العَامُ الرَابِعُ لِحَرْبِ السُوْدَانِ: رُبَاعِيَّة بِلَا إرَادَةٍ … وَخُمَاسِيَّة بِلَا أَدَوَاتٍ

Sudan’s Fourth Year of War: A Quartet Without Will … and a Quintet Without Tools

بروفيسور مكي مدني الشبلي

المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

دخلت حرب السودان عامها الرابع، بينما يظل الأفق السياسي خاوياً من أي بادرة ذات مصداقية لوقف القتال أو بدء إعادة الإعمار. لم يعد الحديث عن ”تعقيدات المشهد“ مبرراً مقبولاً، بل أصبح غطاءً لعجز عسكري وسياسي إقليمي ودولي، وفشل مدني داخلي في تحمل المسؤولية. بعد ثلاث سنوات من الدمار المنهجي، لم تعد القضية هي كيف انتهت الحرب، بل: من الذي سمح باستمرارها، ولماذا؟

أولاً: أين يكمن مفتاح شفرة الحرب؟

بعد ثلاث سنوات من التفاعلات العسكرية والسياسية، يتضح أن الحرب لم تعد تُحسم في الميدان وحده، بل تُدار عبر ثلاث طبقات متداخلة:

  1. اقتصاد الحرب
    الذهب، والوقود، والتجارة العابرة للحدود لم تعد مجرد موارد، بل أصبحت وقوداً للحرب نفسها. ما لم يتم تفكيك هذه الشبكات، ستظل الحرب قادرة على إعادة إنتاج نفسها مهما تغيرت موازين القوى العسكرية.
  2. الخوف من العقاب
    أحد أهم محركات استمرار الحرب هو الخوف المتبادل من المحاسبة. هذا العامل يفسر تصلب المواقف أكثر من أي اعتبارات عسكرية أو سياسية. ومن هنا، فإن أي مسار جاد للسلام لا يمكن أن يتجاوز مسألة الضمانات المشروطة.
  3. غياب البديل المدني المقنع
    رغم تعدد المبادرات، لم تنجح القوى المدنية في تقديم مركز ثقل سياسي موحد قادر على ملء الفراغ بعد الحرب. هذا الفراغ يعزز ”منطق الاستمرار في القتال“ كخيار أقل خطراً بالنسبة للأطراف المسلحة.

بعبارة أخرى، مفتاح شفرة الحرب ليس في الخرائط العسكرية، بل في تفكيك اقتصادها، وإدارة مخاوف قادتها، وبناء بديل مدني موثوق. فالحرب مستمرة لأنها ما زالت تخدم مصالح قوى مؤثرة، وليست لأن السلام مستحيل.

ثانياً: هل تتراجع ”الرباعية“ الدولتية لصالح ”الخماسية“ المؤسستية؟؟

كل المؤشرات تقول إن الآلية الرباعية (الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر) لم تفشل فقط في فرض مسار فعال، بل سمحت، عن قصد أو عجز، بانزلاق الملف السوداني إلى فوضى المبادرات مرة أخرى

مؤتمر برلين الذي دعت له الآلية الخماسية (الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، الهيئة الحكومية للتنمية، وجامعة الدول العربية، وغيره من اللقاءات لم يضف جديداً، بل كشف حقيقة مقلقة:  أن المجتمع الدولي بدأ يتحرك من موقع إدارة الأزمة، لا إنهائها.

أما الحديث عن انتقال من ”رباعية“ إلى ”خماسية“ أو غيرها، فهو في جوهره إعادة تدوير للعجز نفسه بأطر مختلفة، ما لم يُحسم سؤال بسيط: من يملك الإرادة لفرض السلام، لا مجرد الدعوة إليه؟

الحقيقة أن:

  • الرباعية تملك النفوذ لكنها تتردد في استخدامه،
  • والمؤسسات الدولية تملك الشرعية لكنها تفتقر للأدوات،
  • والنتيجة هي فراغ سياسي يُدار فيه الصراع بدلاً من إنهاه.

ثالثاً: سيناريوهات 2026… إلى أين يتجه السودان؟

في ظل هذا الخذلان المركب، لا تبدو الخيارات مفتوحة بقدر ما هي محصورة في مسارات خطرة:

1. الجمود المميت (الأرجح)

حرب مستمرة بلا حسم، اقتصاد حرب متضخم، ومبادرات شكلية لا تغيّر شيئاً. هذا ليس وضعاً ”انتقالياً“، بل تطبيع تدريجي للانهيار.

2. اختراق مشروط (الأقل احتمالاً)

لن يحدث إلا إذا قررت أطراف دولية ربط الاقتصاد بالامتثال، وفرض ضمانات حقيقية تكسر منطق الخوف.
غير ذلك، سيبقى مجرد تمنيات دبلوماسية.

3. التقسيم الصامت (الأخطر)

حين يقتنع كل طرف بأن النجاة تكمن في ما يسيطر عليه، لا في الدولة. وهنا لا يُعلن التقسيم… بل يتشكل تدريجياً على أرض السودان القديم.

الخاتمة: المشكلة ليست في غياب الحل… بل في غياب الإرادة

السودان لا يعاني من نقص في المبادرات، بل من فائض في اللقاءات الفارغة. ولا يفتقر إلى التشخيص، بل إلى الجرأة في اتخاذ القرار.

مفتاح شفرة حرب السودان الفاجرة معروف، لكنه مُؤجَّل عمداً:

  • تفكيك اقتصاد الحرب بدل التعايش معه،
  • فرض ضمانات مشروطة تكسر منطق الخوف المهيمن على المتحاربين،
  • إجبار القوى المدنية على تجاوز عجزها، لا التعايش معه،
  • وتوحيد المسارات الدولية بدل تركها تتنافس على الفشل.

إن الاستمرار في إدارة الأزمة بهذه الطريقة لم يعد حياداً، بل مشاركة فعلية في إطالة الحرب.

السؤال لم يعد: كيف تنتهي الحرب؟ بل من يملك الشجاعة لإنهائها… ومن يستفيد من استمرارها؟

melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

إزَالَةُُ التَمْكِينِ بيْنَ مَشْرُوْعِيَّةِ ثَوْرَةِ دِيسَمْبِرِ وَمَخَاطِرِ التَدْوِيلِ

إزَالَةُُ التَمْكِينِ بيْنَ مَشْرُوْعِيَّةِ ثَوْرَةِ دِيسَمْبِرِ وَمَخَاطِرِ التَدْوِيلِ Sudan’s Dismantling of Islamist Entrenchment: A Revolutionary …