الفاصلة بين اليسار العربي واليمين فقدت .. بقلم: جورج ديوب
عزيزي القارئ , هل تتذكر أن أحزابا وتنظيمات وحركات يسارية كانت هناك منتشرة على الساحة العربية , وكانت توصف بالتقدمية لما تحمله من أفكار متعارضة مع النهج الرجعي المتخلف الذي كان ممثلا بالنظم الحاكمة وأحزابها , وكانت الأحزاب اليسارية تلك تمثل ثورة إنقلابية على ما كان سائدا متماهية مع روع العصر , وضرورة النهوض بالمجتمعات , ونصرة الشعوب لتحقيق مصالحها وآمالها على كافة الصعد , خاصة قضايا التحرر من الإستعمار والهيمنة وإقامة الحكم الوطني المتعدد الثقافات والمعتقدات والأعراق . الجيل الجديد الذي وجد نفسه تحت رحمة الطاغي المتجبر الإقطاعي أو كبير العشيرة أو القوم , وجد نفسه مسلوب الإرادة فانتفض وتمرد ضد هؤلاء بانشداده إلى تلك الحركات التي بهرته بشعاراتها ومبادئها خاصة التي تتضمن العدالة والإشتراكية والتحرر من كافة أشكال القهر والظلم . فانضم العديد من هؤلاء الشباب والشابات إلى صفوف تلك الحركات , التي أصبحت فيما بعد حركات فاعلة ومؤثرة في المشهد السياسي ولا يمكن تجاهلها , ودليلنا على ذلك قدرة حزب البعث العربي الإشتراكي على تحقيق وحدة مصر وسوريا سنة 1958 رغم حداثة تأسيسه سنة 1947 . وكان قد سبقه في التاسيس الحزب الشيوعي السوري اللبناني سنة 1924 والحزب السوري القومي الإجتماعي سنة 1932 , إضافة لحركات وأحزاب عربية أخرى قريبة من أفكار وتوجهات تلك الأحزاب التي ذكرناها سابقا . لكن رغم تعدد تلك التنظيمات المتقاربة في أفكارها لم تستطع بناء قاعدة جمايرية مشتركة على امتداد الساحة العربية , قادرة على مواجهة القوى الرجعية المحلية وكذلك مواجهة مخططات الأعداء المتربصين بمصير الأمة العربة , خاصة القضايا المصيرية مثل قضايا التحررمن الإستعمار وقضية فلسطين والوحدة العربية . زد على ذلك الإنشقاقات التي عصفت داخل تلك التنظيمات ومزقت صفوفها . هذه الأزمات أرخت بظلالها على عمل التنظيمات وقدرتها على التفاعل مع القضايا المستجدة الساخنة وقضايا الشعوب , مما أفقدها مصداقيتها أمام الجماهير الحالمة بالتغيير , وهكذا تبخرمعظمها بل أن بعضها أصبح جزءا من أجهزة النظم المستبدة للنجاة من الإنقراض . وبخلو الساحة من التنظيمات اليسارية , كان لا بد من ملء الفراغ فسارعت التنظيمات الطائفية والمذهبية لتأخذ دورها في أجواء طائفية ومذهبية لم يرها الوطن العربي من قبل , واحتل أصحاب العمائم قيادة المرحلة الذين يدعون قداسة الكلام والفتاوي , وأن أحاديثهم قد نصت عليها الكتب المقدسة .
لا توجد تعليقات
