زرياب عوض الكريم
معلوم أن القومية العربية خارج الوطن العربي التاريخي (دول الخليج الفارسي) ، في المشرق البيزنطي السرياني تاريخياً ، فضلاً عن القومية العربية في دول شمال إفريقيا (الأمازيغية) وإفريقيا جنوب الصحراء في ( السُودان وموريتانيا).
مُصطلحاً وأطروحة ، هي صناعة كولونيالية إستشراقية خالصة لا تستند إلى حيثيات معرفية وجيهة ، وجدت وولدت في ظروف المُحايثة للدعاية الأوربية المركزية ، المحرضة على تقسيم الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر.
والباحثة عن هوية بديلة للهوية العثمانية الترابطية associative nationalism ، في الوقت الذي سقطت فيه في سياسات المرايا المقعرة (الهوية الإستيعابية) assimilationist.
تجربة القومية العربية في كل الأقطار والمجالات الإقليمية والثقافية التي تسلطت عليها ، كانت تجربة سجن إمبريالي للهُويات المحلية وليست تجربة تحرُرية مطلقاً للناطقين بالعربية (عربي فون).
أما في السُودان الأنغلو مصري وموريتانيا ، فيمكن القول إنها تجربة غير ترابطية مُطلقاً ، سابقة لتجربة الإستعمار الأوربي ، بقرنين إلى ثلاثة قرون (تجربة إستعمارية مُبكرة).
فقد أدت تجربة التعريب التاريخية إلى نتيجة مختلفة ، تتعلق بولادة نظام فصل عنصري (نظام طبقي قائم على أساس ستراتيجية الفصل العنصري أو مجتمع الحرب) separation strategy ، في القرن السادس عشر (تخريب مملكة سوبا النوبية) ، وفي القرن الثامن عشر (حرب شرببة) بين صنهاجة وأولاد حسان.
ومثل هذه التجارب التاريخية (المبكرة) في المغرب, موريتانيا, اليمن, عمان ، إثيوبيا الأمهرية ، تمثل حالة إستعصاء ماقبل حداثي.
وهذا الإستعصاء ماقبل الحداثي ، يشكل تحدي وجودي خطير من الصعب إقتلاعه بسهولة.
التصور الذهني السائد ، هو أن ما يُسمى العالم العربي (هو مجرد مجال إرتباطي لمُستعمرات الفتوحات العربية أو الإسلامية في رواية) في القرن السابع إلى العاشرالميلادي.
ولكن هذه التجربة العسكرية لم يعقبها إستعمار ثقافي ، ولم تؤدي إلى تشكيل مُستعمرات عربية أو إسلامية. بل إثمرت معاهدات غير متكافئة مع السكان الأصليين مثل العهد العمري في المشرق وإتفاق البقط في السُودان وشمال إفريقيا.
القومية العربية في (السُودان النوبي) و(موريتانيا الصنهاجية) هي نتاج لحالة إستعمار ثقافي ، لم تنشأه السُلالات السياسية المتعاقبة والمتناحرة ، بل التفوق العسكري والتكنولوجي والمالي للجماعات الغازية.
وإذا كانت حرب شرببة (1644- 1674) وصفت على نحو جدلي بأنها حرب الثلاثين عاماً الموريتانية ، فإن السُودان الحديث جرى تشكيله من خلال مرحلتين.
هُما حرب المائة عام بين (1505- 1610) التي أدت إلى إبادة سلالة العنج الأكسومية ، وأدت إلى محو الإستقلال الذاتي للسُكان الأصليين لمجال سلطنة سنار شعوب الشمال النوبي والبجاوي ، وإخضاعهم بواسطة مجموعة العبدلاب.
وحرب الخمسين عاماً أو ستين عاماً التي قادها محمد علي باشا وخُلفاؤه من الخديوية الأتراك ، التي أدت إلى محو جميع الإستقلالات الذاتية للممالك والسلطنات الكونفيدرالية للشعوب الأصلية في السُودان.
هذه الحروب الثلاثة يمكن وصفها بأنها الحروب الويستفالية المُضادة counter Westphalian model of state. التي أدت إلى تشكيل السُودان الحديث.
بوصفه (السُودان الحديث) ، مُجرد مجال إصطناعي لتجربة واحدة ، (مُتأخرة) و (متفاوتة زمنياً) بين (1505 – 1820) ، في الشمال النوبي والبجاوي ، الذي أُسمى لاحقاً (سلطنة سنار).
بالتالي هو أسير لتجربة مُؤسسة الجلابة الجدد الإجتماعية ، المتأسية بالداروينية الإجتماعية والسياسية ، من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر.
بما أدت إلى تشكيل عقد إجتماعي (قسري وآحادي) يربط البقاء داخل الدولة الكولونيالية بالهيمنة الوكيلة (الإمبريالية الفرعية). بالتالي نظام الحُكم المركزي والآحادية الهوياتية.
أو حالة اللامُواطنة ، التي نعيش منذ (1820) في الوقت الذي تبلورت مفاهيم المواطنة في الإمبراطورية العثمانية نفسها بشكل أسبق من ذلك.
السؤال الذي يطرح نفسه ، كيف تحولت / تتحول ثورات سياسية (ما قبل إستعمارية) في بيئات إجتماعية غير مواتية ، إلى ثورات ثقافية (مثل الوهابية والمهدية والسنوسية والعلوية في المغرب والإمامية الزيدية والإباضية إلخ) ، تقود إلى إستعمار ثقافي ؟
بالتالي أيضاً تُطرح في مُقابلها إستعمارات ثقافية مُضادة ؟
هل نحن أمام مُشكلة زمن (خاطئ) و مُبكر ، أم مُشكلة (فجوة فكر) تاريخية ؟
وكيف أدت إنتفاضات الخُبز المُتتالية في السُودان من إنتفاضة الخُبز رقم (x) في أكتوبر 1964، إلى إنتفاضة الخُبز رقم (z) في ديسمبر 2019.
إلى إنتاج مفاهيم وصراعات – غير حداثية – من القرن الثامن عشر ، (مثل زمن الجنجويد ودولة الزغاوة) و(إعادة إنتاج هيمنة الجلابة) و(المشروع الحضاري) البائد ؟.
Northernwindpasserby94@gmail.com
