الصراع والتعاون بين إثيوبيا والدولة المهدية، 1884 – 1898م (3 -3)

 


 

 

CONFLICT AND CO-OPERATION BETWEEN ETHIOPIA AND THE MAHDIST STATE, 1884 – 1898 (3 -3)
G.N. SANDERSON جورج نيفل ساندرسون
تقديم: هذه ترجمة للجزء الثالث والأخير من غالب ما ورد في مقال نشره جورج نيفل ساندرسون (1919 – 2001م) في المجلد الخمسين من مجلة "السودان في رسائل ومدونات SNR" الصادرة عام 1969م، صفحات 15 – 40.
وبحسب ما جاء في موقع أرشيف السودان بجامعة درم البريطانية عن البريطاني ساندرسون، وفي نعي بيتر وود له في العدد الحادي والعشرين من مجلة "الدراسات السودانية"، فقد تخرج الكاتب في جامعة أكسفورد عام 1940م. التحق بعد ذلك بالجيش البريطاني، وبُعِثَ به إلى مصر. عمل بوزارة المعارف السودانية بين عامي 1946 و1947م، ثم عُيِّنَ محاضراً بكلية غردون التذكارية (1947 – 1953م)، وأستاذا للتاريخ (ورئيسا لوحدة أبحاث السودان) بجامعة الخرطوم بين عامي 1962 و1965م.
تولى ساندرسون رئاسة تحرير مجلة "السودان في رسائل ومدونات" بين عامي 1953 و1962م، وله فيها مقال عن تلك المجلة كمصدر مهم من مصادر أبحاث السودان (https://shorturl.at/bjkvS).
المترجم
********* ************* ***********
لم تجلب الانتصارات في القلابات ودبرا سين (Debra Sin) للخليفة عبد الله أي منفعة حقيقية. وكما كان يوحنا قد ألمح للخليفة في رسالته له بتاريخ ديسمبر 1888م، فقد كان الرابح الأول هم الإيطاليون. ولم يعد البريطانيون يحتفظون بمصوع كميناء حر لإثيوبيا، بل سمحوا للإيطاليين في ديسمبر 1884م بترسيخ أقدامهم في ذلك الميناء دون تنفيذ ضمانات للالتزام بمعاهدة هيوت / عدوة (التي أُبْرِمَتْ في عدوة بين بريطانيا ومصر وإثيوبيا يوم 3 يونيو 1884م. وأنهت تلك المعاهدة صراعاً طويل الأمد بين مصر وإثيوبيا، غير أنها بدأت بشكل غير مباشر عداءً بين إيطاليا إثيوبيا. المترجم). ثم جاء الغزو الإيطالي في فبراير 1885م، وفي نهاية ذلك العام سُحِبَتْ الحامية المصرية بناءً على نصيحة من بريطانيا. وحتى وفاة يوحنا، لم يتقدم الإيطاليون كثيراً في داخل إثيوبيا وظلوا في المناطق الداخلية القاحلة على الساحل. واحتلوا في سبتمبر 1886م نقطة تبعد نحو عشرين ميلاً من مصوع على الساحل اسمها ساتي Sa'ati. غير أن تكلي هايمانوت (راس عدل) أفلح في قطع الطريق عليهم في دوقالي (Dogali) في يناير 1887م (1). وقامت حملة إيطالية تأديبية بقيادة سان مارزانو بإعادة احتلال ساتي في بداية عام 1888م. وفي تلك الأيام كان البريطانيون، الذين كانوا – لأسباب أوروبية – يؤيدون الإيطاليين، قد بعثوا مسؤولا رفيعا في القاهرة اسمه جيرالد بورتر لإقناع يوحنا بمنح الإيطاليين حدوداً تتيح لهم الوصول إلى المرتفعات الإريترية. غير أنه أخفق في مسعاه، بل أثارت وساطة بريطانيا لمنح إيطاليا جزءاً من إثيوبيا غضب يوحنا، ورفض حتى مبدأ التفاوض في الأمر، وتمسك بما ورد في معاهدة هيوت / عدوة، التي تعطية الحق في السيطرة على كل الأراضي الإثيوبية التي انسحبت منها مصر. وحاولت قوات يوحنا (وراس عدل) في أواخر مارس من عام 1888م حصار ساتي، غير أنهم فشلوا في مبتغاهم، فعادوا إلى عدوة. وتمكن الإيطاليون من إقامة موطئ قدم لهم في هضبة أرتيريا.
وسقط يوحنا صريعا في القلابات، وكان ولده الشرعي الوحيد راس أرايا سيلاسي قد مات في يونيو 1888م. وكان الأخير قد اقترن ببنت منليك، زوديتو Zawditu(29 أبريل 1876 – 2 أبريل 1930م). وكان من المتوقع أن يخلف منليك يوحنا في الحكم. غير أنه اتضح أن يوحنا كان قد أوصى – وهو في ساعات حياته الأخيرة - بأن يخلفه في الحكم واحداً من أولاده، اسمه منقشا، على الرغم من أنه لم يكن يعترف ببنوته في السابق. غير أن جميع الأقاليم أجمعت على تنصيب منليك على حكم إثيوبيا، عدا إقليم التقراي الذي عارض بشدة تنصيب منليك ملكاً. واستغل منليك تحركاً إيطالياً في أقصى الشمال وسيلةً لصرف الأنظار عن احتجاج التقراي. وكان الإيطاليون على استعداد سلفاً للاعتراف بمنليك كحاكم مستقل حتى من قبل وفاة يوحنا. وبالفعل أبرموا معه معاهدة في 2 مايو 1889م سُمِّيَتْ "معاهدة ويشال" (2). وأتاحت تلك المعاهدة للإيطاليين في غضون الشهور القليلة التالية احتلال الهضبة الارترية دون معارضة تقريباً، بينما بقي منقشا منشغلا بمعارضة تنصيب منليك ملكاً.
وفي عام 1889م أحتل الإيطاليون كرن. ولم يُخْفِ رئيس الوزراء الإيطالي كريبي (1819- 1901م) طماحه في أن يوسع دائرة السيطرة الإيطالية حتى مدينة كسلا، ويبلغ في النهاية نهر النيل. وربما بسبب تلك التهديدات الإيطالية تخلى الخليفة عبد الله عن الجهاد ضد إثيوبيا بعد عام 1889م. ومن جانبه، شرع منليك على الفور في بسط سيطرته ومحاربة منقشا في التقراي. وسرعان ما وجد نفسه منشغلا بصعوبات متزايدة مع الإيطاليين، ولم يعد مهتماً أو راغباً في أخذ الثأر ممن هزموا يوحنا وقتلوه. صحيح أنه سطر في مايو من عام 1889م خطاباً للملكة فيكتوريا يقترح عليها فيه أن تقوم بريطانيا وإثيوبيا وإيطاليا بالتعاون معاً "لكبح جماح الدراويش والحد من نفوذهم". غير أن ذلك الاقتراح ربما كان مبعثه هو إقناع وحث بريطانيا على التخفيف من القيود التي فرضتها على استيراد إثيوبيا للأسلحة، وليس بسبب رغبة حقيقية في القيام بأعمال عسكرية ضد دولة المهدية. بل قام أحد عمال منليك بكتابة خطاب ودي إلى الزاكي طمل في القلابات. وكتب حاكم شيلقا Chelga (وهي مدينة رئيسية في منطقة الأمهرا، بالقرب من غوندار. المترجم)، واسمه راس زوديتو، في الفترة بين أبريل وسبتمبر من عام 1889م رسالة إلى الزاكي طمل بدأها بالتحية الإسلامية التقليدية، ربما بغرض تأكيده على رغبة حقيقية لإقامة علاقات جيدة مع الدولة المهدية، وذكر له في الرسالة أن "إن أمنيتنا وهدفنا الوحيد هو أن نعمل معاً يداً واحدة، وهذا هو ما يتمناه أيضاً ملكنا المحبوب منليك، الذي هو الآن ملك الملوك". ثم طلب من الزاكي طمل الاستمرار في تبادل الرسائل وفتح الحدود بين البلدين للتبادل التجاري، وعقد مفاوضات لتنظيم تقسيم القبائل المحلية وما تدفعه من جِزْي. ورد الزاكي طمل على تلك الرسالة بخطاب كانت لهجته أقل حدةً وعدوانية من رده على يوحنا قبيل معركة القلابات. وفي غضون نصف عام أو أقل بعد معركة القلابات توقفت العدائيات المفتوحة بين الطرفين، وتحول الوضع إلى "حرب باردة"، لم تتعد الحظر الذي فرضته الدولة المهدية على التجارة عبر الحدود.
واستمرت – نظريا – الحرب بين الدولة المهدية وإثيوبيا حتى فبراير من عام 1897م. وتوقفت بالكلية غارات القوات المهدوية بعد عام 1889م. وسادت عقب ذلك ما يمكن وصفه بحالة من "السلم غير المعلن". وأمر منليك حكام المناطق الحدودية بانتهاج "سياسة متسامحة" مع جيرانهم. أما فيما يتعلق بالدولة المهدية، فقد كان من خَلَفَ الزاكي طمل قد أعاد فتح الحدود المشتركة مع إثيوبيا للتجارة؛ وما أن حل عام 1894م، حتى تم آخر تحول لحالة "السلم غير المعلن" (3). ثم بُدِئَ في تفعيل الاتفاق على فتح الحدود المشتركة في 31 أكتوبر 1894م، عندما كتب حاكم شيلقا خطاباً ودياً للنور صلاح عامل الخليفة في القضارف والقلابات، بدأه بالتحية الإسلامية، وهنأه فيه على الوصول لعلاقات وُدِّيّة، واقترح عليه العمل معاً ضد شخص اسمه كدانا مريم كان ينشط في عمليات قطع الطريق بين غوندار والقلابات، ونهب البضائع المنقولة عبر الحدود. وربما تدل تلك المراسلات على عدم وجود عدائيات بين البلدين في منطقة الحدود المشتركة في تلك الفترة.
وذكر حاكم شيلقا بأنه كان قد أُمر بالكتابة إلى "راس منقشا" (بتواتد Bitwatid)، وتحذيره من ألا تحتوي رسائله لأمراء المهدية "على أي شيء سوى عبارات الصداقة والحب". وينبغي ألا نخلط بين هذا المنقشا (منقشا اتكيم Mangasha Atikem) الذي كان من قدامي أتباع منليك، وصار من كبار مستشاريه، وبين منقشا التقراي، ابن يوحنا. وكان منقشا اتكيم من المحافظين الذين يؤثرون التعاون مع أم درمان، ويرفضون التدخل الأوروبي في الشؤون الإثيوبية حتى في عهد منليك الذي كان يتعاون مع الإيطاليين ومع الفرنسيين (4). فلا عجب أن كان منليك قد أرسل منقشا اتكيم ليحمل خطاباته للخليفة في عامي 1896 و1897م.
وكانت المراسلات بين منليك والخليفة قد بدأت في منتصف عام 1895م. ومن البيِّن أن مبعث تلك المراسلات كان في المقام الأول هو صراع الدولة المهدية مع إثيوبيا؛ التي كانت العلاقات معها قد بدأت في التدهور منذ يوليو 1890م. وحينها اكتشف منليك بأن الإيطاليين كانوا يطالبون بالحماية على إثيوبيا على أساس ترجمة خاطئة في النسخة الإيطالية لمعاهدة ويشال بين منليك والقائد الإيطالي بييترو أنتونلي (5). غير أن منليك قرر بعد مرور خمس سنين من توقيع الاتفاقية تحدي ما زعمه الإيطاليون بقوة السلاح، وأعلن التعبئة العامة بالبلاد في سبتمبر 1895م ضد الإيطاليين الذين احتلوا عدوة وأكسم (Axum) في أبريل من ذلك العام. واستجاب لدعوة التعبئة العامة تلك الإقطاعيون، وكان منهم منقشا تقراي، الذي كان قد سلم لمنليك في مايو من عام 1893م.
وكان منليك قد أرسل قبل ثلاثة أشهر من إعلانه للتعبئة العامة مبعوثا للخليفة في ام درمان هو الجبرتي المسلم محمد الطيب لينقل له رسالة شفوية. ولا شك أن منليك كان قد طلب من الخليفة أن يؤكد له على استدامة "السلم غير المعلن" بينهما على الحدود؛ وربما يكون قد اقترح على الخليفة التعاون ضد "البِيض" (6)، بحسبانهم ألَدّ أعداء الأفارقة. وكان دافع منليك المباشر في ذلك الاقتراح هو ضمان عدم قيام قوات المهدية بانتهاز انشغاله بقتاله المرتقب للإيطاليين، وشنها لغارات على بلاده. ولم يكن رد الخليفة على اقتراح منليك (في يوليو – أغسطس) عدائياً بصورة صريحة، ولم يتضمن بالقطع أي تحذير أو إنذار، غير أنه كان رداً فاتراً وجافاً ولا يخلو من فظاظة. فقد ألمح الخليفة أن دعوة منليك للتعبئة العامة القصد منها فقط إحكام سيطرته على حكم الإثيوبيين. وطلب منه الخليفة أيضاً أن يرسل إليه مكتوبا رسميا يحمل ختمه، قبل أن يقوم هو بدراسة الأمر ويعطيه رأيه بالتفصيل. وختم الخليفة رده بعبارة مبطنة تنذر منليك بالسوء، وهي: "وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى" – وهو يقصد المهدية بالطبع (7).
وعندما تسلم منليك رد الخليفة كان يومها قد شرع منذ فترة في التعبئة العامة، وكانت الأوضاع في إثيوبيا لا تحتمل التفاوض مع قوة تبعد مسيرة سبعة أسابيع من أديس أبابا. ولم يرد منليك على الخليفة حتى يوم 15 أبريل من عام 1896م، أي بعد نحو خمسين يوما عقب انتصاره على القوات الإيطالية في عدوة. وعزز ذلك الانتصار من ثقة منليك في نفسه وفي جيشه، فلم ير داعياً لتقديم أي مقترحات محددة للخليفة في أم درمان. ووصف منليك في خطابه للخليفة انتصاره على الإيطاليين، وأعلن له أنه لا يرغب في تخطى حدود إثيوبيا، ولكنه سيحارب ويهزم من يتعدى على حدود بلاده، وهذا بالطبع تحذير مبطن للخليفة من مغبة الهجوم على بلاده. ورغم ذلك ظل منليك منشغلا بأمر السلم مع كل القوى، خاصةً مع جيرانه الأفارقة، وغيرهم من البلدان الإفريقية. فقد كان يبدي اهتماماً عظيما مثلاً بالحرب بين فرنسا والهوفاس Hovas (وهم من طبقة "العوام الأحرار" بمملكة ميرنا. المترجم) في مدغشقر. غير أن الشعور العام الذي ساد في أديس ابابا بعد الانتصار في معركة عدوة هو الثقة العظيمة، التي تكاد تلامس صفتي التشامُخ والتعالي (condescension) تجاه أم درمان. وكتب "راس منقشا" (بتواتد) في يوم 15 أبريل 1896م رسالة مقتضبة إلى الخليفة عبد الله بأسلوب مسيء يفتقر إلى التهذيب وخاطبه مباشرة بـ "خليفة المهدي" بلا صيغة احترام، ومن دون تحية إسلامية. وأضاف: "كيف حالك؟ أنا بخير والحمد لله". ثم حكى فيها للخليفة عن انتصار منليك في عدوة، وأضاف في الختام مخاطباً الخليفة: "وبما أن ملك ملوك أثيوبيا ينشد السلم، فيحسن بك أن تعجل بالكتابة له - ومن الأجدر أن تكون رسائلك له ودية الطابع" (والترجمة الإنجليزية لهذه الرسالة محفوظة في مكتب السجلات العامة، FO 141/333). وفي يوم 17 يوليو 1896م كتب "راس منقشا" مجدداً للخليفة، ولكن بلهجة مختلفة جدا:
"بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وسلم. بعد التحية.
من عبد الله راس الرؤوس بتواتد منقشا.
إلى سيدنا وحامي الإسلام خليفة المهدي، عليه السلام".
وبعد ذلك التصدير الإسلامي المُسهَب - والأكثر لفتاً للنظر هو أن منقشا كتب تلك الرسالة نيابة عن حاكم مسيحي – ذكر له أن الملك يرسل للخليفة "الكثير من التحايا ويرغب في رؤيتك"، ووصف له دوره في الخدمة العسكرية إبان الحملة التي هزمت الإيطاليين، والذين وصفهم في رسالته بـ "أعداء الله"، تماماً كما يفعل أنصار المهدية. ثم ذكر في رسالته تلك أن منليك "لا يحمل للخليفة سوى النوايا الحسنة، وأنه حريص على إقامة علاقات جيدة معه، وعلى الامتناع عن إقامة أي علاقة مع البيض، أعداء الله". ومع ذلك، فهو يوضح أن البيض الذين يستهدفهم التحالف بشكل أساسي هم الإنجليز. ويشير منقشا تحديداً إلى "الإنجليز الحمر" (8) وتحركهم نحو دنقلا في شهري مايو ويونيو. وخلص إلى القول بأن "عدوك هو عدونا، وعدونا هو عدوك. لذا ينبغي أن نتحد معاً كحلفاء أقوياء". وكان خطاب منقشا مرفقاً بشهادة رسمية مختومة بختم منليك وحمله لأم درمان الخبير الجبرتي الحاج أحمد، باعتباره المبعوث الإمبراطوري للخليفة.
لا بد أن تلك الرسائل قد كانت وصلت لأمدرمان قبل فترة قصيرة من دخول كتشنر لمدينة دنقلا في يوم 23 سبتمبر 1896م. ومع التقدم السريع لقوات كتشنر جنوباً، لم يعد الخليفة منعزلاً في غطرسة كما كان في أغسطس 1985. صحيح أن لهجة رد الخليفة كانت لا تزال متذمرة ومتضجرة إلى حد ما، وحاول أن يصور عملية التوصل إلى السلام تعتمد على قطع منليك للعلاقات السلمية مع جميع الأوروبيين، بما في ذلك رجال الأعمال الأوروبيين. غير أنه لم يقر صراحةً بأن الصداقة والسلم سيكونان "من مصلحة بلديهما". ولم يضع الخليفة وقتاً في الرد على منليك، فأرسل له مندوبه الخاص، محمد عثمان الحاج خالد، الذي سافر لأديس أبابا في رفقة مبعوث منليك، الحاج أحمد في يوم 30 سبتمبر 1896م. وعندما بلغا العاصمة الإثيوبية صرح منليك (ولم يكن صادقاً) بأنه لا يقيم أي علاقات مع الأوربيين، إلا في الأمور التجارية البحتة، التي تصب في مصلحة شعبه وازدهاره. وأضاف بأن إثيوبيا لم تستقبل في الفترة الأخيرة أي أوروبيين جدد. وبهذا التصريح من منليك، لم يعد الخليفة يطالب بإخراج الأوربيين من إثيوبيا. ومن جانبه لم يعد منليك يصر على إعادة مقتنيات الملك يوحنا (الذي قُتل في معركة القلابات) من ملابس وشارات، ولا على إعادة أسرى الجنود الإثيوبيين الأسرى بأم درمان.
ولا بد أن محمد عثمان الحاج خالد كان مخولاً للوصول على الأقل على سلام مؤقت مع الإثيوبيين. وبحلول فبراير من 1897م، وقبل عودته لأم درمان، سرى خبر إقرار السلم والصداقة بين البلدين في دوائر الديوان الامبراطوري. وكان ذلك الاتفاق يتمثل في تبادل للرسائل وليس في وثيقة رسمية؛ وعاد لأمدرمان مع محمد عثمان الحاج خالد مبعوث اثيوبي (هو القا قووبا) لتأكيد الاتفاق إنابةً عن منليك. وبناءً على توجيهات من منليك، أخذ المبعوثان معهما خطابات تهنئة إلى الخليفة من منافس منليك السابق راس منقشا (في التقراي) ومن الملك تكلي هيمانوت، وقد كانا يناصبان المهدية العداء ويقاتلانها على الحدود المشتركة بين البلدين.
واستمر الوفاق بين الطرفين في غضون عامي 1897 و1898م، وغدت العلاقة بينهما علاقة ودية (9). وانتظمت وتيرة التبادل الدبلوماسي بينهما بصورة متزايدة. وفي خلال عام 1897م أرسل منليك مبعوثاً اسمه كانتابا جابرو، إلى الخليفة، ورد الأخير بإرسال مبعوث له يسمى محمد البشرى إلى أديس أبابا. وفي ديسمبر من ذلك العام رد منليك مخاطباً الخليفة بـ "يا عظيمنا المبجل، والصديق العزيز". ولعله كان في تلك المناسبة يعلمه بقبوله لتنازل الخليفة عن أراضٍ في منطقة بني شنقول. وكان ذلك التنازل قد تأكد بعد زيارة وفد إثيوبي دبلوماسي برئاسة الجبرتي محمد الطيب لأمدرمان في ربيع 1898م. وكان ذلك الوفد قد لقي ترحيباً كبيراً من الخليفة على الرغم من أن توقيت زيارته لم تكن بعيدةً عن تاريخ انتصار كتشنر في معركة أتبرا (8 أبريل 1898م). وعلى شرف ذلك الوفد الإثيوبي أقيمت بعض الألعاب النارية، وعلى الرغم من أن رئيس الوفد كان مسلماً، إلا أن بعض أعضاء الوفد كانوا مسيحيين، ولقوا معاملة خاصة فيما يتعلق بطعامهم (أطمعوا لحوم حيوانات ذبحها رجل غير مسلم، وقُدم لهم الخمر المستخلص من التمر) (10).
وكانت الاتفاق بين الخليفة ومنليك مفيداً للجانبين. فقد كان قد خلَّص الخليفة من عبء التهديد في حدود البلاد الشرقية، وأتاح له فرصة التركيز على مقاومة جيش كتشنر القادم؛ وكانت تلك هي قيمة الاتفاق الحقيقية. فقد كان منليك – بحسب ما ذهب إليه وينجت - يهدف لتقوية جيش الخليفة لمصادمة جيش بريطانيا، التي كان لا يرغب في أن تجاوره، ويؤثر أن يكون "الدراويش" هم جيرانه. وكان على منليك أن يستخدم كلمات ودية في مراسلاته مع الخليفة، بل حتى تخلى له عن بعض المناطق الحدودية المتنازع على ملكيتها بين البلدين. وكان ذلك بالنسبة لمنليك ثمناً زهيدا ليدفعه مقابل تمكين الخليفة من التركيز على محاربة جيش كتشنر، وحماية إثيوبيا من تهديد بريطاني مفترض، وربما من أجل الرغبة أيضاً في تطوير التعاون بين القوى الإفريقية ضد "البيض" من مختلف البلدان. وكان محمد عثمان خالد (رسول الخليفة لمنليك) هو من ذكر لونجت أن منليك كان هو البادئ بتقديم مبادرات السلم والصداقة، بعكس الخليفة الذي كان في بعض الأحايين أقل حماسةً لمثل ذلك التعاون. غير أنه يجب ذكر أن منليك نفسه كان يتعامل مع "البيض"، بل يساومهم بطرق كان من المستحيل على الخليفة أن يفعلها. فقد كان منليك يعادي فرنسا التي كان يطمع في نيل دعمها الدبلوماسي، ولم يهاجم بريطانيا صراحةً لخوفه أو احترامه (المبالغ فيه) لقوتها العسكرية، وربما كان مدركاً لأن قوات كتشنر قد تهزم قوات الخليفة عبد الله. لذا قام منليك بعد فترة قصيرة من عقده ذلك الاتفاق مع الخليفة بالتوقيع على معاهدة مع فرنسا، وأخرى مع بريطانيا؛ وهذه أمر لا يتوافق إطلاقاً مع تحالفه مع الخليفة عبد الله. بل وقع منليك في يوم 14 مايو 1897م على اتفاق مع البريطانيين يلزمه بمنع تقديم الأسلحة لقوات المهدية، التي وصفها في ذلك الاتفاق بأنها "عدوة الإمبراطورية"، وأكد – بطريقة أقل رسميةً - للبريطانيين بأنه من غير المعقول أن يكون صديقاً للمهدويين، بل ألمح لهم أنه قد يشارك في عمل عسكري ضدهم. وقبل ذلك، كان منليك قد وقع مع الفرنسيين في يوم 20 مارس 1897م اتفاقية النيل الأبيض (Convention pour le Nil Blanc) التي تقضي بتقسيم السودان جنوب خط عرض 14° على طول نهر النيل الأبيض وبحر الجبل. ولو نُفِذَتْ تلك الاتفاقية بالفعل لوصلت الحدود الفرنسية والإثيوبية مع السودان إلى نقطة على النيل الأبيض تبعد أقل من مائة ميل جنوب أم درمان. ويبدو أن منليك لم يلتزم (بل لم يكن ينوي أن يلتزم أصلاً) بتنفيذ أي من بنود معاهدتيه مع فرنسا وبريطانيا، وكان ميالاً لإقناع الخليفة بأنه لا يجب أن يخشى من أي اعتداء إثيوبي، خاصةً إن كان ذلك بالتواطؤ مع "البيض، أعداء الله". وعرض منليك على الخليفة مده بالسلاح والذخيرة، وبالجنود أيضاً. غير أن ذلك لم يحدث قط. أما بالنسبة لاتفاقية النيل الأبيض مع الفرنسيين، فلم يكن من السهل على منليك التخلي عنها بعد أن كان قد وعد بمساعدة البعثة الفرنسية الاستكشافية (بقيادة مارشاند Marchand) التي كانت تعمل في أعالي النيل من جهة الجنوب الغربي. لذا فقد وجد منليك نفسه تحت ضغط من الفرنسيين كي ينال "نصيبه" من حوض النيل، وأيضاً ليساعد البعثات الفرنسية التي أُرْسِلَتْ من إثيوبيا للعمل سوياً مع مارشاند في فشودة. ورغماً عن الوعود الكثيرة التي بذلها منليك للفرنسيين متظاهراً بأنه يؤيدهم، إلا أنه لم يعطهم إلا القليل من العون، ولم يقدم على احتلال المناطق التي وعد بها بحسب ما جاء في اتفاقية النيل الأبيض. وبرر منليك للخليفة عملياته العسكرية في حوض السوباط على أنها من باب الاحتياط ضد البعثات الفرنسية والبريطانية التي "تهدف للتدخل بين بلدي وبلدك، ولتفرقنا وتقسمنا". وطلب منليك مستعطفاً الخليفة ألا يسئ فهم دوافعه، وأكد له من أن "كل مقصدي هو تعزيز الصداقة معك". غير أن منليك كان قد سبق له مخاطبة "القوى المسيحية" في أبريل من عام 1891م بالقول بأن حوض السوباط يقع داخل "الحدود الفعلية" لإمبراطوريته. وأثار منليك مسألة الحدود مع البريطانيين في عام 1899م، وذلك من باب المساومة. فقد كتب لحاكم الناصر البريطاني في أبريل 1899م قائلاً: "إن كنت على استعداد لتعطي وتأخذ معي، فأنا على استعداد أيضاً" وقد كان بالفعل على استعداد لـ "يتنازل" عن حوض السوباط شريطة أن يحتفظ بإقليم بني شنقول، وأن يُمْنَحُ أيضاً إقليم القلابات ومناطق أخرى على النيل الأزرق تصل للروصيرص. غير أن البريطانيين أجبروه على التخلي عن مطالبته بالقلابات والروصيرص، بل وأيضاً عن فازوغلي ومناطق الفونج أعلى الروصيرص.
وكان من المحتمل أن يكون موقف منليك ضد بريطانيا أقوى بكثير إن كان قد احتل بالقوة العسكرية المناطق (المتنازع عليها) التي طلب من البريطانيين التنازل له عنها، وخاصة وأن الحدود الشرقية بين اثيوبيا ودولة المهدية كانت في صيف 1898م أرضاً مجردةً من السلاح بعد انسحاب حاميات جيش المهدية منها. غير أن كتشنر كان مأموراً بتحاشي أي نوع من الصراع العسكري ضد قوات منليك. واكتفى منليك بإرسال بعثات دبلوماسية سلمية لشيوخ القبائل الحدودية لتعطيهم "الأمان" في مقابل دفع جزى اسمية. وقَبِلَ شيوخ تلك القبائل بالبعثات الإثيوبية (فيما عدا شيوخ فازوغلي). ودعا شيخ القلابات الراس بتواد منقشا ليتولى زمام السلطة في تلك المنطقة.؛ وقَبِلَ سكان الروصيرص برفع العلم الإمبراطوري الإثيوبي، إذ أن "السكان كانوا يدركون بالطبع وجود معاهدة (صداقة ووئام) بين الخليفة ومنليك (استشهد الكاتب هنا برسالة من الراس بتواد منقشا إلى شيخ الروصيرص آنذاك، أبو شوتال. المترجم).
ولم يقم منليك بأي عملية عسكرية في السودان قبل سقوط المهدية إلا في منطقة واحدة هي بني شنقول، التي كانت تتبع للسودان المصري، ولم تكن بالفعل جزءاً من الدولة المهدية قط، إذ كان شيخ عبد الرحمن خوجلي قد نجح في مقاومة المهدويين الذين سعوا لضمها لدولتهم. غير أن منليك كان شديد الرغبة في ضم تلك المنطقة الغنية بالذهب إلى إمبراطوريته، ولكنه احترم حق الخليفة عبد الله (نظرياً) في بسط سيطرته على تلك المنطقة، إلى أن سمح له الخليفة (بل دعاه) لضمها لإمبراطوريته.
إن فكرة أن الصراعات بين إثيوبيا والدولة المهدية هي صراعات قَرْوَسْطِيّة (medieval، متعلقة بالعصور الوسطى) ذات دوافع قَرْوَسْطِيّة هي فكرة مضللة. لقد كان هناك بالطبع في سياسة الخليفة عنصر الجهاد، غير أن ذلك الدافع لم يكن مطلقاً خالياً من الخلط كما يُفترض أحياناً. ولم يكن من النادر أن يخضع ذلك العنصر لاعتبارات أخرى، وبعد عام 1889م اختفى تماماً. أما في إثيوبيا، فإن توقعات الحملة الصليبية لم تثمر عن أي دور على الإطلاق في السياسة الرسمية تجاه الدولة المهدية. وكان اهتمام يوحنا، ومن بعده منليك، منصباً في المقام الأول على المشاكل العملية المتعلقة بحماية وسلامة إثيوبيا واستقلالها. وعندما انشغلا عن تلك الإستراتيجية العملية، لم يذهبا تجاه القيام بـ "حملة صليبية"، بل نحو "تضامن افريقي". ومن قبل منليك، كان يوحنا يرغب في بناء سلام مع الدولة المهدية، والتعاون معها ضد الأتراك والأوربيين. وبالقطع لم يكن قتاله ضدها في شرق السودان حربا هجومية، بل كان بمثابة عملية وقائية (هكذا! المترجم) هدفها إحباط عدوان مهدوي أثناء حدوث أزمة حادة في إثيوبيا – وهي أزمة كانت تنذر بحدوث حرب أهلية خطيرة.
أما منليك فلم يحاول أن يثأر لهزيمة ومقتل يوحنا، بل قدم مبادرات للتصالح والصداقة مع الدولة المهدية وذلك بعد نحو نصف عام من تسنمه للسلطة. وأقام "سلماً غير معلن" على حدوده الغربية حتى عام 1895م. وعقب ذلك العام أراد أن يجعل ذلك السلم سلماً رسمياً حتى يضمن أن الدولة المهدية لن تهاجم بلاده وهي تحارب إيطاليا. فاقترح في يوليو من عام 1896م تحالفا دفاعيا شاملاً مع الدولة المهدية، مؤملاً أن يمثل ذلك التحالف تعزيزاً لمقاومة الدولة المهدية للعدوان البريطاني. وكان منليك في الواقع يثمن عالياً مقاومة الدولة المهدية لكتنشر لدرجة أنه ضحى من أجلها بتطلعاته الإقليمية في الغرب.
(مضى كاتب المقال بعد ذلك في إغْدَاق المدح على منليك، واهتمامه بتطوير التعاون مع كل جيرانه الأفارقة ضد كل الأوربيين بغض النظر عن جنسياتهم، وعن أنه يؤمن بضرورة التعاون بين الأفارقة بغض النظر عن اختلافات ديانتهم. وأشار الكاتب أنه سبق لمنليك أن خاطب "القوى المسيحية في أوروبا" في نوفمبر 1878م وفي أبريل 1891م، وطلب منها السماح له باستيراد الأسلحة "التي ستستخدم في قتال المسلمين والوثنيين". وكتب في ديسمبر 1889م إلى الملكة فيكتوريا والإمبراطور الألماني فيلهيم (غليوم) الثاني ورئيس فرنسا كارنوت، طالباً منهم مده بالأسلحة لقتال مصر المسلمة. المترجم). لا شك أن منليك كان يلمح بأنه من المتوقع من "القوى المسيحية" ألا تعارض توسع إثيوبيا المسيحية على حساب الوثنيين والمسلمين. وكان منليك في هذا يَتَّبِعُ نفس ما قام به من قبل من سبقوه من حكام إثيوبيا مثل تودروس الثاني ويوحنا الرابع. غير أن منليك غير من آرائه بعد عام 1896م، وصار يؤمن بأن رؤيته ومصالحه تتطابقان مع رؤية ومصالح المسلمين الأفارقة، بأكثر من تطابقهما مع مسيحي أوروبا.
***************** *********** **********
إحالات مرجعية
1/ لمزيد من التفصيل يمكن النظر في عرض لحصار ساتي في هذا الرابط https://shorturl.at/swzM8
2/ يمكن النظر فيما ورد في الموسوعة البريطانية عن "معاهدة ويشال" هنا: https://rb.gy/9jgau2
3/ أشار الكاتب في الحاشية إلى أن الأمير عبد الرحيم أبو ضقل (الذي كان يؤثر دوماً الحلول السلمية) ربما كانت له يد في الوصول لحالة "السلم غير المعلن".
4. استند الكاتب هنا على ما ذكره محمد عثمان الحاج خالد (مبعوث الخليفة إلى منليك) لوينجت.
5. نصت المادة السابعة عشرة من معاهدة ويشال على أن إمبراطور إثيوبيا "يمكنه" اللجوء إلى المساعي الحميدة للحكومة الإيطالية في تعاملاته مع القوى الأجنبية الأخرى؛ لكن النص الإيطالي للمعاهدة كان يحتوي على كلمة "يجب". وبناء على نصهم الخاص، أعلن الإيطاليون الحماية على إثيوبيا. https://shorturl.at/lwI46
6/ ذكر الكاتب في الحاشية أنه ورد في رسالة منليك للخليفة قوله: "... وأنا أسود وأنت أسود"، وأن الإيطاليين يهددون السودان كما يهددون إثيوبيا.
7/ وأما قوله "والسلام على من اتبع الهدى ... نجد أنها ترد في نصوص الوحي دائما خطابا لغير المسلمين، كما في قوله تعالى حكاية عن نبيه موسى عليه السلام عندما كان يخاطب فرعون ويدعوه إلى الله تعالى فقال: قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى {طه: 47}. وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - في رسائله التي كان يبعث بها إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام. وقال أهل التفسير: ليس المراد بها التحية والدعاء.. إنما معناها سلم من عذاب الله من أسلم https://tinyurl.com/mscpfsvv
8/ في قول منقشا "الانجليز الحمر" إهانة (عنصرية؟" إلى حد ما، مثل كلمة rooinek في اللغة الأفريقانية Afrikaans.
9/ ذكر الكاتب في الحاشية أن المؤرخ بيتر هولت كان يقلل من شأن التطور في العلاقات السودانية – الإثيوبية في تلك السنوات لأنها مثلت حلفاً "غير رسمي"، ولعدم وجود نتائج إيجابية لتلك "العلاقات الودية".
ومما ذكره القدال في كتابه "تاريخ السودان الحديث: 1820 -1955م" في صفحة 288 أن منليك "أرسل إلى الخليفة يحذره من الأوربيين، وأرسل له العلم الفرنسي ليرفعه في بلاده فيحميه من خطر الإنجليز، ولكن الخليفة رفض فكرة رفع (ذلك) العلم، ولم تثمر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين (عن) عقد معاهدة".
10/ استشهد الكاتب هنا بما ورد في طبعة 1958م من كتاب بيتر هولت "The Mahdist State in the Sudan"، في صفحتي 209 – 210.

 

alibadreldin@hotmail.com

 

آراء