بقلم: لوال كوال لوال
من يطالع بيان وزارة خارجية حكومة بورتسودان الأخير بشأن مشاركة دينكا نقوك في الانتخابات التي تعتزم حكومة جنوب السودان تنظيمها، يكاد يشعر بأن المشكلة الكبرى التي تواجه السودان والمنطقة ليست الحرب، ولا النزوح، ولا الانهيار الاقتصادي، ولا ملايين المواطنين الذين ينتظرون السلام، وإنما تكمن في أن هناك مجموعة من الناس قد تجد فرصة للتعبير عن رأيها السياسي فبورتسودان التي لا تخدم أي خدمة لمنطقة ابيي (دينكا نقوك) منذ عام 2011م ينزعج حين تقدم جوبا الخدمات لمواطني منطقة ابيي (دينكا نقوك) بل يساعد في احراق قري دينكا نقوك لكي يحل محلهم المسيرية حتي يتسني لهم استخراج البترول وتصديره الى بورتسودان. ولو جاز لنا أن نترجم البيان من اللغة الدبلوماسية إلى اللغة الساخرة التي يسخرون من دينكا نقوك، لربما خرج بالنص الآتي: “يا جوبا… لماذا تمنحون دينكا نقوك ما حرمناهم نحن منه طوال أكثر من سبعين عامًا؟ ألا يكفي أننا بذلنا جهدًا كبيرًا حتى لا يكون لهم صوت سياسي مستقل؟ فلماذا تهدمون كل هذا التاريخ الطويل من التهميش؟” قد تبدو هذه الترجمة قاسية، لكنها ليست أكثر قسوة من المفارقة التي يعيشها ملف أبيي منذ عقود طويلة. فالحديث اليوم عن احترام القانون والبرتوكول يبدو جميلًا، لكن القانون نفسه يصبح انتقائيًا عندما يتعلق الأمر بحقوق دينكا نقوك. فالتاريخ السياسي لا يبدأ ببيان وزارة الخارجية في بورتسودان، ولا يبدأ مع حكومة جنوب السودان، وإنما يبدأ منذ أول انتخابات عرفها السودان الحديث. في عام 1953، حين كانت البلاد تستعد لأول انتخابات برلمانية، لم يُنظر إلى دينكا نقوك باعتبارهم مجتمعًا يستحق تمثيلًا سياسيًا مستقلًا، بل أُلحقوا بدائرة انتخابية في لقاوة، وكأن وجودهم الإداري والاجتماعي مجرد ملحق يمكن إضافته أو حذفه بحسب ما تقتضيه الحسابات السياسية في الخرطوم. مرت الحكومات، وتعاقبت الديمقراطيات والانقلابات، وارتفعت الشعارات الوطنية عن العدالة والمواطنة والوحدة، لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا لا يتغير: دينكا نقوك خارج معادلة التمثيل الحقيقي. لم يكن أحد يتحدث يومها عن حقهم في اختيار ممثليهم، ولم يكن أحد يشعر بالقلق على مستقبل الديمقراطية لأن مجتمعًا بأكمله لا يمتلك دائرة انتخابية تعبر عنه. ولأن التهميش لا يكتمل إلا إذا أصبح عادة سياسية، جاءت اتفاقية السلام الشامل، وكان من المفترض أن يفتح التعداد السكاني لعام 2008 الباب أمام معالجة كثير من القضايا العالقة، إلا أن أبيي بقيت مرة أخرى استثناءً. فبدل أن يكون التعداد وسيلة لإثبات الوجود، أصبح موضوعًا للخلاف، لينتهي الأمر بحرمان المنطقة من تعداد مكتمل، ثم يُستخدم غياب ذلك التعداد لاحقًا ذريعة للتشكيك في أي استحقاق سياسي يخص سكانها ولولا جوبا لما عرفت دينكا نقوك المشاركة في انتخابات عام 2010م وان ولاية واراب سهلت المهمة لدينكا نقوك بالمشاركة في التعداد السكاني لعام 2008م. إنها معادلة سياسية تستحق التسجيل في موسوعة الغرائب: تمنع مجتمعًا من التعداد، ثم تسأله لاحقًا: أين أرقامكم السكانية؟ ثم جاءت انتخابات عام 2010، وهي الانتخابات التي قيل إنها ستفتح صفحة جديدة في تاريخ السودان، فإذا بها تفتح صفحة جديدة من الاستثناء بالنسبة لأبيي. فلا دائرة انتخابية مستقلة، ولا تمثيل يعكس خصوصية المنطقة، ولا معالجة حقيقية لقضيتها السياسية. ورغم ذلك، لم تصدر بيانات غاضبة تتحدث عن انتهاك حقوق سكان أبيي، ولم يتحرك الضمير السياسي فجأة للدفاع عن حقهم في التصويت. لكن يبدو أن المشكلة لم تكن يومًا في حرمانهم من الحقوق، وإنما في احتمال حصولهم عليها. ثم جاءت جوبا، وقررت – تنفيذًا لفهمها لاتفاقية السلام الشامل – إشراك دينكا نقوك ضمن دوائرها الانتخابية. وهنا بدأت الحساسية السياسية. يا للعجب! عندما يُحرم المجتمع من المشاركة، يكون الأمر شأنًا إداريًا يمكن تجاوزه. أما عندما يُمنح فرصة للمشاركة، فإن ذلك يتحول فجأة إلى أزمة دبلوماسية تستدعي البيانات الرسمية. ولو استمرت الأمور على هذا النحو، فقد نسمع يومًا بيانًا جديدًا يقول: “إن أخطر ما يهدد الاستقرار في المنطقة هو أن يشعر المواطن بأنه مواطن.” ومن أكثر العبارات إثارة للدهشة في الخطاب السياسي المتعلق بأبيي، ذلك القلق الدائم من السؤال: “ماذا سنقول للمسيرية؟” وكأن حقوق دينكا نقوك لا يمكن الاعتراف بها إلا إذا حصل الجميع على إذن مسبق. والأغرب من ذلك أن حقوق المسيرية نفسها تُستخدم أحيانًا كذريعة لحرمان الآخرين، بينما الحقيقة أن حقوق الرعي والتنقل التي يتمتع بها المسيرية ليست محل خلاف في الاتفاقيات المختلفة، ولا تتعارض بالضرورة مع منح دينكا نقوك حقهم في التمثيل السياسي. لكن السياسة أحيانًا لا تبحث عن الحلول، وإنما تبحث عن استمرار المشكلة، لأن المشكلة أصبحت وسيلة للخطاب السياسي. ولو سألنا بروتوكول أبيي نفسه عن شعوره، لربما أجاب بأنه أكثر الوثائق تعرضًا للقراءة دون تطبيق. الجميع يستشهد به. الجميع يقتبس منه. الجميع يؤكد احترامه. لكن عندما يحين وقت التنفيذ، يبدأ سباق الأعذار. مرة لأن الظروف الأمنية غير مناسبة. ومرة لأن التوافق لم يكتمل. ومرة لأن الوقت غير مناسب. ومرة لأن هناك أولويات أخرى. ولو استمرت الحال بهذا الشكل، فقد يحتاج بروتوكول أبيي نفسه إلى بروتوكول جديد ينظم كيفية تطبيقه. ثم جاءت قضية التقرير المنسوب لرئيس إدارية أبيي والمرفوع إلى حكومة التأسيس في نيالا، والذي مر بهدوء غريب، وكأن الصمت أصبح سياسة رسمية في كل ما قد يزعج بعض الأطراف. ويبدو أن المطلوب اليوم ليس مناقشة الوقائع، وإنما إدارة ردود الأفعال. فإذا كان التقرير يرضي طرفًا معينًا، فالصمت أفضل. وإذا أغضب طرفًا آخر، فالصمت أيضًا أفضل. أما الحقيقة، فهي آخر ما يُسأل عنه. ومن أطرف الشعارات التي تتكرر باستمرار أن “المسيرية ودينكا نقوك جسد واحد.” وهي عبارة جميلة من الناحية الإنسانية، ولا يختلف اثنان على أهمية التعايش بين المجتمعين المتجاوري، لكن السخرية تبدأ عندما تتحول هذه العبارة إلى وسيلة لتبرير منع أحد “أعضاء الجسد” من التعبير عن رأيه السياسي. فأي جسد هذا الذي يتحدث فيه نصف واحد فقط؟ وأي وحدة هذه التي يكون فيها طرف هو المتحدث الرسمي، بينما يُطلب من الطرف الآخر أن يكتفي بالتصفيق فدينكا نقوك بعد سنوات التهميش اختاروا جوبا كملجأ امن يفهم ألم جسده عكس الخرطوم/ بورتسودان التي يمارس التمريض في جسدها المباح؟ إن الوحدة لا تعني الصمت، كما أن التعايش لا يعني إلغاء حق الآخر في الاختيار. ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن الذين يتحدثون اليوم عن احترام القانون، هم أنفسهم لم يُبدوا الحماس ذاته عندما كانت حقوق سكان أبيي تُؤجل عامًا بعد آخر. فالذاكرة السياسية، كما يبدو، لا تعاني من النسيان، وإنما من الانتقائية. تتذكر ما يخدم الموقف، وتنسى ما يناقضه. ولو كانت البيانات الرسمية تستطيع تغيير التاريخ، لما احتاج المؤرخون إلى كتابة الكتب. لكن التاريخ عنيد. يتذكر أن دينكا نقوك ظلوا لعقود يطالبون بتمثيل سياسي يعكس واقعهم بل طالبوا بالانضمام إلى الإقليم الجنوبي منذ عام 1953م وتعرض مثقفيه لاعتقال التعسفي في الأبيض. ويتذكر أن كثيرًا من الفرص ضاعت بسبب الحسابات السياسية. ويتذكر أيضًا أن الحقوق لا تصبح باطلة لمجرد أن الاعتراف بها تأخر. وفي نهاية المطاف، ليست السخرية موجهة ضد شعب ما ، ولا ضد مجتمع ما، ولا ضد دينكا نقوك الذين يطالبون بحقوق يرونها مكفولة لهم وفق الاتفاقيات ذات الصلة، وإنما السخرية موجهة إلى ذلك التناقض السياسي الذي يجعل حرمان الناس من حقوقهم أمرًا يمكن التعايش معه، بينما يصبح منحهم تلك الحقوق فجأة تهديدًا للاستقرار. إن أخطر ما في القضية ليس أن تختلف الحكومات حول تفسير الاتفاقيات، فهذا أمر يحدث في السياسة، وإنما أن يتحول حق الإنسان في التعبير عن إرادته إلى تهمة، وأن يصبح التصويت أخطر من الحرمان، وأن يبدو البيان وكأنه يقول، من حيث لا يقصد: “لقد اعتدنا أن يبقى هؤلاء بلا صوت… فلماذا تحاولون الآن أن تمنحوهم واحدًا؟” وهنا تكمن المفارقة التي لا تحتاج إلى تعليق، لأن السخرية فيها تتحدث بنفسها.
lualdengchol72@gmail.com
