الناطق للشيوعي يفتح باب الصراحة والوضوح في تجربة الصعود إلي الأسفل (2-4)

 


 

 

كانت هناك فرصة كبيرة للحزب الشيوعي السوداني أن يقود البلاد عبر الحوار التوافقي، يحقق بها الرغبة الجماهيرية في عملية التحول الديمقراطي،. أن تاريخ الحزب الشيوعي و دوره النضالي منذ تأسيسه 1946م أكسبه خبرة جيدة في إدارة الأزمات، مما يجعله مقدما على الأخرين، خاصة أن الأحزاب التي تأسست قبل الاستقلال ( التقليدية أو الطائفية) تعاني من إشكاليات غيابها وسط الأجيال الجديدة. و جاء رحيل السيد الصادق المهدي و أثر سلبا على دور حزبه كقوى جامعة قادرة على إدارة الحوار بأفق واسع. و دور الصادق المحب للفكر كان يساعده على أنجاز مقاصده. خاصة أن عملية التغيير في المجتمع تعتمد اعتمادا كبيرا على العناصر التي تشتغل بالفكر، و السيد الصادق كان رجلا مبادرا و مشغولا بالقضايا الفكرية التي تجعله غزيرا في إنتاجه المعرفي. و لكن ابتعاد عدد من القيادات التاريخية في حزب الأمة أحدث فراغا كبيرا في العملية السياسية، و في الجانب الأخر للمشهد نجد أن السيد محمد عثمان الميرغني الذي خرج من البلاد أثناء انتفاضة ديسمبر 2013م فضل الإقامة خارج حدود البلاد، و أن لا يشغل نفسه كثيرا بالصراعات و التحولات السياسية الجارية في البلاد، إضافة إلي أن الحزب الاتحادي أصبحت له فروع عديدة لتعدد الزعماء. ثم كلف الميرغني ولديه اللذان أختلفا في إدارة الحزب بالصورة المطلوبة.
كانت قيادات الحزب الشيوعي تعلم أن القيادات التي قدمتها الأحزاب السياسية الأخرى أغلبيتهم من الناشطين السياسيين الذين تنقصهم الخبرة المطلوبة لعملية التحول الديمقراطي، و كان ظاهرا لكل مراقب أن هؤلاء القيادات جذبتهم رغائب السلطة و البحث عن الوظائف دون الالتفات لمسألة تكوين المؤسسات التي تدعم مسار العمل الديمقراطي ( المجلس التشريعي – المؤسسة العدلية) أن الأضلاع الدستورية الثلاث التي يشيد عليها النظام الديمقراطي غاب عنها ضلعان، و أصبح هناك ضلعا واحدا فقط ( السلطة التنفيذية) أن غياب التشريعي و القضاء جعل السلطة التنفيذية بعيدة عن المراقبة و المحاسبة تكوينها. هذا الغياب جعل السلطة التنفيذية ( مجلس الوزراء) تستلم مالا سائبا ليس خاضعا للرقابة، كان دعما مقدما من الاتحاد الأوروبي لرئاسة الوزراء، أصبح هناك في جهاز الدولة من يقبض بالعملة الصعبة، الأمر الذي جعل مجلس الوزراء بؤرة لاستقطاب عناصر همها الحصول على (الدفع المميز) و بدأت أعمال ورش يتم لها أختيار عناصر دون أي معايير واضحة، جاء العديد من المهاجرين يديرون العملية التنفيذية و السياسية، و لم تلتفت أي قوى سياسية للشباب الذين كانوا يقدمون تضحيات من أجل الديمقراطية، رفض قيادات الحرية و التغيير بما فيهم قيادات تمثل الحزب الشيوعي التعجيل بتكوين هذه المؤسسات. و استبدلت ذلك بالاجتماع المشترك لمجلس الوزراء مع مجلس السيادة، لأنهم جميعا فضلوا الابتعاد عن أي مؤسسة دستورية تراقبهم و تحاسبهم. كل ذلك و العسكر كانوا يراقبون تهافت التهافت على السلطة و المال القادم من الاتحادي الأوروبي، و اندفاع نخب تبحث لها عن دعم لتأسيس صحف و مراكز متعددة الأغراض، و لا ننسى قولت محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع " أن بعض القيادات طالبت أن تستمر الفترة الانتقالية عشر سنوات" كان المتوقع أن الحزب الشيوعي أن يظل داخل قوى الحرية و التغيير لكي يصلح ما أفسدته الممارسة ذات المصالح الحزبية. لكن الحزب فضل الخروج من الملعب و الإكتفاء فقط بإصدار بيانات تدين و تستنكر من البعد، و رغم قدرته على تحريك الشارع لكنه عجز أن يستفيد من هذا الخروج كأداة ضغط لأحداث تغيير لمصلحة الديمقراطية. الأمر الذي يؤكد أن القيادة التاريخية للشيوعي عاجزة أن تمسك بخيوط العملية السياسية و توجهها في الاتجاه المطلوب. و هذا يرجع لفشلها أن تقدم مبادرة سياسية تجعلها محمور الحوار الذي يقود لتوافق وطني. القيادة الشيوعية تتطرف و ترفض التسوية السياسية لكي تكتف عضوية الحزب و لا تجعلها تفكر خارج الصندوق. فالحزب الشيوعي في حاجة لعقول جديدة و فكر جديد يجعله جسرا للتعامل مع الأجيال الجديدة و يقودها إلي عملية التغيير بأفق التسوية و ليس الثورة، لآن أي تحول ديمقراطي في أي مجتمع يؤسس على التسوية و التوافق.
يقول الأستاذ فتحي فضل الذي يصف الحالة كما ذكرت دون أن يغوص فيها لكي يفضحها و يعري المساهمين فيها. يقول " المجتمع الدولي يحاول فرض تسوية سياسية فهو يستهدف أن تمضي في اتجاه الاستقرار و الأمن بمفهومه و بما يحافظ مصالحه و بالتالي فإن المجتمع الدولي لن يتنازل عن وجود العسكر من السلطة، و هو يرى في العسكر ضمانة لأمن و استقرار السودان، و يثق في اللجنة الأمنية لنظام البشير و الجنجويد، و يأتي تدخله عبر سفاراته أو مبعوثه أو وزراء خارجية بلدانهم" الغائب عن الأستاذ فتحي فضل الثقافة الديمقراطية. أن ثقافة هؤلاء تحتم عليهم كسب أي قوى إذا كانت عسكرية أو مدنية أو حتى جهوية و جعلها مؤيدة و داعمة لعملية التحول الديمقراطي، و هؤلاء يعلمون أن المؤسسة العسكرية هي التي تمثل رمانة الميزانية، و إبعادها في هذا الوقت ليس من المصلحة، و الأفضل أن تكسبها لمشروع التحول من أن تكون ضده. و أي تحول ديمقراطي في أي مجتمع في العالم يتم من خلال التسوية و ليس الصراع الذي تتبناه الفلسفة الماركسية.
السؤال الذي يوجه للقيادة الاستالينية: هل المجتمع الدولي يستطيع التدخل في دول دون أن تكون هناك فئة داعمة لهذا التدخل؟
في أول حديث للأستاذ محمد مختار الخطيب في ندوة ميدان المدرسة الأهلية، أثناء الصراع الحاد بين المكون العسكري و الحرية و التغيير بعد فض الاعتصام، قال الخطيب " أن هناك دولة قدمت دعوات لبعض القيادات السياسية" و أنها تحاول التدخل في الشأن السياسي للبلاد. ثم تحدث عن اللقاءات التي كانت تتم سرا بين قيادات في الحرية و العسكر عبر وساطات داخلية من رجال الأعمال و خارجية قبل توقيع الوثيقة الدستورية. لكن الحزب الشيوعي كتفى فقط بالإشارة دون سبر غور المشكل، بل دعا بعض قيادات الأحزاب أن توقع مع الحزب الشيوعي اتفاقا يهدف للدفاع عن خط الثورة" اعتقادا منه أن الذين سوف يوقعون لن ينجروا وراء المغريات الخارجية، حديث الخطيب لم يتكرر بعد ما بدأت وسائل الاتصال تتحدث عن دعم مالي كبير قدم من قبل الغرب لإحدى الوزارات، و حتى الآن غير معروف للناس إذا كان هذا الدعم صحيحا أو هو مجرد شائعات للتلاسن فقط.
أن الخلاف داخل الحرية و التغيير و خروج الحزب الشيوعي عن التحالف يوضح أن القيادة الاستالينية أختارت الخيار السهل، هو الانسحاب من ساحة الصراع لكي تبريء نفسها من الإخفاقات الواقعة، و الخلافات بين المكونات جميعها. الأمر الذي يبين بشكل واضح أن القيادة الاستالينية لا تملك أي فكر يؤهلها أن تحدث أختراقا في الأزمة السياسية. إذا أجرينا مقارنة بسيطة بين قيادة الحزب الشيوعي اليوم و بين القيادة عام 1965م عندما تم حل الحزب الشيوعي و طرد نوابه من البرلمان، لم تنسحب القيادة في تلك الفترة من الساحة السياسية، و تجلس بعيدا تتفرج بل استغلت جريدتي الأيام و أخبار الإسبوع في سجال فكري بين عمر مصطفي المكي رئيس تحرير جريدة ( الشيوعي) الجريدة الداخلية للحزب و عبد الخالق محجوب السكرتير العام للحزب الشيوعي، و دخل في الحوار أحمد سليمان و تناول العديد من القضايا الهدف من هذا السجال الفكري البحث عن حلول للمشكل وسط الجماهير و الطبقة الوسطى التي كانت ذات تأثيرا كبيرا في عملية الاستنارة. و طرح حتى قضية الانقلابات و دور العسكر في عمليات التغيير السياسي في مجتمعات مغلقة تمثل الأمية فيها أكثر من 80%. هذا الحوار استمر حتى عام 1966م عندما أجازت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي لحل الحزب و دمج الشيوعيين مع الديمقراطيين الثوريين و عندما سافر عبد الخالق محجوب للاتحاد السوفيتي نصحه السوفيت بعدم حل الحزب الأمر الذي أدى للتراجع عن حل الحزب. نسوق هذه الواقعة التاريخية أن القيادة في الأزمات المستعصية لا تقف مكتوفة اليدين، أو تجعل لها شعارا و تجلس تحت ظله تراقب الأوضاع، بل تفتح عشرات المنافذ للحوار السياسي و المجتمعي لكي تصل لأرضية يمكن التلتقي بها مع الأخرين.
أن حالات الوصف للواقع السياسي السوداني لا يقود لحل أو أختراق للأزمة، و الأدوات التاريخية التي كانت تستخدم زمن الحرب الباردة لا تجدي نفعا الآن، و المجتمع الدولي إذا أردنا أو لم نرد سوف يتدخل من أجل مصالحه. و الأفضل أن نتعامل مع القضية بأفق وطني و من أجل مصلحة الشعب، و سياسة رشيدة بعيدة عن المزايدات. نواصل

zainsalih@hotmail.com

 

آراء