بحصافة
أحسبُ أنّ الكثيرين يجهلون أنّ في السودان مكتبةٌ وطنيةٌ، مارست نشاطها في رحلتها التأسيسية منذ عام ٢٠٠٥. ومن أهدافها ومقاصدها أن تكون بمثابة مستودع الإنتاج الفكري والثقافي والأدبي والفني والعلمي، المكتوب والمسموع والمرئي للسودان، وهي بمثابة الخزانة لكلِّ ما كتب عن السودان بواسطة السودانيين وغيرهم.
كما تهدف المكتبةُ الوطنية إلى الإسهام الفاعل في توعية الأجيال الناشئة، وترسيخ مداركها، وترقية فهمها، وإلمامها بتراثها الوطني والفني، وفي الوقت ذاته، انفتاحها على مستجدات العصر وأدواته من خلال تعريفهم بالطفرة التكنولوجية التي تنتظم العالم، والمواءمة بين موروثاتهم الفكرية والثقافية، وبين مستجدات العصر في المجالات كافة.
ولقد تعرفتُ على المكتبةِ الوطنيةِ السودانيةِ وأهدافِها ومقاصدها لأول مرة، قبل أكثر من عام، عندما كنت أُقيم في بريطانيا، إذ زارنا الأخ الصديق نور الدين ساتي في لندن، وحدّثنا في جمعٍ من الأصدقاء عن المكتبة الوطنية السودانية ومشروعات تطويرها، لتكون على مستوىً راقٍ، مبنىً ومعنىً. وبدعوة كريمة من الأخ الدكتور نور الدين ساتي مدير المكتبة الوطنية، شاركت في فعاليات ندوة عن ثقافة الحوار أمس (الاثنين) نظمتها المكتبة الوطنية في تفاعلها مع الأحداث الآنية، التي تشغل هذه الأيام السودانيين داخل السودان وخارج، ومن أهمها، دعوة الأخ الرئيس عمر البشير في خطابه الرئاسي يوم الاثنين 27 يناير 2014، إلى الأحزاب والقوى السياسية، حكومةً ومعارضة، للحوار الوطني بمرتكزاته الأربعة.
وأحسبُ أنّ اختيار القائمين على أمر المكتبة الوطنية لهذه الندوة، يجيء ضمن وعيهم بأن للمكتبات دورٌ مهمٌ يتعدى الفهم التقليدي لدورها المعروف، بحسبانها خزانة للكتب والمطبوعات؛ لأنها في عالمِ اليوم، أصبحت تلعبُ دوراً مهماً، غير تقليديٍّ في توفير فضاءاتٍ فكريةٍ وثقافيةٍ، تنداحُ عبرها الحوارات والمعارف والخبرات، بالإضافة إلى بلورة موجهات تساعد بقدرٍ معلومٍ، وحظٍّ مفهومٍ، في تشكيل الرأيّ العام تجاه القضايا الوطنية الكبرى.
وفي رأيي الخاص، أنّ المكتبة الوطنية السودانية تبذلُ جهداً مقدراً، على الرُّغم من قلة الإمكانات المادية والكوادر البشرية المؤهلة، وذلك من خلال التفكير غير التقليديّ لمهام المكتبة الوطنية، والاجتهاد في الاحتذاء بأحدث أنماط المكتبات التي توصل إليها العالم من حولنا، مثل مكتبة الكونغرس الأميركي، ومكتبة كيو غاردن اللندنية، ومكتبة الإسكندرية وغيرها من المكتبات التي لم تعد تحصر دورها في كونها مجرد خزائن للكتب والمطبوعات، بل أصبحت مؤسسات متعددة الأغراض، وملتقى حوارات تشكل بوتقة لصناعة الرأي العام تجاه قضايا مجتمعية بعينها.
وأكبرُ الظنّ عندي، أن اختيار القائمين على أمر المكتبة الوطنية لموضوع ثقافة الحوار، يأتي كاستجابة فاعلة للحديث الذي يسري بين السودانيين هذه الأيام حول الحوار الوطني، ومدى نجاعته في معالجة قضايا الوضع الرأهن المأزوم. وتنتظم هذه الندوة في إطار رفع مستوى الوعي بضرورات الحوار الوطني، ونشر ثقافة الحوار قدر الإمكان.
أخلصُ إلى أنّه من الضّروري أن نشيع ثقافة الحوار، باعتبار أن الحوار والمحاورة من المداخل الرئيسية للوصول إلى مقاربةٍ حول كثيرٍ من القضايا المختلف عليها، لذلك ينبغي علينا أن ندرك أهمية اختلاف الرأي الذي يجب ألا يفسد للود قضية، لأنّ الحوار أساسه التفاهم والاحترام المتبادل لوجهات النظر. ومن ضروراته أيضاً احترام الرأي والرأي الآخر.
وأحسبُ أنه من الضروري جداً أن تنداح دوائر الحوار في مؤسساتنا كافة؛ لإحداث مقاربات تمهد لتوافق وطني حول كثيرٍ من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتكون من مآلات هذا الحوار الوطني معالجة قضايا البلاد والعباد.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”.
وقول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبيء:
عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ
وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم