زهير عثمان
في البدء، أتقدم بوافر الشكر والتقدير لمنصة الدكتورة هند الحكيم، هذه المساحة الثقافية والمعرفية التي أتاحت فرصة الحوار حول واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في الوعي السوداني هي , قضية التاريخ، ومن يملك حق روايته
فالتاريخ ليس مجرد سردٍ للماضي، ولا أرشيفًا جامدًا للوقائع، بل هو صراع مستمر حول الذاكرة والمعنى والسلطة
ومن هنا، فإن المقارنة بين الكتابة التاريخية السودانية ونظيرتها البريطانية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها مفاضلة بسيطة في “الجودة”، بل باعتبارها اختلافًا عميقًا في شروط إنتاج المعرفة نفسها
لقد تشكّل التاريخ البريطاني داخل تقليد أكاديمي طويل، مدعوم بأرشيف إمبراطوري واسع ومؤسسات بحث مستقرة منذ القرن التاسع عشر، الأمر الذي أتاح له تطوير أدوات منهجية دقيقة في التعامل مع الوثائق وبناء السرديات التاريخية
غير أن هذا الأرشيف، رغم ضخامته، لم يكن بريئًا أو محايدًا بالكامل؛ فالأرشيف ليس مجرد مخزن للوقائع، بل أداة سلطة تحدد ما الذي يُحفظ، وما الذي يُنسى، ومن يُسمح له بالكلام داخل التاريخ
في المقابل، تشكّلت الكتابة التاريخية السودانية في سياق أكثر تعقيدًا؛ سياق يتسم بندرة الأرشيف الموثق، وتشتت المصادر، وثقل الإرث الاستعماري الذي احتكر كتابة “السردية الأولى” عن البلاد، إلى جانب تقاطعات السياسة والهوية مع إنتاج المعرفة
ولذلك وجد المؤرخ السوداني نفسه أمام مهمة مزدوجة سد الفجوة الأرشيفية من جهة، وتفكيك الرواية الاستعمارية التي كتبت السودان من زاوية الهيمنة من جهة أخرى
لكن اختزال التجربة السودانية في فكرة “التأخر” أو “الضعف” يبدو قراءة سطحية للمسألة. فالكتابة التاريخية السودانية، رغم هشاشة المؤسسات وقلة الموارد، أنتجت مسارات مختلفة في فهم التاريخ؛ مسارات أكثر قربًا من الذاكرة الاجتماعية والشفوية، وأكثر حساسية لقضايا الهوية والصراع والتحولات الاجتماعية
كما بدأت، عبر جهود عدد من الباحثين والمفكرين، في تطوير أدوات نقدية أعادت مساءلة الرواية الاستعمارية وإعادة قراءة المجتمع والتاريخ من الداخل
وفي هذا السياق، يبرز الخلط الشائع بين “المنهج التاريخي” و“التحليل التاريخي”، وهما أمران مختلفان تمامًا. فالمنهج التاريخي يهتم بالإجابة عن سؤال هو كيف نعرف؟ أي كيف نجمع المصادر، ونفحص الوثائق، ونتحقق من صدقية الروايات
أما التحليل التاريخي، فينقلنا إلى سؤال آخر أكثر تعقيدًا , لماذا وقع الحدث؟ وما القوى السياسية والاقتصادية والثقافية التي شكلته؟
ولهذا قد يتفق مؤرخان على صحة الوثائق نفسها، لكنهما يختلفان جذريًا في تفسير الحدث ودلالاته، لأن التحليل يتأثر بالخلفية الفكرية والرؤية الفلسفية للمؤرخ
ومن هنا، فإن أخطر ما يواجه التاريخ ليس غياب الوثائق فقط، بل القراءة الأيديولوجية للوثائق نفسها
كما أن أزمة الكتابة التاريخية السودانية ليست أزمة مصادر وحدها، بل هي أيضًا أزمة نخب كثيرًا ما تعاملت مع التاريخ بوصفه أداة لإثبات الشرعية السياسية أو العرقية، لا باعتباره مجالًا نقديًا لفهم المجتمع وتحولاته
ولهذا ظل التاريخ في السودان، لفترات طويلة، ساحة للصراع حول الهوية أكثر من كونه مجالًا لبناء معرفة وطنية جامعة
إن الاختلاف الحقيقي هنا هو اختلاف في “موقع الرؤية”
فالمؤرخ البريطاني كتب التاريخ من موقع الإمبراطورية التي تمتلك الأرشيف وتسيطر على أدوات التوثيق، بينما كتب المؤرخ السوداني من موقع ما بعد الاستعمار، وهو يحاول استعادة الصوت المفقود وإعادة تركيب ذاكرة المكان من جديد
ولعل هذه هي المفارقة الكبرى , فبينما امتلك المؤرخ البريطاني أرشيف الإمبراطورية، ظل المؤرخ السوداني منشغلًا بتفكيك رواية الإمبراطورية نفسها
ولهذا فإن معركة التاريخ في السودان ليست معركة حول الماضي فقط، بل معركة حول من يملك تعريف الوطن، ومن يحق له أن يتحدث باسم ذاكرته. فالتاريخ الذي لا يفسح مكانًا للأصوات المنسية، يتحول من معرفة إلى أداة هيمنة جديدة.
zuhair.osman@aol.com
