وإصلاح المؤسسة العسكرية من أكثر القضايا حساسية في المرحلة الانتقالية.

أما اتفاقات السلام، فقد نجحت في مراحل مختلفة في إيقاف بعض أشكال القتال أو إعادة ترتيب السلطة، لكنها لم تنجح بصورة كافية في تغيير الحوافز التي تجعل حمل السلاح طريقاً للحصول على السلطة والموارد. فقد حصلت بعض الحركات المسلحة على مناصب أو حصص سياسية، لكن هذا لم يكن دائماً مصحوباً بتفكيك مؤسساتها العسكرية أو بناء مؤسسات مدنية قوية أو معالجة الاقتصاد السياسي للصراع. ونتيجة لذلك أصبح هناك خطر أن يصبح السلاح استثماراً سياسياً مربحاً، بحيث تكون تكلفة حمله أقل من تكلفة المنافسة السياسية السلمية. وهذا يفسر لماذا يمكن أن تتكرر الحروب حتى بعد توقيع اتفاقات سلام رسمية.

ومن ثم ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات للسلام: توقف القتال، والتسوية السياسية بين الأطراف، وبناء السلام المؤسسي الذي يجعل العودة إلى الحرب أقل ربحاً من التنافس السلمي. وقد استطاع السودان تحقيق المستويين الأول والثاني بصورة جزئية في فترات مختلفة، لكنه لم ينجح بصورة مستدامة في المستوى الثالث. لذلك ظلت اتفاقات السلام عرضة للانهيار، لأن جذور الصراع في توزيع الموارد والسلطة والسلاح والمؤسسات لم تكن تعالج بصورة كاملة.

وأظهرت ثورة ديسمبر 2018–2019 قوة المجتمع السوداني وقدرته على التعبئة الجماهيرية وإسقاط نظام ظل في السلطة ثلاثة عقود. وقد لعبت الحركات المهنية والنقابات ولجان المقاومة والشباب والمبادرات المدنية دوراً حاسماً في إنتاج ضغط شعبي واسع. لكن الثورة كشفت في الوقت نفسه عن فجوة كبيرة بين الشرعية الشعبية والقدرة المؤسسية. فقد امتلكت القوى المدنية دعماً جماهيرياً واسعاً، بينما احتفظت القوى العسكرية والأمنية بالموارد والسلاح والتنظيم ومصادر القوة الاقتصادية. ولذلك لم يكن إسقاط النظام كافياً لتغيير بنية الدولة، لأن إسقاط رأس النظام أسهل بكثير من إعادة توزيع مصادر القوة داخل الدولة.

وجاء انقلاب 2021 ليؤكد استمرار هذه المشكلة، ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتفجر التناقضات المتراكمة بصورة شاملة. فالحرب لم تبدأ في دولة مستقرة ثم انهارت فجأة، وإنما انفجرت داخل نظام كانت فيه القوة موزعة بين مؤسسات رسمية وشبكات اقتصادية وأمنية وقوى مسلحة متعددة. وقد اجتمعت في الحرب مشكلة التنافس العسكري، والاقتصاد العسكري، والذهب والموارد، وفشل الانتقال، وضعف المؤسسات المدنية، والتفاوت بين المركز والأطراف، والتدخلات الإقليمية والدولية، والصراعات المحلية المتراكمة.

وأدت الحرب إلى انهيار اقتصادي ومؤسسي واسع، وتراجع الإنتاج، وتدمير البنية التحتية، وانهيار الخدمات، وتوقف أو اضطراب الأسواق، واتساع النزوح واللجوء، وارتفاع الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وتراجع قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات وتقديم الخدمات. وأصبح النظام الصحي والتعليمي والإداري في مناطق واسعة غير قادر على أداء وظائفه بصورة طبيعية، كما أدت الحرب إلى خسائر هائلة في رأس المال البشري والمادي. لكن هذه الكارثة لا تعني أن السودان فقد جميع إمكاناته، لأن الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي ورأس المال البشري والشبكات الاجتماعية والاقتصادية ما زالت تمثل قاعدة يمكن البناء عليها إذا تغير الإطار السياسي والمؤسسي.

وتكشف الأزمة الحالية أن إعادة بناء السودان لا ينبغي أن تعني العودة إلى النموذج الذي سبق الحرب. فإعادة المؤسسات القديمة كما كانت، أو إعادة توزيع المناصب بين النخب نفسها، أو توقيع اتفاق سلام من دون تغيير اقتصاد الحرب، قد يؤدي إلى استعادة أسباب الصراع بدلاً من حلها. والمطلوب هو بناء دولة مختلفة تقوم على القدرة المؤسسية والمالية والمواطنة والمساءلة والإنتاج، وليس فقط إعادة تشغيل أجهزة الدولة القديمة.

ويبدأ ذلك ببناء دولة مالية موحدة وشفافة، تدخل إليها الضرائب والجمارك وعوائد الذهب والنفط والموارد الطبيعية، وتخضع للمراجعة والمساءلة، مع نظام واضح وعادل لتوزيع الموارد بين المركز والولايات. ويتطلب ذلك أيضاً إصلاح النظام الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية وتقليل الاقتصاد غير الرسمي والتهريب وربط الإيرادات بالخدمات العامة حتى تتشكل علاقة أكثر توازناً بين الدولة والمواطن.

ويحتاج السودان كذلك إلى إعادة بناء القطاع الأمني على أساس جيش وطني واحد وقوات أمنية موحدة تخضع للدستور والقانون والسلطة المدنية. ولا يكفي دمج المقاتلين بصورة شكلية، بل يجب تفكيك اقتصاديات المؤسسات المسلحة وإخضاع الأنشطة التجارية المرتبطة بها للقواعد المالية والرقابية العامة، وضمان أن تكون قرارات الحرب والسلام والأمن والسياسة الدفاعية بيد مؤسسات الدولة الشرعية.

كما يجب بناء خدمة مدنية مهنية مستقلة نسبياً عن التنافس الحزبي والشخصي، وإعادة بناء القضاء والنيابة وأجهزة الرقابة والمراجعة ومكافحة الفساد، واستخدام الرقمنة والبيانات لتقليل الوساطة والمحسوبية وتحسين التتبع والشفافية. فالدولة الحديثة لا تستطيع العمل بكفاءة من دون معلومات دقيقة عن السكان والموارد والموازنات والخدمات والإنتاج.

ويجب أيضاً بناء فيدرالية حقيقية تقوم على توزيع واضح للسلطات والموارد، بحيث تحصل الولايات على صلاحيات وموارد تمكنها من تقديم الخدمات، وتخضع في الوقت نفسه للمساءلة المحلية والوطنية. ويجب أن يرتبط توزيع الموارد بمعايير السكان والفقر والحاجة وتكلفة تقديم الخدمات والموارد المنتجة محلياً، وليس فقط بموازين القوة السياسية.

كما أن الموارد الطبيعية تحتاج إلى إعادة تنظيم شاملة. فالذهب يجب أن ينتقل من كونه مورداً يمكن أن يمول الفاعلين المسلحين وشبكات التهريب إلى قطاع رسمي شفاف يخضع للضرائب والتدقيق والتتبع، وتستفيد منه المجتمعات المحلية والدولة. وكذلك يجب تطوير الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعة والطاقة والنقل والخدمات بحيث يتحول الاقتصاد من اقتصاد استخراج وريوع إلى اقتصاد إنتاج وقيمة مضافة وتصدير متنوع.

ويجب أن يحتل رأس المال البشري موقعاً مركزياً في إعادة البناء. فعودة المعلمين والأطباء والمهندسين والباحثين والخبراء السودانيين في الداخل والخارج، وإعادة بناء الجامعات والمدارس والمستشفيات ومراكز البحث والتدريب المهني، ليست مجرد سياسات اجتماعية، بل استثمار مباشر في قدرة الدولة على العمل. كما يمكن للاستفادة المنظمة من السودانيين في الشتات أن توفر خبرات وتمويلاً وشبكات دولية مهمة لإعادة البناء.

وتحتاج عملية إعادة البناء كذلك إلى نظام وطني للبيانات والأدلة. فالدولة التي لا تعرف بصورة دقيقة عدد سكانها واحتياجاتهم وأماكن وجودهم وحجم إنتاجها ومواردها وإيراداتها ونفقاتها لا تستطيع تصميم سياسات فعالة أو تقييم نتائجها. ولذلك ينبغي تطوير نظم إحصائية حديثة وسجلات مدنية وهوية رقمية ونظم معلومات جغرافية وبيانات مالية وصحية وتعليمية وزراعية موثوقة، وربط صنع السياسات بالأدلة بدلاً من التقديرات والانطباعات.

كما لا يمكن بناء دولة مستقرة من دون عدالة انتقالية شاملة. فتوثيق الانتهاكات، والمساءلة عن الجرائم، وجبر الضرر، وكشف الحقيقة، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار، كلها عناصر ضرورية لاستعادة الثقة. لكن العدالة يجب أن تكون قانونية ومؤسسية وليست انتقامية، وأن تستهدف بناء سيادة القانون لا إعادة إنتاج الصراع في صورة جديدة.

والخلاصة الكبرى هي أن السودان ليس حالة دولة بلا موارد أو دولة فاشلة بسبب الفقر الطبيعي والجغرافي، وإنما حالة دولة تمتلك موارد ومؤسسات ومجتمعاً ورأس مال بشرياً كبيراً، لكنها عانت من ضعف القدرة على تنسيق هذه الأصول داخل إطار وطني واحد. فالموارد تحولت أحياناً إلى مصادر للصراع، والمركزية تحولت إلى تهميش، والجيش تحول في مراحل إلى فاعل سياسي، والاقتصاد الريعي أضعف العلاقة الضريبية بين الدولة والمواطن، واتفاقات السلام لم تغير دائماً الحوافز التي تنتج الحرب، والقوة الاجتماعية للمجتمع المدني لم تتحول إلى قدرة مؤسسية موازية لقوة مراكز السلاح والمال.

ولهذا فإن جوهر الأزمة السودانية يمكن اختزاله في فشل تحويل عناصر القوة الخاصة والمجزأة إلى قوة عامة مؤسسية. فالسودان يمتلك الأرض والمياه والذهب والموقع والثروة الحيوانية والبشر والتعليم والمجتمع المدني، لكنه لم يمتلك بصورة مستقرة المؤسسات التي تجعل هذه العناصر تعمل لصالح الدولة والمواطنين بصورة متكاملة. وكل عنصر كان يمكن أن يكون أساساً للقوة تحول، في ظل ضعف المؤسسات، إلى مجال للتنافس: الذهب أصبح مجالاً للتمويل المسلح، الجيش أصبح مجالاً للسلطة السياسية، المركز أصبح مجالاً للسيطرة على الموارد، المناصب أصبحت أدوات للمحاصصة، واتفاقات السلام أصبحت أحياناً وسائل لإعادة توزيع السلطة بدلاً من بناء مؤسسات جديدة.

ومن ثم فإن الدولة السودانية القوية التي ينبغي بناؤها بعد الحرب ليست دولة أكثر قمعاً أو أكثر مركزية أو أكثر عسكرية، وإنما دولة أكثر قدرة ومهنية وعدالة ومساءلة. الدولة القوية هي التي تمتلك مالية عامة مستقرة، ومؤسسات مدنية فعالة، وجيشاً واحداً خاضعاً للقانون، وقضاء مستقلاً، وإدارة مهنية، وفيدرالية حقيقية، واقتصاداً إنتاجياً، وموارد طبيعية شفافة، وخدمات عامة قابلة للاستمرار، ومواطنة متساوية، وقدرة على إدارة التنوع والنزاعات سلمياً.

وبذلك فإن التحدي التاريخي للسودان ليس اكتشاف مقومات جديدة للقوة، وإنما تغيير الطريقة التي تُدار بها المقومات الموجودة بالفعل. المطلوب تحويل الموارد إلى إيرادات عامة، والثروة الزراعية إلى إنتاج وقيمة مضافة، والتنوع إلى مواطنة، والمركزية إلى لامركزية فعالة، والجيش إلى مؤسسة دفاع وطنية، والسلطة إلى مؤسسات، والمجتمع المدني إلى رقابة ومشاركة، ورأس المال البشري إلى معرفة وإنتاج، والسلام إلى مؤسسات تمنع العودة إلى الحرب. فإذا تحقق هذا التحول، فإن السودان يمتلك بالفعل قاعدة مادية وبشرية وجغرافية تسمح له ببناء دولة قوية ومستقرة وذات وزن إقليمي. أما إذا أعيد إنتاج قواعد الدولة السابقة مع تغيير النخب والأسماء فقط، فإن الموارد والإمكانات نفسها ستظل قادرة على تمويل الصراع وإعادة إنتاج ضعف الدولة.

والدرس الأعمق هو أن الحرب الحالية ينبغي ألا تُفهم فقط باعتبارها أكبر كارثة في تاريخ السودان الحديث، بل باعتبارها أيضاً اختباراً حاسماً للنموذج القديم للدولة. فقد أظهرت الحرب تكلفة ترك السلاح خارج إطار الدولة، وتكلفة الاقتصاد الريعي، وتكلفة ضعف المالية العامة، وتكلفة التهميش الإقليمي، وتكلفة المؤسسات غير المهنية، وتكلفة التسويات التي لا تغير الحوافز الأساسية. ولذلك فإن الخروج من الحرب لا ينبغي أن يكون مجرد عودة إلى الاستقرار، بل انتقالاً من دولة تتنافس النخب على السيطرة عليها إلى دولة تنتج القوة العامة وتحمي المواطنين وتخضع للقانون وتحوّل موارد السودان الاستثنائية إلى تنمية مستدامة وعدالة ومواطنة واستقرار.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: ليست المشكلة أن السودان افتقر إلى مقومات الدولة، بل أنه عجز تاريخياً عن تحويلها إلى قدرة مؤسسية وشرعية وطنية

تقوم الفرضية المركزية لهذا المقال على أن تفسير ضعف الدولة السودانية باعتباره نتيجة لنقص الموارد أو الفقر أو اتساع الرقعة الجغرافية أو التنوع الاجتماعي تفسير غير كافٍ، بل ومضلل جزئياً. فالسودان امتلك، منذ الاستقلال، مزيجاً نادراً من المقومات التي كان يمكن أن تؤهله لبناء دولة إقليمية مؤثرة: مساحة جغرافية ضخمة، وموقع يربط وادي النيل بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي ووسط إفريقيا، وموارد مائية وزراعية استثنائية، وثروة حيوانية ومعدنية ونفطية، وموانئ وممرات تجارية، وقاعدة بشرية واسعة، وتقاليد تعليمية ومهنية، وجهازاً إدارياً، وجيشاً تاريخياً، ونقابات وحركات اجتماعية نشطة، وتقاليد سياسية وحزبية، ومجتمعاً مدنياً أثبت في مناسبات عديدة قدرة عالية على إسقاط الأنظمة السلطوية. ومع ذلك، لم تتحول هذه العناصر مجتمعة إلى دولة قوية ومستقرة وقادرة على إنتاج التنمية وحماية المواطنين وتنظيم الاقتصاد واحتكار العنف المشروع وإدارة التنوع بصورة عادلة.

وتزداد المفارقة وضوحاً عندما ننظر إلى السودان من زاوية مقارنة: ليست كل الدول التي تفتقر إلى النفط أو الأراضي الزراعية الواسعة دولاً ضعيفة، وليست كل الدول الغنية بالموارد دولاً قوية. العامل الحاسم هو قدرة المؤسسات على تحويل الموارد إلى إيرادات عامة، والإيرادات إلى خدمات، والخدمات إلى شرعية، والشرعية إلى تعاون اجتماعي، والقوة العسكرية إلى أمن عام، والتنمية الاقتصادية إلى قاعدة ضريبية، والتنوع الاجتماعي إلى مواطنة متساوية. وهذه هي النقطة التي تتلاقى فيها أدبيات بناء الدولة والقدرة المالية والمؤسسات السياسية والاقتصاد السياسي للنزاعات؛ فالدولة القوية ليست مجموع ما تمتلكه من موارد، وإنما قدرتها المستدامة على تنظيم هذه الموارد وتحويلها إلى سلطة عامة قابلة للمساءلة (Besley, 2011; Fukuyama, 2014; North, 2009).

والأدلة السودانية الحديثة تؤكد أن هذه ليست مشكلة تاريخية مجردة. فقد انخفضت إيرادات الحكومة من نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2022 إلى أقل من 5% في 2024–2025، بينما ارتفع معدل الفقر المدقع المقدّر من 48% في 2023 إلى نحو 59% في 2025. وفي الوقت نفسه، تعرض الاقتصاد لانكماشات هائلة، ثم سجل نمواً تقديرياً بنحو 3.1% في 2025 من قاعدة منخفضة للغاية، دون أن يعني ذلك عودة القدرة المؤسسية أو الاقتصادية إلى مستويات ما قبل الحرب (World Bank, 2025; World Bank, 2026).

وفي أبريل/نيسان 2026، وبعد ثلاثة أعوام من الحرب التي بدأت في 15 أبريل/نيسان 2023، قدرت الأمم المتحدة أن قرابة 34 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 21 مليوناً يحتاجون إلى مساعدات صحية، مع استمرار النزوح والجوع وتدمير الخدمات العامة. وفي المقابل، تشير نمذجة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية إلى أن السودان، رغم هذه الكارثة، ما زال يمتلك مساراً تنموياً ممكناً؛ إذ يمكن لسيناريو يجمع السلام والإصلاح والاستثمار أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 58.2 مليار دولار بحلول 2043، ويخرج 17.3 مليون شخص إضافي من الفقر المدقع، ويحقق متوسط نمو يقارب 5% سنوياً، مع مكاسب كبيرة خصوصاً من إصلاح الحوكمة والزراعة (Aikins, 2026).

وهذا يقود إلى السؤال الذي يحاول المقال الإجابة عنه: كيف يمكن لبلد يمتلك هذا القدر من المقومات أن يعجز مراراً عن بناء دولة قوية، ولماذا تحولت عناصر القوة نفسها إلى ساحات للتنافس والصراع؟

تعتمد إعادة بناء المقال منهجياً على تسلسل سببي لا على مجرد التسلسل الزمني: يبدأ التحليل بتحديد مقومات القوة التي امتلكها السودان، ثم ينتقل إلى تاريخ تشكل الدولة، ثم يفسر تحول هذه المقومات إلى موارد للتنافس السياسي، ثم يفكك علاقة المركز بالأطراف، والاقتصاد بالسلطة، والجيش بالدولة، والموارد بالحرب، والسلام ببنية الدولة، وينتهي بتحليل الحرب الحالية باعتبارها نتيجة تراكمية واختباراً نهائياً لقدرة السودان على الانتقال من دولة السلطة إلى دولة المؤسسات، ثم يستخلص نموذجاً عملياً لإعادة بناء الدولة. وبهذه الطريقة يصبح ترتيب الفصول تفسيرياً: المقومات → التكوين التاريخي → قواعد السلطة → الاقتصاد والموارد → المركز والأطراف → الجيش والعنف → فشل التسويات → الحرب → نموذج الدولة البديلة.

الفصل الأول: السودان كان يملك قاعدة دولة كبرى، لكنه لم يملك الآلية التي تحول الإمكانات إلى قدرة

عند النظر إلى السودان بعيداً عن نتائج الحرب الحالية، تظهر صورة مختلفة تماماً عن صورة “الدولة الفقيرة بلا مقومات”. فالسودان من أكبر الدول الإفريقية مساحة، ويتمتع بموقع استراتيجي على البحر الأحمر وبشبكة أنهار ومياه وأراضٍ زراعية ومراعٍ وثروة حيوانية وموارد معدنية ونفطية، إضافة إلى قربه من أسواق عربية وإفريقية متعددة. وهذه المزايا تمنحه إمكانية الجمع بين الزراعة والتعدين والطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية، وهي تركيبة نادرة في بلد واحد.

وتأتي الزراعة في مقدمة هذه الإمكانات. فالسودان يمتلك مساحات واسعة من الأراضي المطرية والمروية، ونظم إنتاج متعددة تمتد من الجزيرة والقضارف والنيلين إلى دارفور وكردفان وشرق السودان، إضافة إلى ثروة حيوانية كبيرة وأسواق حدودية واسعة. كما أن موقعه بين شمال إفريقيا والقرن الإفريقي يمنحه إمكانية أن يصبح مركزاً لتجارة الحبوب والماشية والمنتجات الزراعية والطاقة والخدمات اللوجستية. لكن الإمكانية الاقتصادية لا تصبح قوة وطنية إلا عندما توجد بنية تحتية وأسواق وحقوق ملكية واضحة وتمويل وإدارة للمياه وسياسات زراعية مستقرة وسلاسل قيمة قادرة على ربط المنتج بالسوق.

ويقدم مشروع الجزيرة مثالاً كاشفاً. فقد كان المشروع أحد أكبر مشاريع الري الزراعي في العالم، وكان يمثل تجربة تاريخية في ربط الري والإنتاج والتمويل والتسويق وبناء الدولة. غير أن تدهور الإدارة والتمويل والعلاقات بين الدولة والمزارعين وتغير ترتيبات الملكية والإدارة أدى تدريجياً إلى تراجع الأداء. ويظهر في أعمال Verhoeven أن المياه والزراعة في السودان لم تكونا مجرد قطاعين اقتصاديين، بل كانتا جزءاً من بنية السلطة نفسها؛ فإدارة المياه والأرض أصبحت مرتبطة بالسؤال عن من يملك الدولة ومن يستفيد من الاستثمار العام (Verhoeven, 2015).

وتتكرر الصورة نفسها في النفط. قبل انفصال جنوب السودان عام 2011، كان النفط يمثل مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية والإيرادات العامة، ثم أدى الانفصال إلى فقدان السودان الجزء الأكبر من إنتاجه النفطي. وقد أظهرت هذه التجربة أن الإيراد الكبير لا يبني بالضرورة قدرة مالية دائمة إذا لم يتحول إلى مؤسسات مالية وتنموية مستقرة. فقد ارتبط جزء مهم من السياسة الاقتصادية بالنفط بوصفه مورداً يمكن استخدامه لتثبيت التحالفات وتمويل الجهاز الأمني، بدلاً من تحويله بصورة كافية إلى قاعدة إنتاجية متنوعة.

بعد النفط، أصبح الذهب أكثر أهمية، لكن الذهب كشف الوجه الأكثر خطورة للمشكلة. فقد اتسع التعدين الأهلي بصورة ضخمة، وأصبح الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، بينما صارت السيطرة على مواقع التعدين والتجارة والتصدير جزءاً من الصراع السياسي والأمني. وتقدر Chatham House أن الذهب أصبح أهم مصدر دخل للطرفين الرئيسيين في الحرب، وأن التنافس على الذهب سبق الحرب نفسها وكان أحد العوامل التي غذت الانقلاب العسكري في 2021 والحرب التي اندلعت في 2023 (Soliman, 2025).

كما يبين تحليل Chatham House أن التعدين الأهلي شكّل في بعض التقديرات ما يصل إلى 80% من إنتاج الذهب، وأن الدولة لم تكن عاجزة فقط عن تنظيم القطاع، بل استخدمت في مراحل مختلفة أجهزة أمنية وفاعلين مسلحين للسيطرة على مناطق التعدين، الأمر الذي ربط الموارد الطبيعية بالعنف بصورة مباشرة (Soliman, 2025).

أما رأس المال البشري، فقد كان من أبرز المقومات التي لم تستثمر بصورة تراكمية. فقد أنتج السودان أعداداً كبيرة من الأطباء والمهندسين والمعلمين والقانونيين والاقتصاديين والباحثين، وامتلك جامعات ومؤسسات مهنية عريقة نسبياً، كما أن السودانيين في الشتات يشكلون رصيداً معرفياً ومالياً يمكن أن يكون حاسماً في إعادة البناء. لكن الهجرة، وضعف البحث العلمي، وتسييس الوظيفة العامة، وتدهور التعليم والصحة، والحرب نفسها، حولت جزءاً من رأس المال البشري من أصل للدولة إلى مورد يستفيد منه الخارج.

ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس هل كان السودان يمتلك الموارد، بل هل كان يمتلك المؤسسات الوسيطة التي تحول الموارد إلى قدرة؟ والجواب التاريخي هو أن هذه المؤسسات كانت موجودة بصورة جزئية لكنها لم تكن مترابطة أو مستقلة أو مستدامة.

الفصل الثاني: الدولة السودانية تشكلت كجهاز للسيطرة قبل أن تكتمل كعقد للمواطنة والتنمية

لا يمكن تفسير المعضلة السودانية من دون العودة إلى الطريقة التي تشكلت بها الدولة الحديثة. فقد ورث السودان من الحكم الاستعماري جهازاً إدارياً وقانونياً وأمنياً، لكنه لم يرث دولة وطنية مكتملة تقوم على عقد سياسي جامع بين المركز والأقاليم والمجموعات المختلفة. وهنا يجب تجنب التفسير التبسيطي الذي يحمل الاستعمار وحده مسؤولية كل مشكلات السودان؛ فالمؤسسات التي ورثها السودان كان يمكن إعادة تشكيلها بعد الاستقلال، لكن النخب السودانية دخلت منذ البداية في صراع على السلطة المركزية بدلاً من حسم قواعد توزيعها بصورة مستقرة.

أنتج الحكم الاستعماري تفاوتاً في أنماط الإدارة بين المناطق، واستخدم الإدارة الأهلية والوسطاء المحليين بدرجات مختلفة. وأدى ذلك إلى استمرار وجود طبقات متعددة من السلطة: الدولة الرسمية، والإدارة المحلية، والقيادات الأهلية، والمؤسسات الدينية، والشبكات الاجتماعية. ولم يكن ذلك في حد ذاته مشكلة؛ فالدول الناجحة تستطيع دمج المؤسسات المحلية في نظام وطني. لكن السودان لم ينجح بصورة مستقرة في بناء هذا الدمج.

بعد الاستقلال عام 1956، أصبح السؤال المركزي: هل الدولة السودانية مشروع مواطنة متساوية، أم مشروع مركز سياسي واقتصادي يوزع الامتيازات على الأطراف؟ لم يحسم هذا السؤال. ومن هنا بدأت مشكلة ستتكرر لاحقاً في جنوب السودان ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان ومناطق أخرى.

ويمكن فهم ذلك من خلال مفهوم “الدولة ذات السيادة القانونية المحدودة” الذي طورته أدبيات بناء الدولة: الدولة قد تمتلك قوانين ومؤسسات رسمية، لكن قدرتها الفعلية على فرض قواعد موحدة تتفاوت مكانياً واجتماعياً. وهذا ما يفسر لماذا يمكن لدولة أن تكون شديدة المركزية وفي الوقت نفسه ضعيفة في الأطراف (Migdal, 1988).

وقد كان السودان شديد المركزية دون أن يكون شديد القدرة. فالخرطوم استطاعت في فترات كثيرة إصدار الأوامر، لكنها لم تستطع دائماً تحويل الأوامر إلى خدمات وعدالة واستثمار وإدارة محلية في جميع أنحاء البلاد. وهنا يظهر الفرق الحاسم بين مركزية السلطة وقدرة الدولة: الأولى يمكن أن تزيد مع ضعف الثانية.

ولذلك فإن المسألة السودانية ليست ببساطة “مركز قوي وأطراف ضعيفة”، بل علاقة أكثر تعقيداً: المركز كان قوياً في التحكم السياسي، لكنه أضعف من أن يوفر تنمية متوازنة، والأطراف كانت ضعيفة في المؤسسات المدنية لكنها قوية في إنتاج المقاومة عندما فشلت الدولة في توفير الأمن والعدالة والموارد.

الفصل الثالث: الانقلابات لم تكن مجرد تغييرات للحكومات؛ كانت آلية لإعادة تشكيل الدولة وتدمير تراكمها المؤسسي

منذ الاستقلال عرف السودان دورات متكررة من الحكم المدني والعسكري، أبرزها انقلاب 1958، وانقلاب 1969، وانقلاب 1989، ثم انقلاب أكتوبر 2021، وصولاً إلى الحرب المفتوحة في 2023. ولا تكمن أهمية هذه الانقلابات في عددها فقط، وإنما في أثرها التراكمي على المؤسسات.

في الدولة المؤسسية، تغير الحكومة لا يعني إعادة بناء الدولة. أما في السودان، فقد ارتبط تغيير النظام في كثير من المراحل بتغيير واسع في قواعد التعيين والموارد والولاءات والخدمة المدنية والأجهزة الأمنية والسياسة الاقتصادية. وبالتالي فقدت المؤسسات قدرتها على تراكم الخبرة.

هذه الظاهرة يمكن تسميتها انقطاع الذاكرة المؤسسية. فالوزارة التي يتغير كبار موظفيها بصورة واسعة بعد كل تحول سياسي لا تستطيع بناء خبرة تراكمية. والقضاء الذي يتعرض لضغوط سياسية يفقد استقلاله. والخدمة المدنية التي تصبح أداة للولاء الحزبي تفقد مهنيتها. والجيش الذي يتحول إلى لاعب سياسي يصبح جزءاً من عملية تغيير الحكومات بدلاً من أن يكون مؤسسة مستمرة للدولة.

وقد خلصت تحليلات حديثة إلى أن تكرار الانقلابات السودانية يرتبط بثقافة سياسية واقتصادية عسكرة الحكم والبحث عن الريع، وليس بمجرد طموح قادة عسكريين منفردين. وتربط Carnegie بين تكرار الانقلابات وبين الريعية والمحسوبية والكلبتوقراطية وتدخل المؤسسة العسكرية في قطاعات اقتصادية رئيسية (Carnegie, 2023).

ومن منظور نظرية بناء الدولة، فإن أخطر ما تفعله الانقلابات ليس إسقاط حكومة، وإنما تعليم النخب السياسية والعسكرية أن السيطرة على القوة أكثر فاعلية من بناء الشرعية. وعندما تصبح هذه القاعدة راسخة، تتغير الحوافز: بدلاً من الاستثمار في الحزب والبرنامج والانتخابات، يصبح الاستثمار في الجيش والأمن والمال السياسي أكثر ربحية.

ومن هنا يمكن تفسير مفارقة مهمة: السودان شهد مجتمعاً مدنياً قادراً على إسقاط أنظمة عسكرية في 1964 و1985 و2019، لكنه لم ينجح في تثبيت نظام مدني مؤسسي مستدام. السبب أن إسقاط النظام ليس هو المشكلة الوحيدة؛ المشكلة الأصعب هي إعادة توزيع مصادر القوة بعد سقوطه.

الفصل الرابع: الاقتصاد السياسي هو الحلقة التي حولت الموارد العامة إلى شبكات ولاء وحولت الدولة من منتج للتنمية إلى سوق للسلطة

تقدم نظرية “السوق السياسي” إطاراً شديد الأهمية لفهم السودان. وفي هذا التصور لا تعمل السياسة أساساً وفق المؤسسات الرسمية والقواعد الدستورية، وإنما وفق صفقات بين النخب والفاعلين السياسيين والعسكريين والاقتصاديين، بحيث تُستخدم الموارد العامة والخاصة لشراء الولاء السياسي والأمني. وقد طورت هذه النظرية انطلاقاً من دراسة السودان والقرن الإفريقي، وأصبحت إحدى الأدوات المهمة لتحليل نظم الحكم في البيئات الهشة (de Waal, 2019).

وفي السودان، وجدت Gallopin وزملاؤه أن جوانب أساسية من الاقتصاد السياسي بقيت دون تغيير بعد سقوط البشير، بما في ذلك الاستغلال الشديد للعمل والموارد الطبيعية، والدور الكبير للشركات المرتبطة بقيادات القطاع الأمني، واعتماد اتفاقات السلام على حوافز مادية ومناصب حكومية، واستمرار السياسة التبادلية على حساب السياسة المؤسسية والمدنية (Gallopin, 2021).

هذه النتيجة مهمة لأنها تفسر لماذا لم يكن سقوط نظام عمر البشير عام 2019 كافياً لتغيير قواعد الدولة. فقد تغير رأس النظام، لكن كثيراً من مصادر القوة الاقتصادية والأمنية بقيت خارج سيطرة المؤسسات المدنية.

وهنا يظهر مفهوم آخر بالغ الأهمية: الاقتصاد السياسي للاعتماد على الريع. عندما تستطيع النخبة الحصول على المال من الذهب أو النفط أو التجارة أو المساعدات أو الامتيازات بدلاً من الضرائب الواسعة، تصبح حاجتها إلى بناء علاقة ضريبية مع المواطنين أقل. وفي المقابل، عندما يدفع المواطنون الضرائب ويرون الخدمات، يتشكل عقد سياسي مختلف: “لا ضرائب بلا تمثيل ولا تمثيل مستدام بلا قدرة مالية”.

وتكشف الأرقام الحديثة انهيار هذه العلاقة. فقد انهارت إيرادات الحكومة إلى أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2024–2025، في حين كانت نحو 10% في 2022 (World Bank, 2026). وهذه ليست مجرد مشكلة محاسبية؛ إنها مؤشر على تراجع السيادة المالية.

فالسيادة السياسية لا يمكن أن تكون مستقرة إذا كانت الدولة لا تعرف بصورة موثوقة ما تنتجه البلاد، ولا تستطيع فرض الضرائب، ولا تتحكم في الحدود والجمارك، ولا تستطيع إدخال عوائد الموارد الطبيعية في الموازنة العامة، ولا تستطيع تمويل خدماتها الأساسية.

الفصل الخامس: الذهب والنفط والأرض لم تكن ضحايا ضعف الدولة فقط؛ أصبحت جزءاً من الآلية التي تعيد إنتاج ضعفها

تكشف تجربة النفط والذهب عن إحدى أكثر المفارقات أهمية. فالنفط كان يمكن أن يمول بناء البنية التحتية والتنمية والمؤسسات، والذهب يمكن أن يصبح مصدراً ضخماً للعملة الأجنبية، والأرض يمكن أن تكون أساساً لثورة زراعية؛ لكن كل مورد أصبح أيضاً مجالاً للصراع على السيطرة.

في الحالة النفطية، سمح تدفق الإيرادات للحكومة بتمويل الدولة دون توسيع قاعدة الإنتاج والضرائب بالقدر الكافي. وبعد انفصال جنوب السودان، انخفضت الإيرادات النفطية بشدة، وكشف ذلك هشاشة النموذج السابق. وقد أشار Diwan إلى أن عائدات النفط انخفضت من نحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي في 2007 إلى أقل من 1% في 2017، بينما لم تنخفض الأعباء العسكرية بصورة متناسبة مع انهيار الإيرادات (Diwan, 2020).

أما الذهب فقد اتخذ مساراً مختلفاً وأكثر خطورة. فالذهب موزع جغرافياً، ويتميز التعدين الأهلي فيه بدرجة عالية من اللامركزية، ما جعل السيطرة عليه مرتبطة بالأمن المحلي والحدود والتجارة العابرة للدول. ومع توسع الذهب، دخلت الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة والفاعلون المسلحون والتجار وشبكات التهريب في منظومة اقتصادية واحدة.

وقد خلصت Chatham House إلى أن السيطرة على الذهب كانت جزءاً من المنافسة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع قبل الحرب، وأن تجارة الذهب متعددة المليارات أصبحت مصدراً مهماً لتمويل طرفي الحرب وشبكاتهما العابرة للحدود (Soliman, 2025).

وتؤكد C4ADS أن القوات المسلحة السودانية والدعم السريع استخدما الإيرادات المرتبطة بالذهب والتعدين في تمويل العمليات العسكرية، وأن شبكات التعدين والتجارة تشكل جزءاً من اقتصاد الحرب (C4ADS, 2025).

ومن ثم فإن “لعنة الموارد” وحدها لا تكفي لتفسير السودان. الأدق هو الحديث عن لعنة المؤسسات الضعيفة في بيئة الموارد: الموارد لا تدمر الدولة تلقائياً، لكنها تصبح مدمرة عندما تكون قواعد الملكية والضرائب والرقابة والتصدير والشفافية ضعيفة، وعندما تستطيع الجماعات المسلحة الوصول إلى الموارد بصورة مستقلة عن الموازنة.

الفصل السادس: المركز لم يفشل لأنه كان قوياً جداً، بل لأنه كان مركزياً دون أن يكون قادراً وعادلاً؛ ولذلك تحولت الأطراف إلى ساحات مقاومة

كانت إحدى أهم استراتيجيات الدولة السودانية هي المركزية الإدارية والسياسية. لكن التجربة أظهرت أن المركزية من دون توزيع عادل للموارد والسلطات تنتج هشاشة لا وحدة.

وتؤكد دراسة El-Battahani وGadkarim حول الفيدرالية والمالية العامة بين 1989 و2015 أن المركز ظل صاحب القرار النهائي في توزيع الموارد الاقتصادية والسياسية، وأن التحويلات المالية إلى الولايات لم تكن مرتبطة بصورة منهجية بخفض الفقر، وأن السودان افتقر إلى نظام عادل ومستقر للمساواة المالية بين الولايات، مع وجود عدم تطابق بين اللامركزية المالية والبنية السياسية (El-Battahani, 2017).

هذه النتيجة تفسر لماذا لم تكن الفيدرالية السودانية في كثير من مراحلها لامركزية حقيقية. فقد تغيرت أسماء الولايات وعددها وحدودها، لكن ذلك لا يعني أن القرار المالي والسياسي انتقل فعلياً إلى المستوى المحلي.

اللامركزية الحقيقية تحتاج إلى ثلاثة أشياء مترابطة: سلطة قانونية واضحة، وموارد مالية مستقلة أو تحويلات قابلة للتنبؤ، ومساءلة محلية أمام المواطنين. فإذا غاب أحد هذه العناصر، تصبح اللامركزية مجرد إعادة توزيع إداري للبيروقراطية.

وكانت النتيجة أن مناطق كثيرة شعرت بأنها تحصل على الدولة عندما تحتاج السلطة إلى الضرائب أو التجنيد أو السيطرة الأمنية، لكنها لا تحصل على الدولة بالقدر نفسه عندما يتعلق الأمر بالمدارس والمستشفيات والطرق والعدالة والاستثمار.

وهذا التناقض يخلق ما يمكن تسميته الدولة الانتقائية: الدولة حاضرة في بعض وظائف السيطرة، وغائبة في وظائف الحماية والتنمية. وفي مثل هذه البيئة يصبح ظهور السلطات المحلية غير الرسمية والمجتمعات المسلحة أمراً مفهوماً، حتى وإن كان لا يبرر العنف.

الفصل السابع: السودان امتلك جيشاً قوياً، لكنه لم ينجح في بناء دولة يكون الجيش فيها قوياً لأنه يخضع لها لا لأنه يشارك في حكمها

ربما لا توجد قضية تكشف مفارقة الدولة السودانية أكثر من العلاقة بين الجيش والسياسة.

فالجيش مؤسسة ضرورية لأي دولة، والسودان يحتاج بالتأكيد إلى قوات مسلحة وطنية مهنية قادرة على حماية الحدود والسيادة. لكن المشكلة التاريخية كانت أن الجيش لم يظل دائماً أداة للدولة، بل أصبح في مراحل متعددة أحد الفاعلين الذين يحددون من يحكم الدولة.

وقد أدى ذلك إلى انقلاب في وظيفة القوة العسكرية: بدلاً من أن تكون ميزانية الدفاع نتيجة للسياسة العامة، أصبحت السياسة العامة أحياناً نتيجة لموازين القوة العسكرية.

وتظهر خطورة ذلك بصورة أوضح مع وجود قوات الدعم السريع بوصفها قوة مسلحة مستقلة نسبياً ذات مصادر تمويل وشبكات اقتصادية خاصة. وهكذا لم تعد الدولة تواجه مشكلة “جيش مسيس” فقط، بل أصبحت تواجه ازدواجية في السيادة المسلحة.

وقد أظهرت Carnegie أن النظام الذي ورثته البلاد بعد البشير حافظ على امتيازات اقتصادية واسعة للمؤسسة العسكرية، وأن الإصلاح الاقتصادي والديمقراطي كان يصطدم بمصالح عسكرية واقتصادية مستقلة (Diwan, 2020).

كما أظهرت تحليلات المرحلة الانتقالية أن الترتيبات السياسية بعد 2019 أبقت المؤسسة العسكرية في موقع قوي داخل الحكم، ولم تمنح المدنيين الأدوات الكافية لإعادة بناء التوازن المؤسسي، بينما ظل إصلاح القطاع الأمني من أصعب الملفات (Carnegie, 2021).

وتكمن المشكلة في أن الجيش الذي يحكم لا يواجه فقط مشكلة ديمقراطية؛ بل يواجه مشكلة مؤسسية أيضاً. فالجيش المنخرط في السياسة يحتاج إلى الحفاظ على مصالحه السياسية والاقتصادية، ولذلك يصبح لديه حافز لمقاومة إصلاحات قد تقلل من استقلاله. وفي المقابل، يخلق الجيش السياسي حافزاً للمدنيين والمنافسين على إنشاء قوات مسلحة أو شبه مسلحة موازية لحمايتهم.

وهكذا يمكن أن تدخل الدولة في حلقة عسكرة ذاتية التعزيز: تدخل المؤسسة العسكرية السياسة، فتتوسع مصالحها؛ توسع مصالحها يدفع منافسين إلى بناء قوى مسلحة؛ وجود القوى المسلحة يبرر استمرار عسكرة الدولة؛ استمرار العسكرة يضعف المدنيين؛ ضعف المدنيين يعيد الجيش إلى السياسة.

وهذا أحد الجذور البنيوية للحرب الحالية.

الفصل الثامن: السلام السوداني كان كثيراً ما يوقف الحرب مؤقتاً لكنه لا يفكك اقتصاد الحرب ولا يعيد بناء الدولة

يمتلك السودان تاريخاً طويلاً من اتفاقات السلام: اتفاق أديس أبابا 1972، واتفاقية السلام الشامل 2005، واتفاقات دارفور، ثم اتفاق جوبا 2020 وغيرها. لكن استمرار النزاعات بعد الاتفاقات يكشف أن المشكلة لم تكن فقط في توقيع الاتفاق.

كان كثير من الاتفاقات يعيد توزيع المناصب والموارد والتمثيل، لكنه لم يغير بالقدر الكافي قواعد الاقتصاد السياسي التي تجعل حمل السلاح وسيلة للحصول على السلطة.

ولهذا فإن الاتفاق الذي يمنح حركة مسلحة عدداً من المناصب دون تفكيك بنيتها العسكرية يمكن أن ينتج حافزاً غير مقصود: السلاح يصبح استثماراً سياسياً مربحاً.

وقد وجدت دراسة Gallopin وزملائه أن اتفاق جوبا استمر في بيئة تستخدم فيها المناصب والموارد كحوافز سياسية، وأن السياسة التبادلية ظلت أقوى من بناء المؤسسات المدنية (Gallopin, 2021).

وهنا يجب التمييز بين ثلاثة أنواع من السلام. الأول هو السلام السلبي، أي توقف إطلاق النار. الثاني هو السلام السياسي، أي الاتفاق على توزيع السلطة. الثالث هو السلام المؤسسي، أي بناء مؤسسات تجعل العودة إلى الحرب أقل ربحية من التنافس السلمي.

السودان حقق النوعين الأول والثاني بصورة جزئية ومتكررة، لكنه لم ينجح في تحقيق النوع الثالث.

وهذه الملاحظة ذات أهمية عملية بالغة في مرحلة ما بعد الحرب: لا ينبغي أن يكون هدف اتفاق السلام المقبل مجرد جمع النخب المسلحة حول طاولة، بل تغيير الحوافز التي تجعل الحرب أداة سياسية واقتصادية.

الفصل التاسع: ثورة 2018–2019 كشفت قوة المجتمع السوداني، لكن انتقال ما بعد الثورة كشف ضعف المؤسسات المدنية أمام مراكز القوة المسلحة

كانت ثورة ديسمبر 2018–2019 من أقوى الأدلة على أن السودان ليس مجتمعاً سياسياً خاملاً. فقد استطاعت الحركة الجماهيرية، والنقابات والتنظيمات المهنية، ولجان المقاومة والمبادرات المدنية، إسقاط نظام استمر ثلاثة عقود.

لكن الثورة أثبتت أيضاً أن قوة المجتمع لا تعني تلقائياً قوة الدولة المدنية.

فالقوى المدنية امتلكت الشرعية الشعبية، بينما احتفظت القوى العسكرية بجزء كبير من الموارد والسلاح والتنظيم والمؤسسات الاقتصادية. وهذا خلق فجوة بين الشرعية والقدرة: المدنيون امتلكوا شرعية اجتماعية واسعة، لكن العسكريين امتلكوا قدرة مادية وتنظيمية أكبر على فرض الوقائع.

وتشير Carnegie إلى أن أحد الدروس الأساسية من التجربة الانتقالية هو أن فهم الاقتصاد السياسي كان ضرورياً لتقدير اختلال ميزان القوى بين المدنيين والأمنيين، وأن القطاع الأمني كان قادراً على خلق الوظائف والحصول على موارد مستقلة، ما أعطاه ميزة كبيرة في “السوق السياسي” (Carnegie, 2024).

ومن ثم لم تكن المشكلة في أن المدنيين لم يكن لديهم دعم شعبي، بل أن الشرعية لم تكن مدعومة بقدرة مؤسسية مادية.

وهذه من أهم الدروس النظرية للسودان: الديمقراطية لا تُبنى فقط عبر الانتخابات، وإنما تحتاج إلى دولة مدنية تمتلك المالية والإدارة والقانون والقدرة على تنفيذ القرارات.

الفصل العاشر: حرب 15 أبريل 2023 لم تبدأ دولة ضعيفة من الصفر؛ بل فجّرت تناقضات دولة كانت قد عجزت عن توحيد القوة والموارد والشرعية

الحرب الحالية ليست حادثاً منفصلاً عن تاريخ الدولة السودانية. إنها نقطة التقاء عدة أزمات تراكمت: ازدواج القوة المسلحة، الاقتصاد العسكري، التنافس على الموارد، فشل الانتقال، هشاشة المؤسسات المدنية، ضعف المالية العامة، الصراعات الإقليمية، وعدم اكتمال ترتيبات دمج القوات وإصلاح القطاع الأمني.

وبهذا المعنى، فإن الحرب هي اختبار نهائي للنموذج القديم للدولة.

لقد كان السودان قبل الحرب يمتلك مؤسسات رسمية، لكن هذه المؤسسات لم تكن صاحبة كل القوة. وكان يمتلك اقتصاداً رسمياً، لكن الاقتصاد غير الرسمي وشبكات الموارد الموازية كانت كبيرة. وكان يمتلك جيشاً، لكنه لم يكن الفاعل المسلح الوحيد. وكان يمتلك حكومة، لكنها لم تكن تملك دائماً السيطرة الفعلية على كل الموارد والأقاليم.

وعندما اندلعت الحرب، تحولت هذه التناقضات إلى انهيار سريع في الإنتاج والأسواق والخدمات والمالية العامة.

وقد وصف البنك الدولي الأثر الاقتصادي بأنه شديد، مع نزوح داخلي بلغ نحو 8.8 مليون شخص في تحديث 2025، وانهيار الأسواق المحلية وتضرر البنية التحتية وانتشار النهب والاحتلال وتدمير المؤسسات العامة والخاصة (World Bank, 2025).

وبحلول أبريل 2026، كان نحو 34 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وكان نحو 21 مليوناً بحاجة إلى مساعدة صحية، بينما تجاوزت الأزمة الصحية حدود قدرة النظام الصحي في مناطق واسعة (United Nations, 2026).

لكن حجم الكارثة لا ينبغي أن يقود إلى استنتاج أن السودان أصبح غير قابل للحياة. العكس هو الصحيح من منظور السياسات العامة: كلما اتضح حجم خسارة استمرار النموذج القديم، أصبح أكثر وضوحاً أن إعادة إنتاجه ليست خياراً عقلانياً.

وتكشف نمذجة UNDP وISS هذه المفارقة بصورة كمية. ففي حال استمرار الحرب حتى 2030 يمكن أن يُدفع 34 مليون شخص إضافي إلى الفقر المدقع، بينما يمكن لمسار “السودان الصاعد” القائم على السلام والإصلاح والاستثمار أن يحقق نمواً متوسطه 5% وأن يخرج 17.3 مليون شخص من الفقر المدقع بحلول 2043 (Aikins, 2026).

والأكثر دلالة أن الإصلاح المؤسسي والحوكمة والزراعة ليسا مسارين منفصلين؛ فالتحليل نفسه يقدر أن إصلاح الحوكمة يمكن أن يسهم في إخراج نحو 4.8 مليون شخص من الفقر، بينما يمكن للزراعة أن تخرج نحو 4.7 مليون شخص، لأن القدرة المؤسسية والاستثمار الزراعي يعززان بعضهما بعضاً (Aikins, 2026).

الفصل الحادي عشر: السودان لا يحتاج إلى إعادة الدولة القديمة، بل إلى الانتقال من دولة السلطة والريع إلى دولة القدرة والمواطنة والإنتاج

تكشف الأدلة السابقة أن إعادة بناء السودان يجب ألا تكون مجرد إعادة إعمار للمباني والمؤسسات التي دمرتها الحرب. إعادة بناء الدولة تتطلب تغييراً في قواعد عملها.

أول هذه القواعد هو بناء دولة مالية واحدة. يجب أن تدخل الإيرادات الجمركية والضريبية وعوائد الموارد الطبيعية ضمن نظام مالي وطني شفاف وقابل للتدقيق، وأن تُربط الموازنة بتحويلات عادلة للولايات. ولا يمكن أن تكون هناك دولة قوية بينما توجد موارد كبيرة خارج الحسابات العامة.

وثانيها بناء قطاع أمني موحد وخاضع للسلطة المدنية. المطلوب ليس فقط دمج المقاتلين، وإنما إعادة تعريف علاقة القوات المسلحة بالاقتصاد والسياسة. وينبغي أن تخضع الشركات والأنشطة التجارية المرتبطة بالمؤسسات العسكرية لقواعد شفافة، وأن تكون الموازنة العسكرية خاضعة للرقابة الدستورية والبرلمانية، وأن يكون حمل السلاح خارج الدولة غير مشروع.

وثالثها بناء خدمة مدنية مهنية. يجب أن تكون الوظيفة العامة مساراً مهنياً قائماً على الجدارة لا الولاء. وتحتاج الدولة إلى نظم رقمية للتوظيف والمشتريات والموازنة والضرائب وإدارة الموارد البشرية، لأن الرقمنة ليست مجرد تحديث تقني؛ إنها وسيلة لتقليل الوساطة والمحسوبية وتحسين إمكانية التتبع والمساءلة.

ورابعها إنشاء نظام اتحادي مالي حقيقي. يجب أن تكون الولاية قادرة على تقديم الخدمات الأساسية، وأن تحصل على تحويلات منتظمة وفق معايير سكانية وفقرية وجغرافية، مع وجود قدرة محلية على تحصيل بعض الإيرادات. وقد أظهرت تجربة السودان السابقة أن اللامركزية دون موارد وصلاحيات حقيقية لا تحقق الهدف (El-Battahani, 2017).

وخامسها تحويل الموارد الطبيعية إلى أصول وطنية لا موارد حرب. الذهب يحتاج إلى سلسلة قيمة رسمية تشمل التعدين والشراء والتكرير والتصدير والضرائب، مع آليات لتقليل التهريب وإشراك المجتمعات المحلية. ويجب أن تترافق الإصلاحات مع نظم تتبع للذهب والمعادن، وعقود منشورة، وإفصاح عن المستفيد الحقيقي، ورقابة على الشركات الوسيطة.

وسادسها بناء اقتصاد إنتاجي، لأن الدولة التي تعتمد على التجارة الريعية أو استخراج الذهب دون قيمة مضافة ستظل عرضة للصدمات. ويجب أن يكون محور التعافي الزراعة وسلاسل القيمة الغذائية والثروة الحيوانية والتعدين المنظم والطاقة المتجددة والنقل واللوجستيات والتصنيع الخفيف والخدمات الرقمية.

وسابعها بناء عقد اجتماعي ضريبي جديد. لا يمكن أن يطلب من المواطنين دفع الضرائب إذا لم يروا دولة عادلة، ولا يمكن للدولة أن تقدم الخدمات بصورة مستدامة إذا لم تحصل على إيرادات كافية. لذلك يجب أن يصبح الإصلاح الضريبي جزءاً من الإصلاح السياسي، لا مشروعاً فنياً منفصلاً.

وثامنها إعادة بناء رأس المال البشري. إن خسارة المعلمين والأطباء والمهندسين والباحثين بسبب الحرب والهجرة قد تكون أكثر خطورة من تدمير بعض المباني، لأن المبنى يمكن إعادة بنائه خلال سنوات، بينما الخبرة البشرية تحتاج إلى عقود. وينبغي أن تشمل استراتيجية ما بعد الحرب حوافز للعودة المؤقتة والدائمة، وشبكات للخبرات السودانية في الخارج، وتمويلاً تنافسياً للجامعات والبحث العلمي.

وتاسعها إنشاء نظام وطني للبيانات والأدلة. الدولة التي لا تعرف عدد سكانها بدقة، ولا تعرف أين توجد المدارس والمستشفيات، ولا تعرف حجم إنتاج الذهب والزراعة، ولا تستطيع تتبع الإنفاق العام، ستظل دولة ضعيفة مهما كانت جودة قوانينها. ولذلك يجب أن يصبح السجل السكاني والهوية الرقمية والموازنة المفتوحة ونظم المعلومات الجغرافية والإحصاءات الزراعية والصحية والتعليمية جزءاً من البنية التحتية للدولة.

وعاشرها بناء عدالة انتقالية متكاملة. فالمساءلة ليست انتقاماً سياسياً، وإنما شرط لبناء دولة تستطيع إقناع المواطنين بأن القانون أقوى من السلاح. ويجب أن تجمع العدالة الانتقالية بين الحقيقة والتوثيق والمساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار.

الفصل الثاني عشر: الخلاصة النقدية — السودان ليس دولة فقيرة في الإمكانات، وإنما دولة أخفقت في تحويل الإمكانات إلى مؤسسات؛ والحرب قد تكون آخر فرصة لتغيير هذه المعادلة

تكشف المراجعة التاريخية والمؤسسية والاقتصادية أن عبارة “السودان بلد غني لكنه فقير” صحيحة فقط إذا أُعيد تعريف الغنى والفقر. السودان غني بالموارد والإمكانات، لكنه كان فقيراً في القدرة على تحويل هذه الموارد إلى قوة عامة مستدامة. وقد امتلك مؤسسات، لكنه لم ينجح في جعلها مستقلة عن موازين القوة. وامتلك جيشاً قوياً، لكنه لم ينجح في جعله مؤسسة وطنية خاضعة للدولة المدنية. وامتلك ثروة زراعية ومائية، لكنه لم ينجح في بناء اقتصاد زراعي حديث واسع القيمة المضافة. وامتلك النفط ثم الذهب، لكنه لم ينجح في تحويل الريع إلى قدرة مالية وتنموية. وامتلك مجتمعاً مدنياً نشطاً، لكنه لم ينجح في تحويل التعبئة الشعبية إلى مؤسسات حكم مستقرة. وامتلك صيغاً للفيدرالية، لكنه لم يبنِ بصورة كافية نظاماً عادلاً ومستداماً لتوزيع الموارد والسلطات.

ومن ثم فإن المشكلة الأساسية ليست “قلة المقومات”، وإنما اختلال آلية تحويل المقومات إلى قدرة دولة.

يمكن تمثيل هذه الآلية في صورة سلسلة سببية مترابطة: ضعف العقد السياسي ينتج منافسة صفرية على السلطة؛ المنافسة الصفرية تزيد قيمة السيطرة على الجيش والأمن؛ السيطرة على القوة تسهل الوصول إلى الموارد؛ الموارد تمول شبكات الولاء؛ شبكات الولاء تضعف المؤسسات المدنية؛ ضعف المؤسسات يدفع الأطراف إلى البحث عن مصادر بديلة للحماية والتمويل؛ ظهور القوى المسلحة يزيد عسكرة الدولة؛ العسكرة تضعف المالية العامة والتنمية؛ ضعف التنمية يعمق التفاوت؛ والتفاوت يعيد إنتاج النزاع. وهكذا تتحول الدولة إلى دائرة مغلقة تنتج أسباب ضعفها بنفسها.

ولهذا فإن السودان لا يحتاج إلى إصلاح واحد، لأن المشكلة ليست قطاعية. لا يمكن إصلاح الاقتصاد من دون إصلاح السياسة، ولا يمكن إصلاح الجيش من دون إصلاح المالية، ولا يمكن إصلاح الولايات من دون إصلاح توزيع الموارد، ولا يمكن تحقيق السلام من دون تغيير اقتصاد الحرب، ولا يمكن بناء الديمقراطية من دون بناء مؤسسات قادرة على تنفيذ قرارات الحكومة المدنية.

وهنا تكمن أهمية مفهوم القدرة المؤسسية المتجذرة: الدولة الناجحة ليست دولة منفصلة عن المجتمع، وليست دولة خاضعة بالكامل للشبكات الاجتماعية، وإنما دولة تمتلك جهازاً مهنياً مستقلاً نسبياً، وفي الوقت نفسه متصلاً بالمجتمع والاقتصاد المنتج وقادراً على فهم احتياجاتهما والاستجابة لها (Evans, 1995). كما أن بناء القدرة لا يتم من خلال نسخ قوانين جاهزة، بل من خلال إصلاحات تكرارية مرتبطة بمشكلات حقيقية، وهو ما تؤكده أدبيات Andrews وPritchett وWoolcock حول تجاوز “فخاخ القدرة” من خلال التكيف المؤسسي التدريجي وحل المشكلات بصورة عملية (Andrews, 2013).

ومن منظور أكثر نقداً، فإن جزءاً من فشل مشاريع بناء الدولة في السودان ارتبط أيضاً بالاعتقاد أن تغيير النخب أو توقيع اتفاق سلام أو إنشاء مؤسسات جديدة يمكن أن يغير النظام تلقائياً. لكن المؤسسات لا تعمل في الفراغ؛ فهي تعمل داخل شبكة من المصالح والحوافز. فإذا بقيت تكلفة التخلي عن السلاح أعلى من تكلفة حمله، وإذا ظل الوصول إلى الذهب أكثر ربحاً من الزراعة، وإذا ظل المنصب الحكومي مصدراً للثراء الشخصي، وإذا بقيت القوات المسلحة تمتلك استقلالاً اقتصادياً، فإن أفضل الدساتير لن تكون كافية.

ومن هنا يجب أن يكون معيار الإصلاح بعد الحرب ليس عدد القوانين الجديدة، بل تغير الحوافز. هل أصبح حمل السلاح أقل ربحاً؟ هل أصبح الاستثمار في الإنتاج أكثر ربحية؟ هل أصبح التهرب الضريبي أصعب؟ هل أصبحت الوظيفة العامة أكثر ارتباطاً بالكفاءة؟ هل أصبح الوصول إلى الموارد أكثر شفافية؟ هل أصبحت الولايات أكثر قدرة على تقديم الخدمات؟ هل أصبح المدنيون قادرين فعلاً على مراقبة القطاع الأمني؟ وهل أصبح تغيير الحكومة ممكناً دون تغيير الدولة نفسها؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة إيجابية، يكون السودان قد بدأ بالفعل في بناء الدولة. أما إذا أعيد إنتاج نفس الترتيبات مع تغيير الأسماء والأشخاص، فستكون إعادة البناء مجرد استراحة بين حربين.

وتؤكد النمذجة الحديثة أن الفارق بين المسارين ليس صغيراً. فسيناريو استمرار الصراع يمكن أن يدفع 34 مليون شخص إضافي إلى الفقر المدقع، بينما يتيح سيناريو السلام والإصلاح والاستثمار إخراج 17.3 مليون شخص من الفقر المدقع ورفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 58.2 مليار دولار بحلول 2043، مع مكاسب كبيرة من الحوكمة والزراعة (Aikins, 2026). وهذه ليست مجرد أرقام تنموية؛ إنها تقدير كمي لقيمة الاختيار المؤسسي.

لذلك فإن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه النخب السودانية والمجتمع الدولي بعد الحرب هو اختزال المسألة في “إعادة الاستقرار”. فالاستقرار وحده قد يعيد نظاماً سلطوياً مستقراً، كما أن النمو وحده قد يعيد اقتصاداً ريعياً، والسلام وحده قد يعيد ترتيباً مؤقتاً بين النخب المسلحة. المطلوب هو استقرار مؤسسي منتج: سلام يمنع العودة إلى الحرب، ومؤسسات تمنع احتكار السلطة، واقتصاد يوسع قاعدة الإنتاج، ومالية عامة تعيد بناء العلاقة بين الضرائب والخدمات، وجيش واحد يخضع للقانون، وفيدرالية تعطي الأطراف حصة حقيقية من الدولة، وعدالة تمنع الإفلات من العقاب، ورأس مال بشري قادر على قيادة التحول.

إن السودان، بهذا المعنى، لا يبدأ بعد الحرب من الصفر. بل يبدأ من قاعدة تاريخية ضخمة تراكمت فيها الموارد والخبرات والمؤسسات والبنية الاجتماعية والموقع الجغرافي. لكن هذه القاعدة كانت موزعة بين مؤسسات متنافسة وشبكات مصالح ومراكز قوة. والتحدي التاريخي هو تحويل تعدد مصادر القوة إلى وحدة مؤسسية، وتعدد الموارد إلى مالية عامة، والتنوع الاجتماعي إلى مواطنة، والجيش إلى مؤسسة دفاع، والذهب إلى إيراد عام، والأرض إلى إنتاج، والمجتمع المدني إلى رقابة، والانتقال السياسي إلى دولة قابلة للاستمرار.

ولهذا فإن الإجابة النهائية عن السؤال المركزي للمقال هي أن السودان لم يفشل مراراً في بناء الدولة لأنه يفتقر إلى شروط الدولة القوية، وإنما لأنه لم ينجح في حسم السؤال الأعمق: هل الدولة ملك لمن يسيطر على السلاح والريع، أم أنها مؤسسة عامة يملكها المواطنون وتخضع للقانون؟ وطالما ظل هذا السؤال دون حسم، ستظل الموارد نفسها التي يمكن أن تبني السودان قادرة على تمويل الحرب، والجيش الذي يمكن أن يحمي الدولة قادراً على التدخل فيها، والفيدرالية التي يمكن أن توحد البلاد قادرة على إنتاج محاصصات، واتفاقات السلام التي يمكن أن تنهي النزاع قادرة على مكافأة حمل السلاح.

أما إذا حُسم السؤال لصالح دولة المؤسسات والمواطنة والقدرة المالية والإنتاج والعدالة، فإن السودان يمتلك من المقومات الطبيعية والبشرية والجغرافية ما يجعل بناء دولة قوية ومستقرة هدفاً واقعياً، لا حلماً مثالياً. وتؤكد الأدلة الحديثة أن الحرب لم تلغِ هذه الإمكانات؛ لقد جعلت تكلفة عدم استخدامها أكبر وأكثر وضوحاً. ومن ثم فإن المهمة التاريخية للسودان بعد الحرب ليست استعادة الماضي، بل تحويل الدولة من نظام لتوزيع القوة بين النخب إلى مؤسسة لإنتاج القوة العامة لجميع المواطنين.

المراجع

  1. Acemoglu D, Robinson JA. لماذا تفشل الأمم: أصول القوة والازدهار والفقر [Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty]. New York: Crown; 2012.
  2. Aikins ER, Institute for Security Studies, United Nations Development Programme. ما بعد الصراع: رسم مسار للنمو والتنمية المستدامين في السودان [Beyond the Conflict: Charting a Path to Sustainable Growth and Development in Sudan]. Khartoum/Pretoria: UNDP/ISS; 2026. تاريخ الوصول: 19 أغسطس 2026.
  3. Andrews M, Pritchett L, Woolcock M. الهروب من فخاخ القدرة المؤسسية من خلال التكيف التكراري المدفوع بالمشكلات [Escaping Capability Traps Through Problem-Driven Iterative Adaptation]. Washington, DC: Center for Global Development; 2013.
  4. Besley T, Persson T. ركائز الازدهار: الاقتصاد السياسي لمجموعات التنمية [Pillars of Prosperity: The Political Economics of Development Clusters]. Princeton: Princeton University Press; 2011.
  5. Carnegie Endowment for International Peace. الصراع السوداني في ظل الانقلابات والحكم العسكري [Sudan’s Conflict in the Shadow of Coups and Military Rule]. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace; 2023. تاريخ الوصول: 19 أغسطس 2026.
  6. C4ADS. سبائك مقابل الرصاص: دور التعدين في اقتصاد الصراع السوداني [Bullion for Bullets: The Role of Mining in Sudan’s Conflict Economy]. Washington, DC: C4ADS; 2025. تاريخ الوصول: 19 أغسطس 2026.
  7. de Waal A. السودان: تحليل إطار السوق السياسي [Sudan: A Political Marketplace Framework Analysis]. Boston/London: World Peace Foundation/LSE Conflict Research Programme; 2019.
  8. Diwan I. القوات المسلحة في السلطة وفي الأعمال [Armed Forces in Power and in Business]. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace; 2020. تاريخ الوصول: 19 أغسطس 2026.
  9. El-Battahani AE, Gadkarim HA. الحوكمة والفيدرالية المالية في السودان 1989–2015: استكشاف العلاقات السياسية والمالية بين المستويات الحكومية في دولة غير مستقرة [Governance and Fiscal Federalism in Sudan, 1989–2015]. Bergen: Chr. Michelsen Institute; 2017. تاريخ الوصول: 19 أغسطس 2026.
  10. Evans P. الاستقلالية المتجذرة: الدول والتحول الصناعي [Embedded Autonomy: States and Industrial Transformation]. Princeton: Princeton University Press; 1995.
  11. Fukuyama F. النظام السياسي والانحلال السياسي: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية [Political Order and Political Decay]. New York: Farrar, Straus and Giroux; 2014.
  12. Gallopin JB, Thomas E, Detzner S, de Waal A. السوق السياسي السوداني في 2021: التمويل العام والسياسي واتفاق جوبا والتنافسات [Sudan’s Political Marketplace in 2021: Public and Political Finance, the Juba Agreement and Contests]. London: Conflict Research Programme, London School of Economics and Political Science; 2021. تاريخ الوصول: 19 أغسطس 2026.
  13. Migdal JS. المجتمعات القوية والدول الضعيفة: علاقات الدولة والمجتمع وقدرات الدولة في العالم الثالث [Strong Societies and Weak States]. Princeton: Princeton University Press; 1988.
  14. North DC, Wallis JJ, Weingast BR. العنف والنظم الاجتماعية: إطار مفاهيمي لتفسير التاريخ البشري المسجل [Violence and Social Orders]. Cambridge: Cambridge University Press; 2009.
  15. Soliman A, Baldo S. الذهب والحرب في السودان: كيف يمكن للحلول الإقليمية دعم إنهاء الصراع [Gold and the War in Sudan]. London: Chatham House; 2025، محدث 2026. تاريخ الوصول: 19 أغسطس 2026.
  16. United Nations. بعد ثلاثة أعوام من الصراع، يواجه السودان أزمة صحية أعمق [After Three Years of Conflict, Sudan Faces a Deeper Health Crisis]. Geneva/Cairo/Port Sudan: United Nations; 2026. تاريخ الوصول: 19 أغسطس 2026.
  17. Verhoeven H. المياه والحضارة والقوة في السودان: الاقتصاد السياسي لبناء الدولة العسكري–الإسلامي [Water, Civilisation and Power in Sudan]. Cambridge: Cambridge University Press; 2015.
  18. World Bank. تحديث اقتصادي للسودان 2025: الآثار الاقتصادية والاجتماعية للصراع ـ رسم مسار للتعافي [Sudan Economic Update 2025: The Economic and Social Consequences of the Conflict—Charting a Path to Recovery]. Washington, DC: World Bank; 2025. تاريخ الوصول: 19 أغسطس 2026.
  19. World Bank. السودان: البيانات والتطورات الاقتصادية والتنموية [Sudan: Country Data and Development Indicators]. Washington, DC: World Bank; 2026. تاريخ الوصول: 19 أغسطس 2026.
  20. World Bank. مؤشرات التنمية العالمية: السودان [World Development Indicators: Sudan]. Washington, DC: World Bank; 2026. تاريخ الوصول: 19 أغسطس 2026.
Author

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
أن تكون سودانيًا: تجليات تاسيتي أرض الأقواس في فضاءات الحداثة (1/2)
منبر الرأي
أمين حسن عمر.. العجرفة والغرور… والبذاءة تمشي على قدمين
منبر الرأي
القيود الذاتية والخارجية على القرارات الصادرة من مجلس الامن الدولى تحت الفصل السابع من ميثلق الامم المتحدة .. بقلم الاستاذ: ناجى احمد الصديقالمحامى
منبر الرأي
السّلام فى السّودان ما بين التّصوُّر والواقع .. بقلم: عبدالرحمن صالح احمد( ابو عفيف)
حكاوي الغرام (1)

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

دموع طريق الإنقاذ ودماء امال المستقبل .. بقلم: د. محمد الشريف سليمان

د. محمد الشريف سليمان
منبر الرأي

الرئيس السيسى إنتزع ملف الإرهاب من عمر البشير وطار به إلى البيت الأبيض! .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه / باريس

عثمان الطاهر المجمر طه
منبر الرأي

نمد الايدي .. بقلم: حسن عباس النور

طارق الجزولي
منبر الرأي

فترات الانتقال ؛ مصالح ومفاهيم .. بقلم: محمد عتيق

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss