تأمُلات
كمال الهِدَي
هي ليست واحدة، بل كثيرات من يُسِئن إلى مهنة الإعلام، وينظرن إليها بوصفها مجرد وسيلة للتكسب.
أما فكرة أن يكون الإعلامي إنساناً صاحب مبدأ ورسالة نبيلة، فهي فكرة لا تخطر على بال أي واحدة ممن أعني.
فتراهن ينوحن في اتجاه اليوم، ثم لا يلبسن أن ينوحن في اتجاهٍ آخر غداً، تبعاً لتقلبات المصلحة، لا لثبات المبدأ.
ويحرصن على التحريض اليومي علي القتل والدمار، لا بدافع الوطنية، كما يزعمن، بل لأنهن وجدن في ذلك باباً للمكاسب المادية والمنافع الشخصية. والمؤسف أن أكاذيبهن المكشوفة تجد من السذج من يصدقها ويؤمن بها. فالواحدة منهن لا تتردد في تحريض أبناء الآخرين على حمل السلاح والانخراط في أتون القتال، بينما تعيش هي وأفراد أسرتها بعيداً عن ساحات المواجهة، بمنأى عن أهوال الحرب ومعاناة انعدام الخدمات الأساسية.
لكن الذين أُغلِقت بصائرهم لا يسألون سؤالاً بديهياً: أين أبناؤكن؟ ولماذا لا يحملون بنادقهم ويقاتلون إلى جانب أبناء غيرهم؟
فالوطنية ليست شعاراً يُردد، ولا كلمات تتسع لها الحناجر، بل موقف يُمارس وتضحية تُجسد. وهي فعلٌ يسبق القول، وسلوك يسبق الإدعاء. لم نسمع لهن صوتاً طوال سنوات القمع، ولا حين قُتل الشفع اليفع الأنقياء، وأُلقي ببعضهم أحياءً في النيل، ولا عندما كان الدعم السريع شريكاً أصيلاً في حرق قرىً بأكملها. ومع ذلك، ومنذ اندلاع هذه الحرب اللعينة، ما فتئن يتبجحن بحديثٍ مبتذل عن الوطنية وحرصٍ زائف على كرامة السودانيين، تلك الكرامة التي لم تُهدر إلا بسبب وجود مثل هذه الأصوات المبحوحة.
ما أكثر النائحات النبّاحات خلال هذه الحرب، كما ذكرت. لكنني ألاحظ أن إحداهن باتت تمتلك جرأة غير معهودة على النواح، حتى إنها لم تعد تُبقي لصغيرٍ ولا كبيرٍ قدراً من الاحترام. فالسودانيين جميعاً، في نظرها، عملاء وخونة، لا يستحقون الحديث أو التعبير عن آرائهم، أو الدعوة إلى السلام.
حتى الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي كانت تغدق عليه عبارات المديح حتى وقت قريب، لم يعد يحظى بأي قدرٍ من الاحترام في نظرها. ويبدو جلياً أنها لا تتحدث من موقعٍ مستقل، بل تؤدي دوراً مرسوماً يخدم أجندة فئة بعينها. غير أن الأكثر غرابة أن جميع القادة العسكريين يواصلون تجاهل هذا السيل من التصريحات والاتهامات التي أكثرت منها في الآونة الأخيرة، وكأن ما تقوله لا يستحق رداً أو مساءلة.
إن أخطر ما في هذه الأصوات ليس صخبها، بل قدرتها على دفع الآخرين إلى الحرب بينما تبقى هي بعيدة عن تبعاتها. ولعل هذه الحالة ليست استثناءً، بل تمثل نموذجاً لظاهرة أوسع في الإعلام السوداني.
لا أفهم موالاة بعض الإعلاميين المستمرة لكل الأنظمة الدكتاتورية، ولا بغضهم العميق لكل ما هو مدني. ورغم اقتناعي شخصياً بقصور كثير من النخب المدنية، فإنني لا أجد تفسيراً لهذا الموقف إلا في كون هذه الفئة من الإعلاميين مجرد أرزقية يجدون ضالتهم في الأنظمة الدكتاتورية؛ ربما لضعف ثقتهم بقدراتهم على العمل والتأثير في ظل حُكم مدني ذي طيف واسع، يصعب معه العثور على جهة واحدة تفتح لهم أبواب الثراء والنفوذ.
ويشبه ذلك موقف بعض الإعلاميين الرياضيين الذين يفضلون هيمنة الأثرياء على الأندية، لأنهم لا يرغبون في انتقال القرار إلى جماهير الأعضاء.
