بين تراجي مصطفى وفاطمة احمد ابراهيم .. بقلم: د. أمل الكردفاني

 

هناك تاريخ طويل جدا للسيدة فاطمة احمد ابراهيم في العمل السياسي.. وهذا لا يمكن انكاره ، لكن هذا التاريخ لم يخلو من مشكلتين جوهريتين:

اولاهما انه تاريخ ايدولوجي النطاق ، فهو لم يكن موجها بنزعة قومية محايدة بقدر ما كان موجها لمصحة الايدولوجيا الشيوعية . طوال تاريخ الحزب الشيوعي وطوال نكباته وتآمره على الديموقراطية ، وطوال تدميره- عقب انقلاب نميري- للاقتصاد الوطني عبر سياسات ماركسية هدامة..لم تخرج السيدة فاطمة لتعلن موقفا مناهضا لسياسات حزبها ولا التعبير عن رفضها للسياسات الاقتصادية المدمرة التي لازالت تنتج اثارها الى يومنا هذا بعد تدمير قوى اقتصادية وقطاع كامل من الرأسماليين الوطنيين لمجرد تطبيق توهمات النظرية الماركسية الفاشلة .
المشكلة الثانية: أن السيدة فاطمة ركبت قطار النخبة الشيوعية ، فكان اداؤها فوقيا مترفعا عن النزول الى الشارع ، وهذه الصفوية التي ادمنها الشيوعيون هي التي ادت بهم الى أن يكونوا منقطعين عن مشاكل المواطنين الحقيقية. انتجت فاطمة عدة مؤلفات ، لا تسمن ولا تغني من جوع لسيدة تبيع الشاي في الشارع او عتال او زبال او خلافه من البلوريتاريا التي ارهقنا الشيوعيون بالحديث باسمها كطبقة مسحوقة. وفي آخر ايامها تحولت السيدة فاطمة قلبيا وعاطفيا الى النزعة الدينية وهذا ما نلاحظه في الحوارات المختلفة التي تمت معها في عدة صحف ، حيث باتت تدافع عن بعض المسائل الدينية في مواجهة النقد العلماني.
السيدة فاطمة في الواقع لم تقدم اي شيء جديد للبروليتاريا ، ولم يكن اداؤها السياسي سوى انخراط في سياسات حزبها الخربة ، وهي سياسات خلت حتى من تطوير النظرية الماركسية بقدر ما كانت سياسات عمياء متخبطة افضت الى خروج الكثيرين من الحزب وعلى رأسهم الخاتم عدلان.
وفي المقابل ظهرت اخيرا السيدة تراجي مصطفى ، وهي سيدة عملت طويلا وخارج اطار اي ايدولوجيا على مناهضة النظام والكثير من القوى السياسية ، ولعبت دورا في بناء اول اتصال شعبي بين الشعبين السوداني والاسرائيلي ، كما قامت بالقاء محاضرات ثمينة في اغلب البرلمانات في امريكا وكندا وخلافه ، وفوق هذا فقد هبطت السيدة تراجي للشارع العام بجرأة شديدة ، واستطاعت من خلال وسائل التواصل الحديثة أن تخاطب الجماهير ، وأن تخاطب المسؤولين في الدولة وأن تحرج العديد من الوزراء الفاسدين وأن توجه النقد اللاذع للحكومة ، رغم أنها لا تنضوي تحت اي حزب سياسي ، وليس لديها آيدولوجيا تقدسها وتصلي من أجلها. فتراجي هي ابنة الشارع وابنة البروليتاريا البارة.
صحيح أنه يؤخذ عليها انفعالها الزائد بقضايا الوطن ومشاكله وكوارثه ومآسيه ، الا أننا نفتقد فعلا لهذا النوع الجديد من المناضلين ، اي ذاك النوع الذي لا يراعي وجهة نظر النخبة فيه بل ينزل الى مستوى القاعدة ليخاطبهم خطابا ميسورا .
في الواقع هذا النوع من الأشخاص كتراجي مصطفى المنفعلة والقوية والصارخة بالحقيقة هو ما يحتاجه المواطن المسحوق ، فالمواطن لا يحتاج معرفة البناء الفوقي والتحتي والنظرية الجدلية وخلافه انما يحتاج لمن يكشف له الآخرين ، يحتاج لمن يكشف له من يستوون على عروشهم فوق ابراجهم العاجية ويأمرون الناس بالبر وينسون انفسهم باعتبارهم نخبة منزهة عن النقص ومحرم نقدها .
إن كل تصريحات تراجي تنتشر في ثوان الى كل فئات الشعب وتتلقفها الجماهير لترى وتسمع ما يخفيه الكبار عنهم ، ما يخفيه زعماءهم وشيوخهم ورموزهم.
بلغة بسيطة وقوية ومنفعلة تفضح تراجي المهرجين المزيفين في مسرح السياسة .
فشتان اذن ما بين فاطمة الصفوية الماركسية ، وبين تراجي الناطقة باسم البلوريتاريا والمهمشين ومن احرق الزعماء دماءهم من الزيف والكذب والفساد .
صحيح ان عدم انتماء تراجي لحزب سياسي سيجعل ظهرها مكشوفا وبدون سند وسيتم محاربتها على كل الجبهات وفي كل الاتجاهات …الا أنني متأكد بأن شخصيتها القوية قادرة على هزيمة الجميع سواء السياسيين المزيفيين ام الذين دعمتهم احزابهم ليبلغوا طبقة الصفوة وهم ضعيفي القدرة والكفاءة والامكانيات.

amallaw@hotmail.com

///////////////////

///////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً