المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي السوداني لم ينعقد بعد .. بقلم: عثمان محمد صالح

لاأجد وصفاً أدق وأنسب لمايجري في صفوف الحزب الشيوعي السوداني مؤخراً من فصل واستقالات بدأت فردية ثم اتخذت طابعاً جماعياً غير ارهاصات الزلزلة التي بامكانها خلخلة بناء هذا التنظيم، بل وهدمه هدماً اذا لم يستنهض عامة الشيوعيين ارادتهم ويحزموها في حملة لانقاذ بيتهم المشترك الذي ادين له بالفضل ويحزنني ان أراه ينطمس بهذه الصورة التراجيدية.
ان المرء ليقف شاهداً على فصول مأساة متلاحقة الفصول مسرحها حزب سياسي لعب دوراً جليلاً في حركة التغيير الاجتماعي في السودان، واسهم بالقدح المعلى في نشر الوعي بحقوق الجماعات المستضعفة في ذلك البلد.. هذا الحزب يتمدد الآن طريحاً ما بين الحياة والموت، ومن مسامه تتسرب الدماء كأنه ملدوغ بناب رقطاء. واولى خطوات انقاذ الجسد المسجى، باعتقادي، هو انعقاد مؤتمره الخامس. وربما يبدو رنين هذه الدعوة غريباً وشاذاً في الاسماع ذلك ان الحزب الشيوعي قد عقد مؤتمره السادس قبل فترة قصيرة.

انني اعتبر المؤتمرين “الخامس” و”السادس” فصلين في تمثيلية باهتة ومثيرة للاشفاق أعيدت فيها تعبئة النسخة السودانية من الستالينية الآسنة في قارورة جديدة، وزُوِّرتْ فيها ارادة عامة الشيوعيين للتغيير والتخلص من دمل قيادة محمد ابراهيم نقد وشركاه الذين اوصلوا الحزب الى وضعه الحالي المزري بايثارهم البقاء على سدّة الحزب عقوداً متتاليات عطّلوا خلالها دستور الحزب، وغيّبوا الاصوات الاصوتهم المتنزّل بالاوامر، وضحّوا بالديمقراطية الداخلية قرباناً في مذبح المركزية الخانقة والهوس المفرط بالتأمين.

لم ينعقد المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي بعد، ومازالت مهامه المؤجلة تنتظر التنفيذ وعلى رأسها :احداث قطيعة جذرية مع اللينينية في الفكر والتنظيم يتطهّر بها الحزب من تراث الاستبداد الذي انداحت أمواجه من روسيا السوفياتية حتى وصلت الينا في السودان، تلمس طريق العودة إلى منبع الماركسية بعد مراجعتها ليستعيد التنظيم هويته العمالية حزباً يمثل العمال ويقوده العمال لا صغار البرجوازيين، واخضاع تجربة الاشتراكية السوفيتية للنقد، وتقديم تعريف للاشتراكية، واصدار عقوبة الفصل النهائي لجميع أفراد القيادة الذين كانوا على سدّة الحزب بعد 1971 وعملوا على تعطيل قيام المؤتمر الخامس حتى يومنا هذا، وطرد الكادر السري المتفرّغ الذي جعل من حزب الكادحين داراً ومعاشاً. فهذا الكادر المتفرّغ هو اليدّ الخفية التي تدير الحزب. هو يدّ الشرّ الممسكة بزمام القيادة والسيطرة الفعلية التي تتلاعب بالسكرتير السياسي واعوانه في اللجنة المركزية التي لا تعدو ان تكون واجهة مشهدية لخداع الابصار فحسب.

لاسبيل بنظري الكليل لتعافي الجسد الشيوعي بغير انعتاقه من سيطرة القيادة الخفية التي هي جماعة عاطلة تنظيمياً وفكرياً وتحيا في غيبوبة أزمنة دارسة.
لاسبيل الى النهضة الا بفطم القيادة الخفية من الرضاعة من ثدي التنظيم. فطمها بقرار الفصل النهائي لتغادر البيت المشترك بلاعودة.

عثمان محمد صالح

osmanmsalih@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً