السودان والتقسيم الناعم .. بقلم: عبد الله أبوهم العشا
3 يناير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
34 زيارة
abdallaabohoom@Gmail.com
تقسيم المنطقة العربية إستراتيجية امبريالية صهيونية قديمة متجددة، حيث تم تشطيرها قديما بموجب إتفاقية سايكس بيكو، واستمر الاستهداف الاستعمارى، وﻻ زال، تنفيذا لسياسة ضرب أسفل الجدار، بتجزأة المجزا علي أسس دينية وعرفية ومناطقية لضمان أمن إسرائيل وتفوقها العسكري وتكريس الهيمنة والتبعية السياسية والاقتصادية والاحتفاظ بالدويلات المنشطرة كأكبر سوق للمواد الخام الأولية والبضائع الغربية وسوق للسلاح.
هذه الإستراتيجية تأخذ منحيين في التطبيق، حيث تجري عملية التقسيم بالقوة المسلحة في كل من العراق وسوريا وليبيا بتدخل دولي تحت ذرائع شتى مثل امتلاك السلاح النووي غير المسموح لغير أعضاء النادى النووى وإسرائيل، وبذريعة تصدير الديمقراطية ومحاربة الإرهاب والقضاء على تنظيم داعش. ويؤدى استخدام القوة المفرطة إلى تدمير مجتمعات هذه الدول وتحطيم البنية وكل المنجزات التى تمت بشكل متفاوت في هذه الأقطار والعودة بها عشرات العقود عن العصر وتهيئة المناخ الملائم لقوي التبعية والعمالة لتتسيد السلطة.
اما الأسلوب الثاني فهو المنهج السوداني الناعم او “النيفاشى” فى التقسيم والتفتيت.
القاعدة الأساسية التى يتأسس عليها هذا المنهج هى أن الإسلام السياسي حاضن ومفرخ للتجزئة، ومفرط في الاستخدام والاعتماد على القوة والقهر وتقسيم المجتمع علي أسس دينية وعرقية، وتدمير منجزات العصر والعلم والعقل.
ان التجربة السودانية غنية بالأمثلة على ذلك، لذلك نجد الإنقاذ قد كفت الامريكان شر التفتيت والتقسيم بقوة السلاح المباشر، واستعاض الأمريكان عن ذلك، بالترويض والعقوبات والعمالة وفرض الحلول المنفذة للاستراتيجية الامريكية، وتبنيها وتنفيذها من قبل الإسلاميين.
إذن ما هي المؤشرات الواقعية في المشهد السوداني المتوفرة والضامنة لاستخدام المنهج الناعم للتقسيم؟
1:ان القابلة الانقاذية التي فصلت الجنوب قيصريا هي ذات القابلة التى بيدها مشرط التقسيم.
2. التطبيق النموذجى للسياسة الاسرائيلية المعنية بشد الأطراف، ويتمثل ذلك في الاحتلال الأثيوبي لملايين الافدنة، الوجود الأجنبى الاستخباراتي المقيم والمستمر شرق السودان، احتلال وتمصير حلايب وشلاتين، إقامة القوات المشتركة التشادية السودانية مئات الكيلومترات داخل الاراضى السودانية، تبعية أبيي وعدم رسم الحدود مع دولة جنوب السودان المفصولة ناعما عن الام، كل ذلك يتناغم مع سياسة النظام العنصري وما عرف بمثلث حمدى.
3. وجود حركات مسلحة في الأطراف ذات سيطرة ميدانية على الأرض غابت عنها الدولة وسيادتها عشرات السنين.
4. إضعاف وتخريب المؤسسة العسكرية وبناء ميليشيات قبلية موازية للقوات المسلحة تحت إدارة أمراء قبليين.
5. الاختراق الاستخباراتى راسيا وافقيا للنظام الحاكم ومؤسساته وحزبه وللمعارضة المسلحة والمدنية.
6. فقدان النظام الإرادة الوطنية واستعداده لتنفيذ إرادة الأجنبي وقابليته المختبرة والمروضة في التفريط في وحدة السودان.
7. الوضع الاقليمى والدولي الذى تنفرد فيه امريكا بإدارة العالم وترتيبه وفق مصالحها.
8. غياب البديل الوطني الديمقراطي، والسيولة في فرز الخنادق، وقد ادى ذلك الى تعميق حالة إلاحباط والتوهان ،كما ادي تكالب الأحزاب الرجعية وبعض الحركات المسلحة ودورانها وترقيعها للنظام في ظل غياب الحريات والقبضة الأمنية، الي تفريط النظام فى وحدة البلاد ومصيرها، من أجل البقاء في السلطة، ولو على جثة السودان.
9. تبني النظام والحركات المسلحة الحلول الثنائية وعجزها جميعا عن الرؤية الشاملة للأزمة الوطنية فكريا وسياسيا، تقعدها في ذلك تركيبتها التنظيمية الجهوية والعنصرية عن الحل الوطنى.
10. تعميق القبلية وتكريس الجهوية واذكاء الصراع الاثنى شمالا وشرقا وغربا وجنوبا ووسطا وإقامة نظام الحكم علي أساس المحاصصة القبلية.
11. تدمير القطاع العام، والبنية التحتية، وتخريب الخدمة المدنية والعسكرية، واستشراء الفساد، وكل ما يمكن ان ينتج عن التدخل الاجنبي المسلح من دمار وتحطيم قامت الإنقاذ بأكثر منه وبشكل مدهش ومتواصل.
وفي سبيل تسريع إرجاع العلاقات مع أمريكا بشكل كامل وبالتالي مع المجتمع الدولي، قام النظام في الفتره الأخيرة برمي كل مايملكه قربانا لهذه العلاقة وذلك عبر جملة إجراءات:
1. الإعلان عن الحوار كمنصه للتسوية.
2. قطع العلاقات مع إيران والتوجه نحو الخليج للمساعدة في تطبيع العلاقات مع أمريكا وتوج ذلك بقرار المشاركة في عاصفة الحزم.
3. إرسال وفد من الإدارات الأهلية اعقبه بآخر للطرق الصوفية للألتقاء بالإدارة الامريكيه والكونغرس ليفتح الباب علي مصراعيه لأمريكا للوصول لقيادات المجتمع الأهلي، وهو ما كان يرفضه النظام ويضعه في خانه العمالة وانتقاص السيادة.
المهم في الأمر أن الرساله المراد إيصالها قد وصلت وهي: إن النظام في سبيل بقائه علي استعداد لتقديم أي تنازلات تتعلق بوحدة وسيادة السودان.
وضمن هذا السياق مقرونا بانفراد رأس النظام بالقرارات المصيرية والسيادية، سيتم الإتفاق علي الحلول الجزئية الثنائية للأزمة الوطنية وهو ما سيصب طوعا في الإستراتيجية الأمريكية الهادفة لتقسيم السودان متناغمة مع انحدار سقف مطالب الجبهة الثورية معبرا عن تحالفها التكتيكي والمرحلي وبنائها الجهوي والمناطقي. وما صراعها علي رئاسة الجبهة الثورية إلا أكبر دليل علي هشاشة الارتباط، وما إصرار قطاع الشمال في الاحتفاظ بالرئاسة الا لاستثمارها في التفاوض لأبرام اتفاق ثنائي مع النظام، ليعظم مكاسب قطاع الشمال علي حساب الحلفاء كما حصد قطاع جبال النوبة الحصرم في اتفاق نيفاشا.
وينسجم ذلك بالطبع مع خط النظام ويخرجه من مواجهة حلفائه في السلطه بموجب اتفاق الدوحة في حالة الحل الشامل.
وعليه فان استقراء ما سيحدث ليس صعبا، فسيناريو الحل يتجه نحو الإستجابة لمطلب قطاع الشمال في الحكم الذاتي في صيغة اتفاق فضفاض معمم تضمن فيه الحركة الشعبية إدارة ذاتية بصلاحيات واسعة في المنطقتين، تعزز من إنهاء السيادة المنقوصة، وبالأصح المعدومة لسنوات طويلة في مناطق سيطرة الحركة وتعزيز ركائز الإنفصال بإقامة منهج تعليمي يزيد من الشقة ويمهد للانفصال.
كذلك سيتم الإتفاق علي إستيعاب جيش الحركة الشعبية بنفس المواقع القيادية العسكرية.
وستتم المحاصصة في السلطة في المنطقتين، بين قطاع الشمال والمؤتمر الوطني.
وبالنسبه للحركات الدارفورية ستتم معالجة المشكله على ضؤ نتائج الإستفتاء، ومن المتوقع أن تدفع الأطراف الخارجية وبعض الحركات المسلحة، بإتجاه أن تأتي نتيجة الإستفتاء لصالح تعدد الأقاليم، وهو مايتفق مع نهج النظام في إطالة عمره في السلطة.
غني عن القول ان هذه القراءة تستهدف كشف مآلات الأوضاع في السودان، بعد أن وصلت البلاد مرحلة نضج العوامل الموضوعية لتغيير النظام الذي انبطح تماما للمشروع الأمريكي من أجل البقاء في السلطة علي حساب وحدة السودان أرضا وشعبا.
وهي محاولة للاقتراب من رؤية القادم، والاستعداد للتصدي ومواجهة مخطط التقسيم الذي بدأ بالجنوب ومازال ماضيا في ذات الدرب لتشطير الأطراف الملتهبة.