بقلم: لوال كوال لوال
الحظ العاثر وحده لا يفسّر مأساة الملايين من أبناء الشعب الجنوب سوداني الذين وُلدوا بلا أفق، ولا يلوح في حياتهم بصيص أمل في شروق شمس الاستقرار الحقيقي. فحين انحرف القادة عن المسار الصحيح، وسلكوا طريق الهاوية، أصبحت الحياة نفسها معركة مفتوحة: من لم تقتله نيران القبلية والجهوية، ابتلعته مياه النيل غرقًا، أو أنهكه الجوع، أو افترسته وحوش البر في الأدغال. هذه المآلات ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لغياب رؤية وطنية ثاقبة، قادرة على ترميم ما دمرته الحرب، وإعادة لُحمة النسيج الاجتماعي إلى مسارها الطبيعي. فالدولة، في جوهرها، ليست مجرد شعار يُرفع، بل هي مفهوم قانوني وسياسي متكامل، يقوم على مجموعة من السكان المستقرين في إقليم محدد، تُديره سلطة سياسية فعالة، عبر مؤسسات قادرة على حفظ الأمن، وفرض النظام، وتوفير الحد الأدنى من الرفاه والكرامة الإنسانية. وهي أيضًا تجسيد لعلاقات القوة داخل المجتمع، وتعبير عن كيفية إدارتها وتوجيهها. غير أن واقع جنوب السودان يكشف عن هشاشة هذا المفهوم، في ظل صراعات إقليمية ودولية محتدمة حول المصالح والموارد، خاصة النفط والمعادن. فموقع البلاد الاستراتيجي جعلها نقطة تقاطع لمصالح متعددة، ومع غياب سياسة خارجية واضحة ورؤية استراتيجية مدروسة، ظلت الدولة عرضة للاستغلال، أشبه بلقمة سائغة في أيدي اللاعبين الإقليميين والدوليين، بينما يتوارى بعض الفاعلين المحليين خلف ستار القبلية والجهوية لخدمة أجنداتهم الضيقة. لقد خاض الشعب الجنوب سوداني نضالًا طويلًا، تُوّج بإعلان الاستقلال في عام 2011م، بعد عقود من التضحيات. غير أن التجربة السياسية، خاصة منذ 2005م، شابها إخفاق واضح، نتيجة غياب مشروع وطني جامع، وهيمنة الارتجال داخل الحزب الحاكم. فبدل أن تُدار الدولة بعقلية مؤسساتية، أُديرت بمنطق المقامرة: يربح القادة، ويخسر الشعب. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: دولة لا تضع مواطنيها في صدارة أولوياتها، بل تتعامل مع حياتهم كأمر ثانوي، وكأن الموت—بكل صوره—قدر لا يستدعي المساءلة، سواء جاء برصاص متعمد، أو بإهمال أدى إلى الجوع والمرض. لقد تم إهمال ركائز أساسية في بناء الدولة، من أهمها: 1. قواعد تنظيم السلوك: وهي الأساس الذي تنتظم به حياة الأفراد داخل أي مجتمع، حيث تحدد الأعراف والقوانين ما يجب وما لا يجب، وتوجه السلوك نحو الصالح العام. 2. السيادة: وتعني امتلاك الدولة السلطة العليا داخل حدودها، بما في ذلك احتكار استخدام القوة، مع كون الشعب—في النظم الديمقراطية—مصدر هذه السلطة. 3. الشرعية: وهي قبول الشعب بحق الحكومة في الحكم، استنادًا إلى انتخابات حرة ونزيهة، وتداول سلمي للسلطة. 4. الاختصاص القضائي: أي سلطة إصدار الأحكام وتنفيذها وفق القوانين التي يقرها ممثلو الشعب. 5. تنفيذ القانون: عبر مؤسسات راسخة، كالقضاء والشرطة والجيش، لضمان سيادة القانون وحماية الحقوق. غير أن هذه الركائز تكاد تكون غائبة أو مشوهة في الواقع. فسيادة الدولة منتهكة، والدليل على ذلك الانتهاكات المتكررة للأجواء، دون رد حاسم أو موقف موحد. أما الخطاب الرسمي، فيتراوح بين بيانات إدانة إنشائية، وتضارب واضح بين مؤسسات الدولة نفسها؛ حيث تتحدث جهة عن اعتداءات ودعم لمتمردين، بينما تنفي أخرى علمها بذلك. هذا التناقض ليس مجرد خلل إداري، بل هو انعكاس عميق لأزمة دولة لم تكتمل ملامحها بعد، تسير—للأسف—في أتون فشل يبدو وكأنه بلا نهاية. نواصل
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم