د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
جاءنا الربيع باسماً يمشي الهوينا وبجماله فرحاً يختالا
فرحت الأشجار، ابتسمت ورقصت أغصانها
فرقصت معها الدنيا فرحا بعيد الدنيا السعيد
رقصت طربا الشعوب ومثلها أسراب الطيور المهاجرة التي عادت وهي تغني تحمل معها أشواقها للربوع والحنين إلى أعشاشها التي تركتها خاوية على قمم أشجار أوطانها . كان كل عش ينتظر عودة ساكنيه. والأجيال الجديدة منها وقد كبرت بدأت (كل ذكر مع أنثى) تبني عشها الجديد كما قال المرحوم الفنان سيد خليفة “قشة قشة، يعلمان الناس سر المحنة” . وكلما أشاهد تلك الأسراب العائدة من الجنوب تنقلني سارحاً برهة من الزمن في صحبة الشاعر صلاح أحمد إبراهيم والفنان الموسيقي المبدع محمد وردي (رحمة الله عليهما) وهما يخاطبان نفس هذه الطيور، يحملانها رسائل الشوق والحنين للوطن السودان، للنيل وللنخيل والشباب والحبيبية . ” بالله يا الطير المهاجر للوطن زمن الخريف….تطير بإسراع ما تضيع زمن. إلى أن يقول: فوت بلاد وسيب بلاد…وإن جيت بلاد….وتلقى فيها النيل بيلمع في الظلام….زي سيف مجوهر بالنجوم من غير نظام…..تنزل هناك وتحيي ياطير باحترام….وتقول سلام. وتعيد سلام…..على نيل بلادنا….وشباب بلادنا…..ونخيل بلادنا سلام”. ويا سلام على توقير الشاعر للوطن بل ومثله كل مواطن صادق في حبه للوطن وللنيل وأشجاره وكل أهله. هذه المشاعر الفياضة من الشاعر صلاح لم تكن خيالا من بحر سراب بل كان مصدرها ينبوع “زمزم” لا ينضب معينه.
اليوم بإكمال شهر أبريل أيامه الثلاثين جرت العادة أن يكون هذا اليوم فرحة كل أهل السويد بقدوم الربيع بوجهه المشرق الصبوح فينزع من اعماق النفوس ثوب كآبة اشهر الشتاء حالكة الظلام والجليد الذي لا ينقطع نزوله من السماء . هكذا يجتمعون بالآلاف عند شواطئ الأنهر والبحيرات العذبة يقيمون إحتفالات المهرجان السنوي بيوم الربيع .يتسابقون على مركبات يصنعونها بأنفسهم بمواد سهلة “فلين وطرور” وكل مركب يحمل لافتة توضح لأي مؤسسة أو كلية ينتمي كل تيم. وفي مدينة أوبسالا الجامعية (أقدم جامعة في سكندنافيا) لهذا اليوم طعم ولون تختص به تلك المدينة الجميلة. فبعد انتهاء عرض سباق المراكب النهرية تنتقل آلاف العائلات والشباب إلى ساحة كارولينا ريديفيفا ( أكبر وأقدم مكتبة في سكندنافيا).وعندما تدق الساعة الثالثة بعد الظهر يرفع مدير جامعة أوبسالا قبعته وحوله الوفد المرافق له وهو يطل من على شرفة المكتبة للجماهير المحتشدة ، تدق الطبول والموسيقى وبالمقابل يرفع آلاف الطلاب قبعاتهم البيضاء التي تخرجوا بها من مدارسهم الثانوية يلوحون بها تحية في بهجة وحبور، وتلقى الكلمات في خطب تلهب المشاعر.
توجد في المدينة الجامعية جمعيات أنشطة طلابية تمثل إتحادات يسمونها ال” NAtions” وبالذات في مثل هذا اليوم يقام في ساحة كل مبنى لتلك الجمعيات إحتفال بالرقص الذي لا ينقطع ويغلب شراب البيرة على غيرها طيلة نهار هذا اليوم. لذلك تمتلئ الساحات بعلب المشروبات الفارغة ويشاهد العاقل الذي يتفرج الكثير من الشباب يترنحون سكارى وعقولهم في حالة غياب مرحلي، وليتهم ما كانوا. وعندما يحل الليل يجتمعون مرة أخرى في الفضاء الخارجي للمدينة ويشعلون النار يغنّون ويرقصون حولها حتى يصبح الصباح وتسكت شهرزاد عن الغناء المباح . هذا الفيلم يتكرر كل سنة. ومن ثم يطل الأول من شهر مايو وهو عطلة رسمية بمناسبة يوم العمال العالمي
عودة من السويد إلى السودان مع رحلة قوافل أسراب طيور صلاح أحمد إبراهيم، والحنين دائماً لهذا الوطن هو شكوى قلوبنا التي أرقت ليالينا. لا أذكر في زمننا الغابر أننا كنا نقيم كطلبة مدارس وجامعات مثل تلك المهرجانات التي نشاهدها في السويد “وفي الخرطوم ثلاثة أنهر عذبة مياهها”. لكن فقط أتذكر الإحتفال بيوم الآباء أيام دراستنا في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية . كان في ذلك اليوم تقام أنشطة طلابية وأهمها الفعاليات الرياضية والترفيهية في المساء على مسرح المدرسة. لكن حالياً الجديد في السودان ظاهرة الإحتفال بيوم التخرج الجامعي (بل حتى في رياض الأطفال) وهذا يحدث في كل الجامعات السودانية. ظاهرة اجتماعية حميدة يجب تشجيعها وتطويرها، وليت الجامعات تعتبر أن يكون طيلة ذلك اليوم حفلاً جماهيرياً يتم الأعلان عنه في الصحف وليت الفنانون والموسيقيون يتبرعون فيشاركون هؤلاء الشباب وذويهم فرحتهم، فهم وشهادات تخرجهم ربيع الوطن والعيد الذي ينتظر قدومه نهاية كل عام دراسي. متى تعود جامعات السودان كما كانت فهي أمل مستقبل وطن باكمله؟. من الذي سيقوم بإعمارها؟ سؤال ينتظر إجابة
الله كريم.
© Alarabi AA
30 – April 2026 Sudanile
aa76@me.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم