أواب عزام البوشي
في لحظة كان يُفترض أن تكون إنسانية خالصة، وجدت السلطة القائمة في بورسودان نفسها في مواجهة سؤال سياسي لم يُطرح عليها مباشرة، لكنه انبعث من تفاصيل المشهد كله. فالمؤتمر الدولي الذي انعقد في برلين لم يُصمَّم ليكون محاكمة سياسية، ولم تُكتب أجندته بلغة الصراع، بل جاء بعنوان واضح: إنقاذ الإنسان السوداني في السودان من كارثة إنسانية تتفاقم يوماً بعد يوم. ومع ذلك، خرجت نتائجه لتضع السلطة في بورسودان أمام اختبار شرعية لم يكن في الحسبان.
المؤتمر، في جوهره، كان مؤتمراً إنسانياً بامتياز. لم يناقش ترتيبات حكم، ولا توازنات قوى، ولا خرائط سياسية. كان الهدف المركزي هو دعم الأوضاع الإنسانية، وتسهيل وصول المساعدات، وتجاوز التعقيدات التي عطّلت الإغاثة في الشهور الماضية. الحديث كله كان منصباً على المدنيين: الغذاء، الدواء، المأوى، والممرات الآمنة. أي أن النقاش دار حول الإنسان لا السلطة، وحول الحياة لا السياسة.
غير أن الأرقام كانت لافتة بذاتها.
التقديرات الأولية للتبرعات كانت في حدود مليار دولار، لكن المبلغ المعلن تجاوز ذلك ليصل إلى مليار وستمائة مليون دولار. هذه الزيادة لم تكن مجرد فارق حسابي، بل كانت مؤشراً سياسياً غير مباشر: المجتمع الدولي لا يرى أن الأزمة السودانية يمكن التعامل معها بحدود التوقعات التقليدية، بل يتعامل معها ككارثة تتطلب استجابة استثنائية. بهذا المعنى، كان السخاء المالي رسالة أخلاقية قبل أن يكون التزاماً مالياً.
لكن الرسالة الأهم لم تكن في قيمة التبرعات، بل في الكيفية التي نُظّم بها المؤتمر ومن دُعي إليه ومن لم يُدعَ. رفضت الجهة المنظمة منح تمثيل رسمي للسلطة في بورسودان، ليس بوصفه موقفاً سياسياً معلناً، بل باعتبارها جهة لا تتمتع بشرعية تمثيل الدولة، بل وتُنظر إليها في كثير من الأوساط الدولية باعتبارها طرفاً من أطراف الأزمة ومُسهِماً في تعقيدها. هنا، تحوّل المؤتمر الإنساني إلى مرآة عكست موقع السلطة الحقيقي في المشهد الدولي.
ردة الفعل كانت سريعة. تحركت أبواق الحركة الإسلامية السودانية إعلامياً بصورة مكثفة، وتزامن ذلك مع تقارير عن تمويل مجموعات للتظاهر ومحاولة التشويش على أعمال المؤتمر. هذا السلوك لم يكن مجرد احتجاج سياسي، بل كان محاولة لخلط الإنساني بالسياسي، وإعادة تعريف المؤتمر باعتباره منصة خصومة، لا منصة إنقاذ. المفارقة أن هذا التحرك عزز الرسالة التي حاول المؤتمر تجنب قولها صراحة: أن هناك أطرافاً ترى في أي جهد إنساني مستقل تهديداً مباشراً لموقعها السياسي.
المشهد، في مجمله، كشف مفارقة عميقة. بينما كان العالم يبحث عن طرق لإيصال الغذاء إلى المدنيين، كانت بعض الأصوات مشغولة بكيفية تعطيل مؤتمر إنساني لأنه لم يمنحها اعترافاً سياسياً. هذا التناقض بين الأولويات هو ما جعل من مؤتمر برلين حدثاً سياسياً رغم أنه لم يُرد أن يكون كذلك.
لم يصدر عن المؤتمر بيان يطعن في شرعية أحد، ولم تُلقَ كلمات تُدين طرفاً بعينه، لكن الرسائل جاءت من خارج النص: من شكل الدعوات، من تركيبة الحضور، من لغة الخطاب، ومن طبيعة القرارات. وفي السياسة الدولية، كثيراً ما تكون الرسائل غير المكتوبة أبلغ من التصريحات المباشرة.
بهذا المعنى، لم تُصعق بورسودان لأن المؤتمر هاجمها، بل لأن المؤتمر تجاهلها. ولم يكن التجاهل إجراءً بروتوكولياً عابراً، بل كان تعبيراً عن موقع جديد تتعامل به الأطراف الدولية مع السلطة القائمة في السودان: بوصفها جزءاً من المشكلة لا بوصفها ممثلاً للحل.
وهكذا، خرج مؤتمر برلين بنتيجتين متوازيتين: تعهدات إنسانية كبيرة قد تُخفف من معاناة الملايين، ورسالة سياسية صامتة مفادها أن الشرعية في نظر العالم لم تعد تُقاس بالسيطرة على الأرض، بل بالقدرة على حماية الإنسان.
awabazzam456@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم