النوارِس الذهبيَّة- مقتطف من كتابي ريحَة الموج والنَّوارس- عن دار عزة
28 فبراير, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
ـــــــــــــــــــــ
– فى عُيُونِك، ضَجَّة الشُّوُق
نشتهيك،
يا ما نحلم نحكي ليك، عن المسافة…
وعن سُفُن، بالشوق بترسُم فى بُحيراتك، ضِفَافَا…
عن ملامِح غُنوَة طلَّت، فى عِوِيناتِك هُتافا…
عن حقيقة نهاتي بيها، فى أساطير الخُرافة
فى عُيُونِك،
ضَجَّة الشُّوُق…
يا صباحات المواني،
حتى لو دربك ترنَّح، فى مشاوير الأغاني
والجرِح إرتدَّ بينا، لي زمان الآهة، تاني!
يانا لا بنتحاشى صدِّك،
لا بتموت فينا الأغاني،
في عُيُونِك!
لقد خبرت غابتنا النوارس في ملماتٍ، وشدائدٍ، وظروفٍ قاسيةٍ، كثيرة، وقد كان ديدنُها في تلك الحوالك هو الصُمُود، وأبدت القدرة على العملِ الشاق، والدؤوب، ولكنها، وبرغم إحتمالها قُسوَة الظرُوفِ، وجلافتها، فإنها لم تكن تستطيع أن تُنتِج في تلك البيئة من القُبحِ، والتَّردِي، ولا تقدِرُ على الزقزقةِ، وسطَ نعيقِ البُومِ، والغُربان، وتعففت من التكالبِ على صيد وأكل الأسماك النهريّة الصغيرة، رغم إن تلك الأسماك، بالذات، هي غذائها الرئيسي، والمفضَّل.
والحال كهذا، فأنه كان من الواضح إن النوارسَ تواجهُ عنتاً، ومشقةً في العيش في ظلالِ ما يجري في عهد اللبوة، وتستقبحه، وتنفر منه، ولا تستطيع تصديق هول ما حاق بغابة السعد.
وابتأست، لأنها لا تطيقُ رائحةَ التماسيح، ولأنها تعجزُ عن إحتمال اتساخ شواطيء النهر بأوساخِ، وفضلات العرين، ولأنها لا تحتمل أن تري الغابة في جدبٍ، وحيواناتها في مسغبةٍ، وإدقاع.
وهكذا، فقد بدأت هجراتُ النوارس فُرادى، وفي أسراب، فور استلام الأسد بن الأجرب للسلطة، وولوجه العرين… ولجأت للغابات المجاورة، والبعيدة الإقليميّة، والعالميّة.
والحال كذلك، فقد باتت عودتها، حتى القسريَّة منها، في الأعياد، وفي الظروف الحياتيّة الأخرى التي تجمع من أفراحٍ، وأتراح، باتت تلك العودة صعبة، لإستهداف أيادي العرين الباطشة، لأسرابها، هي، بالذات، لأنها كانت دالةٌ على الخير ، ورمزٌ من رموز جمال، وأبهة غابة السعد الآفلة، لا يحتملها العرين.
وتعرضت الأسرابُ التي تلكأت في الهجرة، أو التخفِّي إلى المطاردة من مياه النهر حيث الغذاء، وللتشريد من الشواطيء حيثُ العمل، والإعتقال في أقفاص العرين، والتعذيب بنتف الريش، وقصقصة المناقير ، ونزع الأظافر.
ثم الشواء، لتقديمها طعاماً ومزةً في موائدِ اللَّبوات الناضحة.
وكانت الهجرة هي الخيار المتبقي لمن لا يستطع إحتمالاً لهول ما يجري، وكان الصمودُ لمن كانوا على قدرٍ عالٍ من القدرة على التضحيّة، والإستعداد للمواجهة، وكان الروّاد في جبهة الصود والمواجهة، هُمْ:
– (النَّوَارِس الذَّهَبِيَّة!).
إن الإقصاء، والحرابة في حقِّ الحياة، والقوت، للطيور المزقزقة، والصادحة ومحاربة ذوات الريش الزاهي، والطيور الراقصة، بدعوى إحياءِ تُراثْ الأسلاف، كان مدخلاً لنهب حق الوجود لتك الطيور التى لا تستطيع إلا أن تتنفس الحرية.
وكان الحديثُ عن الأسلاف، إنما يعني: (أسلاف الأسود الهازلة، واللبؤات، وفصائل الكلاب اللاهثة، حول العرين)، وهو حديثٌ، وقواعدٌ، وأطرٌ كانت إنتقائية، لأن الأسد بن الأجرب نفسه يغني، ويرقص:
– نعم نشاز!
ولكنه كانَ يفعل.
وتتباهي إناثُ العرين بارتداءِ المزركشِ من الصُّوف، والشعر، وريش النعام المُلَّون،
بأذواقٍ ذات لمحاتٍ من ذوق الضباع:
– نعم!
ولكنها كانت (زينة)، في نهايةِ الأمر.
وبدعاوى مُشابهة، فقد لوحقت لهجاتِ، وألسنة الحيوانات، بواسطة أبواق العرين من بومٍ، وغربان، لتحاكي، كلها، إما الزئير، أو النُباح، أو النعيق، فقط، دون السماح لتنوع الأصوات، الذي أوجده الله، بالتموسق، والتجلِّي اللحني، ليعمُر وجدانياتِ سُكَّان الغابة، ويُعبِّر عن وعيهم، وثقافاتهم، وحوجاتهم، وليكون وسيطاً طبيعياً لتأدية الطقوس الحياتيّة، والروحية لسكان الغابة السعيدة، التي بُليت بقومٍ نحسٍ، فنَحَسُوها!
لقد أنشأت وزارةُ ري العرين سداً للإفادة منه، في الحقيقة، في توطين التماسيح في بحيرة ذلك السد الصناعية، بعدَ إفلاتِ بُحيرة الجواميس العظيمة، منبع نهر الخرتيت، من سيطرتها، وبالنتيجة، فقد تمَّ تهجيرُ الفصائل صاحبة الأرض من ورث الجدود، تلك الأرض التي أغرقتها مياهُ السد العشوائى، وكان أهم تلك الفصائل هي فصيلتي الطواويس، وأبومركوب.
ورُحِلت، قسرياً، إلى سهل البطانة…
ولكنها لم تقبل التهجير، وقاومت صلف العرين (وكلبه الأبتر) المسئول من انشاء السد، وصناعة الكارثة، ولكن الفصائل المهجرة، وبعد أن أغرقت مياهُ البحيرة الأراضي، واجهت أمساخَ باطنِ الأرض، من فصائل الأفاعي، والعقارب، والعناكب السامة، وتعرضت أفراخ أبي مركوب، وصيصان الطواويس للدغات العقارب، وعضات الدبايب، ولسعات الهوامل، وكانما لم تكفي تلك من المصائب، فقد صارت البحيرةُ، نفسها، مصيدةً، ومصدراً للخطر على صغار تلك الفصائل، حتى ابتلعت البحيرةُ، ذات صباحٍ مشئوم، أربعةً وعشرين طاووساً يافعاً، دفعةً واحدة، وتنصَّل العرينُ من المسئولية الأخلاقية عنها، وتبعه الكلب الأبتر في النُكرانِ، والمكابرة.
وكانتِ الصِيصَانُ الغارقة، هي كل ما يملك ملك الطيور من نسلٍ، في تلك السنة الحزينة، ولكم تتُوقُ الطواويسُ، وأبومركوب،إلى جية النوارس، لو كُنتُم تعلمُون!
/////////////////////