السودان: حتام يهش الطاغية بالعصا الماريشالية؟ .. بقلم: صبحي حديدي
وهي أخوّة لا تبدأ من التماثل في الاقتداء المتبادل بخيارات العنف في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، وقمع المتظاهرين، والتنكيل بالنشطاء أو قوى المجتمع الحية؛ بل تشمل، أيضاً، ذلك التماثل المدهش في خطاب اتهام الشعب وتبرئة الحاكم، والحديث عن المندسين والمخربين والمؤامرات الخارجية عملاء السفارات، في مقابل تنزيه السلطات الأمنية عن أيّ جرم أو خلل أو خطأ. فالمستمع إلى كلمات البشير في التعليق على الانتفاضة الشعبية الأخيرة، خاصة إلصاق التهم بـ«بعض الخونة والعملاء والمرتزقة والمندسين»، الذين «استغلوا الضائقة المعيشية للتخريب»؛ يخال أنه إنما يعيد الإصغاء إلى خطاب الأسد، في التعليق على الانتفاضة الشعبية السورية، آذار (مارس) 2011؛ أو مفردات طاغية ليبيا، العقيد معمر القذافي؛ أو طغاة تونس واليمن والبحرين… لا فرق. ليست طارئة، كذلك، تلك البلاغة التي استخدمها البشير في «طمأنة» المواطنين بأنّ «المشاكل الاقتصادية التي يمر بها السودان مقدور عليها»؛ وأنها ليست آثام نظامه، بل تراكمت لأنّ «الغرب ظل يحاصر السودان بسبب رغبة مواطنيه في التمسك بعقيدتهم»!
واليوم، بدل الهتاف الرسمي الذي كانت السلطة تجبر المواطنين السودانيين على تكراره صباح مساء (أي: «تسقط الأمم المتحدة»، رداً على القرار 1593 الذي يطالب باعتقال البشير وإحالته إلى المحكمة الجنائية الدولية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور)؛ ها أنّ التظاهرات، في عشرات المدن والبلدات والقرى السودانية، تهتف هكذا: «الشعب يريد إسقاط النظام!». ليست مسألة خبز وغاز ومحروقات فقط، كما تقول شعارات التظاهر، بل هي انتفاضة شعبية ضدّ نظام يحكم منذ 29 سنة بالحديد والنار والفساد؛ وهذه، بالتالي، ليست أولى الانتفاضات الشعبية، ولن تكون الأخيرة، في عمر طغيان البشير. أنّ حزب «المؤتمر الشعبي السوداني، أكبر الأحزاب الإسلامية والممثل في الحكومة، يطالب النظام اليوم بمحاسبة المسؤولين عن مقتل عشرات المتظاهرين؛ وهو ذاته الحزب الذي اسسه حسن الترابي، مهندس الكثير من سياسات البشير، خاصة في التنظير لفلسفة «الحكم الإسلامي». صحيح أنّ البشير زجّ الترابي في السجن ذات يوم، وكان هذا السلوك طبيعياً من طاغية، إلا أنّ مساندة الشيخ للانقلابي كانت حجر زاوية أساسياً في تشييد استبداد الثاني على حساب تبشير الأوّل.
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
لا توجد تعليقات
