المفاجأة .. بقلم: عثمان يوسف خليل

 

رغم طموحه الكبير الا انه لم يصل الي ماكان يصبو اليه بالرغم من انه ادرك الكثير من النجاح بفضل روحه الطيبة وبساطته وطيب كلامه..إسمه حسن ويوم ولادته هطلت امطار غزيره كادت ان تهدم بيوت قريتهم كرش الفيل بل ان جزء من تلك البيوت انهار جزئيا وتهاوت العديد من الخوائط وحاصرت المياه القرية ونفقت بعض الحيوانات..
وتفاءلت بمولده امه ونادته جاب الله الخير(ولدي الله جابو لي دخري في الدنيا)..

وجاب الله واحد من ابناء قرية كرش الفيل ولكنه تميز عن الجميع بخفة دمه لذلك احبه جميع اهل قريته ودلعه الشباب بجابو فسار عليه هذا اللقب حتى ان امه ونادته به حتى انها كادت ان تنسى اسمه الذي سمته به يوم ولدته..وجاب الله اتى لهذه الدنيا بعد فترة انتظارٍ طويلة حتى يإست امه وظنت انها عاقر وبدأت تذهب للفقرا اعتقاداً منها انهم

-ها جنا وحاة اسم الله إت كضاب..
زي مابقول ليك وأزيدك علم كمان، جابو كان قريب يكون في بلداً اخر..
-لكن يا العاقب اخوي دحين باقي ليك جابو ده بخبر حياة السافل؟ وبقدر على الناس المكربة صليباتها ديك..
-والله يا اللمين يادوب كرش الفيل مافقدت ولد..
هكذا دار حوار بين اللمين والعاقب ود مرزوق وهم جلوس امام دكان الشريف ود رحمة في احد الأمسيات، حيث يجتمع بعض الناس عقب صلاة المغرب في أمسيات الصيف الطويلة، وحين الفراغ يحلو السمر والفارغة وحكاوي الحلة..وحكاية سفر جاب الله كانت محور احاديث اهل القرية..

جاب الله شاب ظريف كثير الحركة والكلام ذو بسطة في الجسم ومحبوب من الكل اذا رايته حسبته ابله لكنه في الحقيقة شخصية طيبة ومتابع جيد لاخبار الدنيا وذلك من خلال راديو أهداه له صديقة وقريبه علي، ويستطيع ان يعلق على بعض الاخبار والاحداث بطريقته الخاصة..

في احدي أمسيات الصيف وبعد تناول العشاء المكون من صيده فطيرة بلبن وسكر ومع الاسرة جلس جاب الله الي امه التي كانت متكأةً في .عنقريبها الهباب وهي ملتفة بطرقة تستر نصفها الأسفل اما صدرها والذي تتلى منه شطور رضع منهما الزمن حتى ارتوى، فقد تركته عارياً لشدة الحر..فاجأ امه بخبر داوي..
-ياحاجة انا بكره مسافر الخرطوم..
-كده لكن ما فاجعتنا مو عيب عليك..
-معليش يا امي فكرت سريع وقررت اشوف حظي هناك امكن امورنا تنعدل..
-سمح امش والله يعدلها عليك وين ماتمشي..
-انا كلمت ابوي واهو اجرب ولو فشلت برجع للطورية
ويوم السفر خرجت معه امه وأهل البيت يودعونه
-الله يعدل ختوتك ويهون قاسيتك ويبعد عنك الشر
بركة شطري الرضعك وودعتك للامين الوداعه لى كافي الشفاعة..يكفيك شر الحساد ومايمنع منك الزاد..هكذا ودعته امه بدعواتها وطلبت منه ان يمشي حافياً على التراب لتاخذ منه حفنة من اثره..

منذ زمن وجاب الله يحلم ان يترك قريته كرش الفيل فهل يتحقق حلمه؟ لنرى الان كيف غامر هذا الشاب وذهب ليجرب حظه في غير ما قريته كغيره من ابناء جيله في كرش الفيل والقرى الاخرى في الجزيرة، فالحياة هناك ماعادت كما كانت في سابق الايام والعمر يتقدم وهو ما زال عازباً بعد لم يتزوج، رغم انه ساعد في تزويج أخواته وكذلك أخيه الذي يصغره ثم ان العائد من الحواشة قليل ولا يكفي حتى لمعيشة والديه وأخويه اضافة لاخواته بخيته ونعمة اللتان يعيشان مع أسرتيهما في بيت والدهن..

شخصية جاب الله تدعو للعجب، فبرغم ذكائه الفطري لكن لم يساعده الحظ في تلقى اى نوع من التعليم فقد حرمه والده من المدرسة بحجة غريبة انها بِتخسّر الاولاد..لكنه كان يتمتع بميزات فريدة فهو فطن وسريع التصرف ويحفظ عن طريق التلقين اي نوع من الكلمات والتعابير من مجالسته لبعض المتعلمين من أبناء قريته، الذين كانوا يتوافدون اليها خاصة في ايام الخميس من كل اسبوع، وفِي المناسبات الكبيرة في الأعياد ومن هولاء من درس بالجامعة وكثيرون منهم اكتفوا بالمرحلة الوسطى والثانوية..
ولا يحلو خميس هؤلاء الشباب الا بوجود جاب الله بينهم خاصة في دكان بشرى وداللحيمر الذي ينتظر مقدمهم بفارق الصبر، ويعد لهم مجلس الكتشينة ليلعب هو معهم ويترك الدكان لابنه حليم..
وعندما يحمي الوطيس يبدأ الجماعة في الصياح مع الكنكان والترقب بالفوز وتتوقف حدة اللعب مع اذان المغرب لتعاود المجموعة المعركة الورقية ويظهر ان الجميع يتفادون لعب جاب الله لحرفنته وحظوظه، ومن كثرة إدمانه على اللعب صار يقرأ ماعند منافسه من ورق من غير ان يراه..
تميز اولئك النفرعن بقية اهل القرية ويتسامرون في أمسيات الخميس وكان ..اماجاب الله فقد فاكهة تلك الأمسيات بغفشاته وقد استطاع ان يحفظ من اولئك الشباب الكثير من الكلمات والتعابير بل انه حفظ جميع الأشعار الشعبية التي كانت تتداول بينهم في جلساتهم اضافة الاغاني والدوبيت .. وتعلم منهم الكلمات الفخمة التي يطلقونها وكان بستعملها في كلامه بشكل مضحك، ولجاب الله طموح فوق المعتاد وقد قاده طموحه هذا للدخول في مغامرات لا قبل له بها ولا يصدقها العقل ..

وصل جاب الله الي موقف السجانة وهو في غاية التعب والإرهاق وذلك بعد مشوار شاق استغرق معظم نهار اليوم شق فيها ذلك اللوري السفري الطريق الوعر وهو يئن من الأوحال التي سببها خريف ذلك العام وجعله اكثر وعورة ومشقة..وكان السفر في تلك الازمان عن طريق الكنار وللسفر طقوس عند اهل القرى يعرفونها هم ويمارسونها..

انبهرصاحبنا بزحمة السوق وكثرة الناس والعربات والمحلات حتى كاد ان يضيع في هذا الزحام لولا انه كان برفقة احد بلدياته..سوق او موقف السجانة -كما اشتهر عند الناس- كان المحطة الرئيسيّة للبصات السفرية واللواري الغادية والرائحة من والي معظم مناطق السودان والتي تأتي محملة بالعديد من أصناف التوابل والحبوب والمحاصيل الاخرى، وتعود هذه اللواري وهي محملة بخيرات العاصمة في رحلة العوده اضافة الي انها تمتليء بالبشر من المسافرين الذين يتعلقون بكل جنباتها اما مساعدي السائق فمكانهم التنده..

في اليوم التالي حضراليه قريبه الطيب بمنزل ابن خالته السيد ببري الدرايسة وأخبره بانه قد وجد له وظيفة مساعد جرسون بمطعم الإنطلاقة بالسوق العربي ويعد ذاك المطعم واحداً من أشهر مطاعم السوق العربي وكان ملتقىً لبعض سكان حي المراسلات بالخرطوم وسط وقد اشتهر هذا المطعم ايضا بتقديم وجبات خاصة لبعض فنيّ وطلاب معمل ستاك وقد خصص لهم مكاناً خاصاً يجلسون فيه لتناول وجبة الافطار اليومية وكان من بينهم فنان الخرطوم الاول والذي كان يسكن حي المراسلات..
-هي لكن يا الطيب جرسون دي ماصعبة وانا كلام الخرطوم لا بقدر عليه ولا شي..
-بكره تتعلم بالممارسة يا قريبي والشغل عزوة ليك..
وافق جاب الله وذهب للمطعم وبدأ اول مابدأ عمله بغسيل الأواني ثم تدرج الي الي مساعد طباخ حيث عليه عملية تقطيع الخضروات وتجهيز الوقود للطبخ، وطبيعة عمله فرضت عليه ان يسكن بنفس المطعم في مكان خصص له وكان لهذا المطعم عدد كبير من العمال من مناطق شتى وتصادق معهم وأحبوه لطيبة نفسه اما المطعم فقد كان من أشهر مطاعم السوق العربي وله سمعة طيبة هناك..
فإذا كان يوم يفاجأ بأحمد ود الجٓرْجٓرو وهو يحادث صاحب المطعم الذي ناداه ويسأله ان يعرف احمد فأكد له معرفته به..اصاب جاب الله نوع من الهم الشديد فأحمد غريمه وألد اعدائه في القرية خاصة وجاب الله نافسه في بنت خالته علوية وخطف قلبها ولكنه أبدى حماسه لابن بلده وعرفه على بقية الزملاء
وبينه وبين نفسه توجس خيفةً منه وهو لايدري المسكين ما تخبأه له الاقدار ولكنه يعرف ان احمد يدفن له حقداً بسبب الغيرة..
-ياربي يكون اقتنع برفض علوية له وفِي تحد واضح منها.. لكن ليه قرر قرر العمل معي وانا غريمه..الله يكضب الشينه وننوي الخير..
هكذا خاطب جاب الله نفسه، ولطيبة في نفسه تناسى هذا الموضوع ولكنه بالتأكيد لن ينسى علوية ولن يتنازل عن حبه القديم خاصة وان احمد تظاهر له بانه لاينوي الشر…واصل في عزيمة واصرار على تعلم اسرار المطاعم لشئ في نفسه.. بعد فترة وجيزة قرر مالك المطعم ان يتحول جاب الله الي وظيفة جرسون ووصى الشباب ان يعلموه اسرار المهنة ومنها طبعا كيفية ان ينادي على الزبائن وساعده على ذلك صوته العالي في التغني بمناداة الزبائن بانواع الماكولات وفن التعامل وكان ذلك هو سبب اخر لاحمد ان يمتلأ حقداً عليه ويجن جنونه بالانتقام..
نجح صاحبنا جاب الله وبدأ يتقرب من تلك المجموعة الراتبه من فنيّ إستاك والذين أحبوه لتفانيه خاصة ذلك الفنان الشهير والذي سعد جاب الله برأيته وخدمته كذلك.. تغيرت احوال جابو وزاد راتبه وكذلك تغيرت احوال أسرته فاشترى والده حمار بكراوي وشيد لهم غرفه كبيره للضيوف وساعد أخواته في ختان انجالهن وزاد في مصاريف البيت..كذلك بدأ يتعلم سلوك اهل الخرطوم فقد تعلم لباس البنطال والذهاب لجنينة النزهة والسينما في يوم راحته اما كرش الفيل فلم يكن يذهب اليها الا في الأعياد وهو محمل بالهدايا والخيرات..
احب جاب الله السينما وأفلامها العربية والتي أدمنها تماماً وكان يستطيع ان يحكي الفيلم بكل تفاصيله..ومن بعض تلك الأفلام وبطلاتها تصور انه سيطبق بعض مشاهدها مع محبوبته علوية..

داوم جاب الله الذهاب الي السينما إليّ ان كان مساء ذلك اليوم الذي كان عائدا فيه لوحده من سينما الخرطوم غرب متاخرا وهو منتشي مع وقائع ذلك الفيلم العربي الرومانسي وكان يسير في طريق جانبي ولكن لم يكد يصل الي مكان المطعم ليفاجأه احدهم لم يتبين ملامحه حيث انه كان ملثماً وينهال عليه طعناً ويهرب في جنح الليل ليترك جابو جثة هامده..وقد كتبت صحف ذلك الوقت عن هذه الجريمة البشعة والتي هزت منطقة السوق العربي باكمله..

عثمان يوسف خليل
يونيو2017

o.yousif@icloud.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً