العَمْ مَبْرُوُك- الطبعة الثانية من (رواكيب الخريف- مجموعة قصصيَّة، بقلم: عادل سيد أحمد)
2 مارس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
108 زيارة
(2/3)
وكان (العَمْ مَبْرُوُك) يطرح على نفسِهِ أسئلةً ظلت قيد البحث، عند الإنسان، منذ مئات السنين، وما أن يصل العم لطرف للمحةٍ من نتيجة، أو طيف قناعة في مناجاته لذاته، هذه، حتى يعمر بها مجالسه، في حماسٍ طفولي، ويتباهى بها أمام الأولاد، والأحفاد!
ورُويداً، رُويدا فقد الأقربُون القدرة على احتمال سماع ومتابعة هذه الشطحات الفلسفية، فصاروا يتجنبوه أولاً، ثم بدأوا في مقاطعة حديثه، وأحياناً مغالطته، حتى انتهوا بالسخرية التامّة من نظريات (العَمْ مَبْرُوُك) الغريبة، وأفكاره الشاطحة والطريفة.
ولكن، الأستاذة )هادية مَبْرُوُك(، كانت ترى:
– (ضرورة جمع كل ذلك، وتوثيقه).
ولكنها لم تجد من يحمسها، أو يقف معها، ولا حتى أخيها الأكبر: د. الفاتح مبرُوك، وهكذا، فإن مُتعه الحديث، وأعمار المجالس، لم تعد مُتاحة (للعَم مَبْرُوُك) بالقدر، والقيمة اللتان من شأنهما أن تشبعا حنينه إلى زمن البرامج المُترفة، والبطولات الشبابيّة، على سذاجتها وسطحيتها، رغم النداوة والطلاوة في تفاصيلها، وصار العَمْ مَبْرُوُك يناجي مجالسه، في هكذا مقام، بما قاله الحلاج منذ مئات السنين:
– وما شرب العشّاقُ إلا بقيتي،
وما وردوا في الحبِ، إلا على وردي!
ودأب على أن يخص د. الفاتح مَبْرُوُك بحكايات تمرّده على المجتمع، ومغامراته الدونجوانيّة حينما كان شابّاً، في ريعانِ الشباب، حينما كان العَمْر يُبذلُ، رخيصاً، في اللهو ، والمرح!
– (ما الذي يمكن أن يُلهي، ويشبع العَمْ مَبْرُوُك، ويملأ عليه حياته؟ شرطاً، دون أن يحوله إلأى مصدرٍ للشفقة، أو السخرية من أي كان؟).
كان هذا هوالسؤالُ الدائرُ في أذهانِ أولاد، وبنات العَمْ مَبْرُوُك. وكان، فعلاً، هو سؤال المرحلة! ولكن (العَمْ مَبْرُوُك)، مســـــــــتبقاً الجميع: أجاب على السؤال! وفاجأ أهل البيت بإعلانه رغبتهِ في الزواج، بل: وحدّد العروس، إمعـــــــاناً في أذى، وإذلال (أم الأولاد)، شريكة عمره، وتجريحها، من حيثُ يدري أو لا يدري.
ولمّ تكُن هذه (الضَّربة الفنيّة) بإعلان مبروك الرغبة في الزواج غير متوقعة من جميع أفراد الأسرة فحســـب، وإنما كانت غير محسوبة العـــواقب من (العَمْ مَبْرُوُك)، نفسهُ، أيضاً، تلك الرغبة التي صاغها وجدانه الشبابي العامر، وطيف مغامراتهِ، الجريئة، في العشق والهوى!
وتباينت رُدودُ الأفعال، واتسع نطاقها من حيثُ المخبر، وخرج الخبرُ، الذي كان قبل أيّامٍ مُجرَّد أُمنيةٍ يستبطنها العَمْ مَبْرُوُك، وذاع، وفلّتْ من نطاق البيت إلى الشارع، ووصل لأهلِ الحيْ، فاستنكروهُ، باديءِ الأمـــــر، ثمّ ما لبثُوا أن انقسموا على أنفسهم، بين مؤيدٍ، ومُعارض…
ولم يكن ترحيبُ البعض، بسببِ صواب الفكرة، أو وجاهتها بقدر ما هو:
– (نكاية في أسرة (العَمْ مَبْرُوُك) المستُورة، سمحة السيرة، وشماتة في أم عياله التي لم يعلو لها صوتٌ فوق صوتِ سعادةِ أسرتها، وهنائها، ولم تتفوه بسوءٍ أمــــامَ كائنٍ من كان، تشهد بذلك جاراتها، ورفيقات دربها، ويلهج بشكرها الصغيرُ، قبل الكبير).
ولم تَجد حُسْنَة، (أُمْ العِيَالْ)، سبباً للترحِيب، أو عُذراً للمرحبين، بعزمِ زوجها على الزواج، سِوَى : الحسد، والغيرة فشكتهم، بينها وبين نفسها، على: الله!
ولكنها أعادت تأملاتها وروايتها لفُصولِ تاريخها المشترك مع (أبي العِيَالْ) بعين السُّخط،، وبخسّت تضحيات، ومواقف مشهودة للعَمْ مَبْرُوُك، بل وبعض بطولاته أيضاً، وكانت تسهب وتفيض كلّما وجدت آذاناً صاغي، وكلّما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، مُختتمة حديثَها في كل مرّةٍ، بالتعبير المُتنهِّد،الساخط:
– يعرِّس رُكبيهْ…!
وظللتِ البيت حالةٌ من الحُزن وعشعشت في زواياهُ الكآبة، لأنَّ ركناً هاماً من المودة والاحترام بين مَبْرُوُك وحُسْنَة قد انهار، وقد كان، بشكلٍ من الأشكال، أحد ركائز سعادةِ الأُسرة، وفخر الأبناءِ، والبنات.
وجاءت الرسائلُ المتسائلةُ، الحزينة من أفرادِ الأسرة جميعهم، المنبثين في مشارِق الأرضِ، ومغاربها، فأضافت متسائلين جُدد: (لا غير!).
وما أن استفاقوا من الصدمة، حتى بدأوا في التفكير في إثناء العَمْ مَبْرُوُك عن نيته وإياف مسعاهُ، ولكنهم سرعان ما تيقنوا من جديته وإصرارِه، فقرروا، في سبيل تقليل الخسائر، حماية أنصبتهم من ميراثهم من العم مَبْرُوُك، ذلك الميراث المُتمثل في البيت الذي هُم قاطنوه، وقطعة الأرض الزراعيّة التي كانت جدباء، ومُهملةً إلى وقتٍ قريبٍ، لولا أنهم قد بذلوا فيها ما استطاعوا من جهد، وأنفقوا فيها ما تيسر لهم من مال.
أما البنات، فقد شككن في سلامة أبيهن العقلية، ودفعن بإخوانهن للتفكير في نفس الاتجاه، واتفقوا، جميعهم، على أن يشيعُوا أمرَ مرضه العقلي وسط الناس، كأحدِ الوسائل لمنعه من الزواج، مُعولين على وُصُول أمــــر مرضه إلى أسرة العروس المرتقبة، في ديارٍ: (لا تَخْفَى فيها الأســـــرارُ).
وهكذا، تفتّت أواصرُ الموَدة، والعشرة التي ظللت الأسرة ولعقودٍ من الزمان، لأرقامٍ وحسابات، وكيدٍ وكـــيدٍ مضاد، وانقسم أفرادُها، خفيّاً ودون إعلان، إلى معسكرين: (متعاطفٍ مع الأب، والمتضامن مع أمِّهِ).
ولكنَّ إرادة الله الغلَّابة، سُرُعان ما حسمت الأمر، وذلك بانتقال العَمْ مَبْرُوُك إلى الدار الآخرة، لقد مات العم بهدوءٍ لا يتناسب مع الجلبة التي أحدثها قرار المرحوم بالزواج، قبل أسابيعٍ، فقط، من تسليمهِ الرُّوح لبارئها.
وهكذا، فقد أسدل موتُ (العَمْ مَبْرُوُك)، أسدلَ الستارَ عن مأساة الأسرة وشيكة الحدوث، والتي باتت قابَ قوسين أو أدنى، والتي ضعضعت تماسك الأسرة، وخدشت اعتزازها بذاتها.