الهوية السودانية: وموقع الفلاتة – الفلانيين فيها من الإعراب !! (1-3) .. بقلم: د. محمد احمد بدين


د. محمد احمد بدين
E-mail: dr_badein@hotmail.com

ان من ابغض الاشياء الى النفس الخوض في القبلية، والعنصرية، والجهوية… ولعل حديثي في هذا الجانب ياتي من قبل الضرورة التي تبيح المحظورات. وليس تمجيدا وفخراباي شكل من الاشكال، بل احقاقا للحق..فعندما يلحق الظلم، والضيم، والازدراء بفئة من السودانيين يدخل عدادهم في خانة مئات الالاف ان لم تكن الملايين، نتيجة لسؤ فهم واسع الانتشار، وجهل فاضح بالحقائق.. لا لشيء، الا لان حظهم العاثر جعلهم ضحية لذلك… فالسكوت عند ذلك يدخل المرء في زمرة الشيطاين الخرس، الذين يسكتون عن الحق، واعوذ بالله ان نكون من الساكتين.

لا اود هنا أن اخوض في أحقية الفلاتة – الفلانيين في جنسيتهم السودانية من الناحية القانونية , فتلك لها ضوابطها وأحكامها التي تنطبق على الجميع , والتي وفقاً عليها حصل الكثير من أفراد هذه القبيلة على الجنسية السودانية بالميلاد , شأنهم في ذلك شأن غيرهم من بقية القبائل السودانية الأخرى , ولا يزال كثيرون ينالونها كل يوم بعد استيفائهم لهذه الشروط والضوابط ؛ وإن كان البعض منهم يجد عنتاً ومشقة في ذلك نظراً للفهم الخاطئ لتاريخ هذه القبيلة, والخلط بينها وبين قبائل أخرى .

إنما هدفنا هو البحث في هذه الأحقية من الناحية التاريخية , والأدبية , والفهم السوداني العام لهذه المسألة . فعلى الرغم من أنهم سودانيو الجنسية , وبالميلاد , إلا أن هناك من يرى أنهم غير سودانيين , وسوف يبقون أجانب سواء نالوا الجنسية أم لم ينالوها!.

وفي إعتقادي أن هذا الفهم العام الخاطئ بني على افتراضات خاطئة, لذا جاءت نتائجها خاطئة كذلك . وأزعم أن هذا الفهم الخاطئ , أو المحاذير بنيت على أحكام مسبقة ومجحفة في نفس الوقت , أهمها :

1- المفهوم العام والسائد في أذهان الناس للفظ (فلاتة) وماشابه من لبس وغموض, وتعميم مخلٍ .

2- الإعتقاد الخاطئ أن هؤلاء القوم هاجروا إلى السودان حديثاً , ولا يزال يفعلون .

3- البعض عندما يسمع كلمة فلاتي يربطها بدول أجنبية , وأول ما يتبادر إلى ذهنه دولة نيجريا , لذا يرى أنه ليس من حق قبيلة أجنبية أن تكون قبيلة سودانية في نفس الوقت. وبعض آخر يرى أن هؤلاء الناس رطَّانه , لا يتحدثون العربية , لذلك يصعب عليهم الإختلاط بالناس , ويشكلون (جيتوهات) وسط المجتمع .

4- وهناك من يرى أن هؤلاء – وإن بقوا في السودان لفترات طويلة – الا ان لا دور لهم في تاريخ السودان إجتماعياً , وثقافياً , وحضارياً ؛ بل يشكلون عبئاً ثقيلاً على المجتمع في كثير من الأحيان .

5- إفرازات الإستعلائية والدونية في أدبيات القبائل السودانية .

6- تجاهل المؤرخين السودانيين لهم ولدورهم عند حديثهم عن القبائل السودانية .

7- إنعدام التوثيق والمسح الإثني لقبائل السودان .

وسنحاول تفنيد هذه الآراء والمفاهيم واحداً تلو الآخر.

1- الفهم الخاطئ للفظ فلاته بالمفهوم السوداني :

وهذا – للأسف – لا ينطبق على فئه غير المتعلمين فقط, بل على جزء كبير من المستنيرين. فمن هؤلاء من قال لي بالحرف الواحد , بعد قراءته للمقالات، التي كنت اكتبها في  صحيفة الخرطوم بعنوان:” الفلاتة وما ادراك ما الفلاتة” في التسعينات:”ياأخى أنت ليه تتعب نفسك في موضوع بالشكل ده. الفلاته ديل غير سودانيين ومتعبننا جداً في الجزيرة “. وللاسف هو يعد نفسه من المستنيرين! . فهذا الأخ معذور في قوله إذ تشابه عليه البقرمن كثرة ما ينسب إلى الفلاته من تحقير وإزدراء .وشأنه في ذلك شأن الكثيرين غيره , ومنهم من قالت لى حرفياً إنني (ورمتها) بكتاباتي عن الفلاتة ! من هنا نرى أن هناك من يرى أن الفلاته لا يستحقون حتى مجرد أن يفكر الإنسان في الكتابة عنهم . وبالتأكيد هذا هو نتاج حتمى لما ترسب في الأذهان من كثرة ما تروى من نكات و (قفشات) وتهكُّم عن هؤلاء الفلاتة – الهلاميين , بدءاً بـ (إندى) وأنتهاءاً بـ (هَجَّة قولي ماشاء الله !!). ومن كثرة ما علق بالإذهان عن شخصية هذا الفلاتيالهلامي، لا يستطيع البعض قط أن يتصور أنه يمكنه أن يتحدث العربية مثله أو أكثر , وأن يطوعها نثراً وشعراً , وقد يرتفع بها إلى أعلى مستوياتها , وانه لافرق بينه وبين بقية السودانيين لغة , ومظهراً , وثقافة وتقاليداً وهو يخالطهم كواحدٍ منهم ويتفاخر ويتعالى هو أيضاً عليهم دون أدنى فرق.

واسمحوا لي ان اضرب مثالا واحدا فقط لاحد شعرائهم من مدينة الابيض، عندما كان الفلاتة الفلانيون مدركين لامجاد اسلافهم وفخورين ومفاخرين بها، قبل ان يجرفهم التعميم الى غياهب الهلامية،  حين عاتب تاجرا من سكان المدينة يبدو انه حسد هذا الشاعر على مكانة اهله ؛ قائلا:

ليت سعدا امامي كنت اساله سؤال رفق بلا زجر او زعل

اتتركون سواقيكم وكثبركم  كذا تمندجكم* بالشطة والبصل

وتطلبون مقاما ليس لكم ولا لابائكم في الشبه والمثل

وانني من “اسو” فلاتة طائفة  الريح مسكنهم غربا من الجبل.”

ومما يزيد الأمر تعقيداً أن الناس بلفظ فلاتة لا يعنون قبيلة واحدة بعينها , بل طبقة من الناس تضم قبائل متعددة . ونتيجة لهذا الفهم الخاطئ , أصبح الكثيرون يجدون صعوبة بالغة في تصديق أن هناك قبيلة سودانية عريقة تسمى فعلاً الفلانيون , أصحاب عطاء : “أثروا من خلاله حضارة أهلنا في تنوع أكسبها الكثير من المعاني الرائعة الجميلة” كما كتب الدكتور الباقر أحمد عبدالله في عموده (أفاق) بجريدة الخرطوم خلال نشر تلك الحلقات. وقد أصبح هذا الفلاتي الهلامي من فرط ما لحق به من تحقير وازدراء, كالجندي المجهول , مجهول الهوية – مع الفارق. فبينما تلقي على هذا أكاليل من الزهور , يلحق بذلك سيل من الشتائم والسباب. وللقبائل أماكنها الخاصة , وتنظيماتها , وأنظمتها , وتاريخها , أما إذا سألت عن هذا الفلاتي الذي يتصورونه، و إلى أي كيان ينتمي , وأين مقره , وأصله , وفصله , فلا تجد جواباً عندهم. فهو بهذا المعنى لا يعيش إلا في مخيلة الناس , عابر سبيل , أشعث أغبر , يرتدي أسمالاً باليه , يحتمي بعشة أو برندة دكان إذا أدركه الليل، ويمضي سحابة يومه جرياً وراء رزقه بأبخس الأثمان وأرخص السبل .

2- الفهم الخاطئ بأن هؤلاء هاجروا إلى السودان حديثاً , ومازال يفعلون :

لقد أوضحت في سلسلة مقالاتني الآنفة الذكر عن الفلاتة – الفلانيين تاريخ هجرتهم إلى السودان , وأن منهم من دخل السودان قبل ما يقارب الألف عام , وأن آخر الهجرات الكبيرة تمت في عام 1903م فحتى هؤلاء لاغبار عليهم , ولا يستثنيهم قانون الجنسية المعدل في عام 1973م والذي يقر :”بأن السوداني قانوناً – هو الذي وصل أسلافه قبل عام 1925م أو ولد بالسودان “. ولقد توقفت هجرة الفلاتة – الفلانيين قبل قرن من الزمان. وهذه الهجرات القادمة من غرب أفريقيا يقوم بها غيرهم. وحتى غيرهم بدأ يقلل كثيراً من هذه الهجرة الاستيطانية في أوائل الستينات عندما بدأ الناس يستخدمون الطائرات كوسيلة للحج , وعندما تحسنت الأوضاع الإقتصادية في كثير من أقطار غرب أفريقيا ولم يعد السودان عامل جذب كما كان الحال في الماضي. نعم هناك قبائل سبقت الفلاتة – الفلانيين في الإستقرار في السودان. لكن بنفس القدر هناك قبائل سودانية أخرى أيضاً سبقها الفلاتة – الفلانيون في الإستقرار في السودان. وما دام السواد الأعظم من السودانيين أحفاد مهاجرين , وإذا كان بعض الأسلاف هاجر من الشرق والشمال , فما المانع في أن ينال نفس الحق من جاء مهاجراً عبر بوابة أخرى هي البوابة الغربية، خاصة وأنه لم يكن هناك حاجب ينظم علمية الدخول ويقف ليقول : “مكانك قف! قد قفل باب الهجرة!”.

ثم حتى لو كان هناك فرق في طول المدة , أو أن فئة سبقت الأخرى , فهذا لا يعني أن الفئة الأولى أكثر سودانية من الفئة الأخرى. لأن الموضوع ليس موضوع أقدمية سكنية بقدر ما هو مبدأ الأحقية التي كانت مشاعة وقتها للجميع دون إستثناء , مع علمي التام بنظرية الدكتور أبو سليم الرافضة لمبدأ الخلو هذا . ثم تأتي أولوية ثمرة هذا البقاء كما يعبر عن ذلك الشاعر السيد محمد أحمد محجوب في مرثيته للإمــــــام عبدالرحمن المهـــــدي رحمهما الله :

       البعض يمضي فتهتز الجبال له         والبعض يبقى فلا يدري به أحد   

وأتذكر هنا قصة وفد من إحدى القبائل العربية زار ملكاً. وعندما أذن لهم الملك بالحديث, بادر أصغرهم سناً بالقول. فقال له الملك : “فلتسكت يا غلام” ودع من هو أكبر منك سناً يتحدث , فما كان من الغلام الفصيح إلا أن قال :”مولاي الملك لو كان الأمر بالسن, لما وصل الأمر إليك. فهناك من هو أكبر منك سناً!!”. ولو كان الأمر عندنا في السودان بالأقدمية , أو بالسن السّكني , لما وصل الأمر إلى كثيرين , وكثيرين جداً!.

وما لنا نذهب بعيداً ننقب عن الماضي ونضرب في الأمثال , وها نحن نرى السيد كارلوس منعم – الذي هاجر أجداده منذ سنوات تُعد بالعشرات وليس بالمئات من سوريا ولبنان إلى الأرجنتين – يعاد إنتخابه , وللمرة الثانية رئيساً للأرجنتين! إذاً لابد أن هناك معايير أخرى تُوخذ في الإعتبار , ولا يكفي المرء أن يعيش فقط على التفاخر بإقدميته السكنية في وطنه. ونحن نرى في أوروبا والدول الراقية كيف يمكن للشخص أن ينال الجنسية ربما بعد بضعة أعوام من دخوله إليها , ثم لا يصبح مواطناً من الدرجة الثانية .
• التمندج هو تجارة القطاعي في المواد الغذائية الجافة

 dr_badein@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً