بين عيد الأم .. وعالم الروائي “بركة ساكن”

 


 

ندى حليم
25 March, 2011

 


تقديم :

القراء الأعزاء هذا العدد بمناسبة عيد الأم الذي يصادف 21مارس من كل عام ، نستعرض فية عمل أدبي يعد من احدى اهتمامات هدير الصمت ، وهي قضية المرأة ، ذلك النص الادبي للروائيء والكاتب المعروف عبد العزيز بركة ساكن ، الذي تناول فية الأمومة من خلال الحقائق ومن خلال التصوير الأدبي للواقع الذي أثبت عبر التجربة تفردة وتميزة القيم . ثم نقوم بوضع بصمات من الآراء تكشف مانصبو الية من خلاصات نأمل في أن تساهم في تغيير الكثير مما هو غير عادل تجاة المرأة في مجتمعنا .

أنا ،  الأخرى و أمي.

                  عبدالعزيزبركة ساكن

عمري الآن خمسون  عاماً، وهو نفس عمر  أمي  حينما توفاها الله منذ ثلاثين سنةً بالكمال و التمام، وأحكي الآن عنها ليس من أجل تخليد ذكراها الثلاثين، كما يفعل الناس أن يحتفوا بذكري وفاة أمهاتهم اللائي  يحبون، ولو أنني أحبها أيضا إلا أنني أحكي الآن عنها تحت ضغط و إلحاح روحها الطاهرة، أقول ضغط و إلحاح، و أعني ذلك، على الرُغم من  أن أمي ماتت منذ أكثر من ربع قرن إلا أنني لم أحس بأنها ميتة، لأنها بالفعل لم تكُ كذلك، إنها أخذت إجازة طويلة ونهائية  عن مشاغل الدنيا الكثيرة و مني أنا إبنها الوحيد بالذات، رفيق شقائها و سعادتها، ولكن أمي حالما تراجعت- مع مرور الزمن- عن فكرة الإجازة بعد ثلاثين عاماً فقط، وثلاثون سنةً في زمن الموتى- كما تعلمون- ليس بالكثير، يُقَال أنّ موتهم قد يطول إلي الأبد.
بالأمس القريب بعدما قضيت نهاري الطويل في المدرسة حيث أعمل مديراً  في مرحلة الأساس، وأنفقت مسائي البائس في نادي المعلمين ألعب الورق و أثرثر، عُدت مرهقاً للبيت الذي  أقيم فيه وحدي، بعد أن تزوجت أكبر بُنياتي في هذا الأسبوع وذهبت مع زوجها تدب في بلاد  الله الواسعة، مثلما فعلت إبنتاي اللائي يصغرنها عمراً في السنتين الماضيتين، وتزوجتَ زوجتي أيضاً قبل أكثر من عشر أعوام من رجل يقولون إنه حبيبها الأول، بالطبع بعد أن طلقتني عن طريق محكمة الأحوال الشخصية بدعوى أنني لا أنفع كزوج أو رجل و أنها  كرهتني، ويعلم الله أنني لست بالشخص البغيض، و الدليل على ذلك  أن بناتي الثلاث إخترن أن يبقين معي في البيت ورفضن أن يذهبن معها إلي بيت والدها ثم إلي بيت زوجها الجديد: فمن منا البغيض  و المكروه؟ هذا موضوع لا أحب أن أتطرق إليه إطلاقا، فهي على أية حال أم بُنياتي الثلاث، كنت مرهقاً، زحفت إلى سريري زحفاً، رميت بجسدي علي اللحاف الطيب الحنون، فهو آخر ما تبقى لي من أمٍ وزوجةٍ و بنات، كان المصدر الوحيد الذي يمنحني الحنان بإحتضانه لجسمي النحيل الهرم، كعادتي أترك أضاءة خافتة فاترة تصدر من لمبة ترشيد إستهلاك صينية صغيرة بخيلة، إلى الصباح، و كدت أن أغمض عينيّ حينما سمعت كركرة كرسي على البلاط ثم رأيت على ضوء النيون الترشيدي الصيني البخيل، امرأة شابة تسحبه نحوي ثم تجلس عليه، قرب رأسي مباشرة، تحملق في وجهي بِحِنِيةٍ لا تُخْطَأ، ولو أنه كان لوحيدٍ مثلي أن يخاف، بل أن يُجَن من الخوف، إلا أنني صحت في دهشة وترحاب غريبين.
-    الله، أمي آمنة؟
ابتسمت المرأة الشابة الجميلة الحنون، وقد بدأت تتحدث في هدوء، حكت قصة حياتي منذ ميلادي بالدقيقة و الثانية، حدثاً حدثاً، أخذت أستمع إليها في صمت وتعجب، كأنما من يُحكى عنه ومن يُحكى له ليس سوى صنوين لي ضالين، كنت اكتشف تدريجيا أن حياتي كُلها  معصية، و أنني كنت أجري وراء ملذات الدنيا وسقطاتها، ولو أن بعض الحوادث كانت تشير بوضوح إلى نُبلي ونقاء سريرتي، إلا أن المحصلة النهائية تبدو كما ذكرت،لا أدري كم من الزمن مكثت تحكي قرب رأسي، ولكنها بلا شك بقيت هنالك زمنا طويلاً، ولا أدري كم حكاية حكت، ولكنها بلا شك حكت حكايات شتى، و لا أعرف متى نِمْتُ ولكني بلا شك قد نمت متأخرًا جداً لأنني لم أستيقظ كعادتي - مثلي في ذلك مثل كل مديري المدارس - عند الرابعة صباحاً، بل أيقظني خفير المدرسة – مندهشاً- في فسحة الفطور حوالي العاشرة و النصف صباحاً، وثأثأ فيما يعني أنّ الجميع إفتقدني، لقد كان أخرس ذا لغةٍ ملتبثة. بقيت في رأسي جملة واحدة من كلامات أمي.
-    أنا كل يوم معاك لحظة بلحظة.
لم أحك لأحد ما دار بيني و بين أمي، خوفاً من السُخرية و الشماتة  أو أن أُتهم بالجنون، وربما قد أفقد وظيفتي إذا تأكدت الإدارة من أنني جُنِنِت،وخاصة أنّ للبعض مصلحة في أن أُبعد، بصراحة  لديّ أعداء كُثر، تكتمت علي الأمر، إتصلت بي ابنتي الكبرى أمونة سميتها على أمي، سألتني عن صحتي و عن الوَحدة ولمّحت لي بأنه يجب عليّ أن أتزوج ولو من امرأة كبيرة في العمر، لأنني - في تقديرها- إحتاج إلى رفيق في وحدتي، و أنها تعرف أربعينيةً جميلةً  مطلقةً لها طفلان،إدعيتُ بأنني لم أفهم ما ترمي إليه، ربما لأنني لا أرغب في الزواج،فقد أصبحت المرأةُ عندي كائناً جميلاً، يَصْلُح لكل شيء ماعدا الزواج،في هذا المساء كنت مستعدا لمحاضرة أمي آمنة، جاءت وكانت في كامل شبابها و جمالها في أثواب نظيفةٍ ملونةٍ  زاهيةٍ تشع بهجةً، قالت لي
-    ظاهر عليك الليلة جاهز من بدري.
فجأة  خطرت لي فكرةٌ غريبةٌ، و شرعت في تنفيذها مباشرة، هكذا أنا أفكاري في أصابعي، مَدَدتُ أصابعي نحوها متحسسا أثوابها، فإذا بكفي تقبض الهواء، تمام الهواء،أما هي فقد اختفت، سمعت نداءها يأتي من أقاصي الغرفة،قائلة بصوتها الذي لم يفقد حلاوته طوال السنوات التي قضتها تحت التراب.

-    أنا صورة وصوت، صورة وصوت  فقط.
قلت لها
-    أنا خايف تكون دي هلوسة...هلوسة  ما أكتر؟
قالت لي بذات الصوت الذي أعرفه جيداً و صاحبني طفولتي كلها
-    أنا كنت دايماً قريبة منك.
أمي و أنا كنا صديقين حميمين، مرت بنا سنوات شدة عصيبة و سنوات فرح عظيمة أيضاً، أنا ابنها الوحيد ولا أب لي أعرفه إلي اليوم، منذ أن تفتحت عيناي علي هذا المخلوق الرقيق النشط الذي لا يستريح من العمل الذي يسعي مثل نمل الأرض بحثا عن حبة عيش نطعمها معا،كانت توفر لي كل شيء أطلبه، ومهما كان عصياً وأذكر أنني طلبت منها ذات مرة أن تشتري لي دراجة هوائية مثلي مثل صديقي في المدرسة و الصف و الكنبة : أبّكَرْ إسحق
و أذكر إلي اليوم كيف أنها انتهرتني بل قذفت في وجهي شيئاً كان بيدها في ثورة و غضب و أنها صرخت فيّ مؤنبة
-    إنت قايل نفسك ود مُنُو؟، ود الصادق المهدي؟
بالطبع ما كنت أعرف من هو الصادق المهدي ولكن سؤالها أثار فيّ سؤالاً آخر
-    أنا ود مٌنُو؟
ولم أسالها لأن السؤال نفسه لم يكن مُلحاً بالنسبة لي، لأنني لم أعرف قيمة الأب و لا أهميته ولا وظيفته بالتالي لم إفتقده،والآباء الكثر الذين في حينا لم يقم واحد منهم بعمل خارق تعجز أمي عن القيام به، بل أن أمي هي التي كانت تفعل مالم يستطع الآباء فعله، فهي تبني وتصون بيتنا بيديها،وتصنع السدود الترابية لكي تمنع مياه الخريف من جرف قطيتنا حيث أن بيتنا يقع علي تخوم خور صغير،ولم أر أبا فعل ذلك، كانوا يستأجرون العمال حتي لصنع لحافاتهم و مراتبهم وغسل ملابسهم، إنه لأمر أدهشني كثيراً، ضف إلي ذلك أنّ أمي تعمل خارج المنزل في وظيفة مهمة، إنها تبيع الشاي و القهوة عند بوابة السجن ويستلف منها الجميع، حتى المأمور نفسه، لذا إلتبس عليّ الأمر، والآن و لأول مرة أعرف من أمي أن من وظائف أبٍ غامضٍ  يُسمى الصادق المهدي تقديم الدراجات الهوائية إلى من هم أطفاله،  ولكن الشيء الذي  أطاح بسؤال الأب نهائياً أن أمي آمنة بعد ثلاثة شهور أو أكثر، اشترت لي دراجة هوائية، ولو أنها ليست جديدة تماماً مثل دراجة أبكر اسحق، وأنها مستعملة من قبل، إلا أنني فرحت بها جداً وخصوصاً بعد أن أكد لي أصدقائي أنها دراجة جميلة و هي أجود من دراجة أبكر.
                         أمي تعمل في صُنع الزلابية وأقوم أنا ببيعها للجيران في الصباح الباكر و تعمل فرّاشة في السجن ما بعد بيع الزلابية وشرب الشاي، وعندما تركت العمل في السجن، عملت بائعة للشاي عند باب السجن كمحاولة منها لتحويل زملاء الأمس إلى زبائن اليوم، وبالفعل استطاعت أن تكون منافساً حقيقياً لأم بخوت وهي إحدى زبوناتها في الماضي عندما كانت أمي تعمل  فرّاشة، أما أنا فذلك الولد الذي يَطلق الناسُ عليه  (وَدْ أُمُوُ) أعني لا أبرح مجلسها أبداً بعد نهاية اليوم الدراسي أحضر إلى موقع عملها، أغسل لها أكواب الشاي الفارغة،أحمل الطلبات البعيدة إلى الزبائن،أشتري  لها السُكر و الشاي الجيدين من الدكان، أحكي لها عن التلاميذ،الحصص و المعلمين، وعندما أنعس تفسح لي مِرقَداً خلفها فارشة لي بِرشاً  من السَعَف، متوسداً حقيبة المدرسة، عجلتي الجميلة قرب رجليّ تنتظرني: أنام .
                       قلت لها في جرأة
-    أنت وين الآن؟ في الجنة؟  في النار؟  في الدنيا ؟ ووين  كنت الزمن دا كله؟
قالت لي
-    أنا هنا.
كانت تجلس في الكرسي كما هو في اليوم الأول،سألتني عن مبررات كل ما قمت به في يومي هذا، وكنت أجيبها بصدق، تعلق أحيانا أو تصمت في أحايين كثيرة، ولكنها بشكل عام كانت تؤكد علي أنه ليس مهماً  أن ما أقوم به مقبولاً خيراً أم لا، لكن المهم هو، هل أنا أجد مبرراً لما أقوم به أم لا، هل أنا راضٍ عن نفسي أم لا.
سألتني
-    هل توافق علي إقتراح بِتّكْ أمونة؟
قلت
-    أنا ما أظنني بقدر علي النساء، كبرت وفقدت الرغبة في المواضيع دي، و أنا الآن قادر أقوم بواجب نفسي بنفسي من طعام وشراب ونظافة، المرأة الحقيقية الوحيدة في حياتي هي أنت و كفاية.
ابتسمت أمي آمنة ابتسامة عميقة و حلوة، ثم تلاشت تدريجيا في فضاء الغرفة، في الصباح الباكر اتصلت بي ابنتي أمونة مرة أخرى وقالت لي بوضوح إنها سوف ترتب لي لقاءً مع أربعينيةٍ جميلةٍ  مطلقةٍ لها طفلان،ومن ثم أنا حر في أن إرتبط بها أم لا، قلت لنفسي
-    ماذا ستخسر؟  فليكن.
كانت امرأة جميلة، لها ابتسامة دائمة في وجهها، لا تحتاج لسبب وجيه لكي تضحك، فهي تضحك باستمرار، و تستطيع أن تقنع أي إنسان مهما كان متشائماً أن يرد على إبتسامتها بابتسامة أخرى، حتي ولو كانت باهتة تعبة، ولكن الشيء الغريب فيها و المُدهش و المخيف أيضاً أنها ترتدي نفس الملابس التي كانت ترتديها أمي آمنة بالأمس، نفس الحذاء، نفس الصوت نفس الطريقة في الكلام نفس الوجه، نفس الإبتسامة، و استطيع أن أقول إنها نفس المرأة.
الخرطوم
 11-6-2008

بعض من رأي

يوضح عبد العزيز بركة ساكن في نصة الأدبي الخيالي الممزوج بالحقيقة في غالبية مايخص تفاصيل حياتة مع أمة ، يوضح  الى أي مدى أن المرأة قوية ، والى أي مدى أن الأمومة تتجاوز كثيرا مفاهيم الحنان والعطف الى مفاهيم الشخصية المشيدة للبنيات الأساسية في الحياة . ان مايكتبة الراوي المبدع أو يرسمة الفنان التشكيلي ، أو يسطرة الشاعر من كلمات ، انما هو منتوج بشري يعبر عن الوقائع من حولة بعد أن تتداخل مع مكتسباتة المتراكمة من خبرات معرفية ، نفسية ، عصبية ، وجدانية . فهي حالة تميز في القدرة على التعبير . تترك بعد ذلك المساحة مفتوحة أمام الآخرين ليفسرها كل حسب خبراته المكتسبة هو ، وبصفة شخصي الضعيف مهتمة بقضايا النوع واعمل في مجال علم النفس . ان عبد  العزيز بركة ساكن عبر ذلك النص يوضح لأي مدى تعتبر الأم مؤثرة بدرجة كبيرة في تشكيل شخصية الانسان انه تأثير عميق متجزر في النفس يتشربة الفرد جرعه جرعه منذ صرخة ميلادة الاولى ، بل منذ الحمل ، لتأتي بعدها تفاصيل التربية والتنشئة والتقويم والتوجية ومئات التفاصيل اليومية المستهلكة للطاقة الذهنية والنفسية والعضلية ، وهنا أستلف مقولة الكاتبة الصديقة استيلا التي قالتها ذات استنكار وارهاق وفائض من الحنان تجاة ابنها الوليد " يتعاملو معاك كأنو الامومة دي حاجة عادييييييية " . أبدا يا أصدقائي انها ليست "حاجه عادية " ، لكن الامهات "جمل الشيل " . عبر نص " بركة ساكن " ، يتضح أن تقييم نفسة لشخصة تكشف لة لأول مرة عندما جلست هي قربة في ذلك التوقيت النفسي الخاص ، وراحت تسرد له تفاصيل حياته ومراحلها ، هو ذي الخمسين عاما بكل كفاءتة وخبرتة وبالرغم من انه مدير مدرسة الا أن اكتشافة جاء فقط عند ذلك اللقاء الأمومي . والى أعمق من ذلك فانة يؤكد ان تعلمة لقيمة ذاتة وأهمية مايقوم بفعلة ، ومعايير الخير والشر ، وكيفية ادارة صراع الحياة وتشكيل الضمير "والأنا الأعلى " ينطلق بشكل أساسي من براثن علاقة الأمومة .

ويقول بركة ساكن : " والآباء الكثر الذين في حينا لم يقم واحد منهم بعمل خارق تعجز أمي عن القيام به، بل أن أمي هي التي كانت تفعل مالم يستطع الآباء فعله " . ان ذلك يتفق تماما مع التفسير العلمي لعدم وجود فرق لصالح الرجل في مايخص القدرة العقلية والذهنية ، بل كل مافي الأمر هو أن القالب الذي يوضع فية الانسان والأدوار التي يحددها له المجتمع ونشاطة ومساحة حريته وحركته هي التي تبني جسدة وذهنه وتحدد مستوى قدرته على التكيف مع الحياة ومتقلباتها ، وهذا ماقمت بنشرة من قبل في مقال "سايكولوجيا الضعف والقوه بين المرأة والرجل ، والمنشور حاليا بصحيفة سودانايل الالكترونية " .
      لم تعتمد الام هنا على الرجل الأخ أو الاب أو الزوج أو الصديق أو زميل العمل ، بل كافحت بنفسها متحدية القهر الاقتصادي فبعد ان فقدت وظيفتها كفراشة في السجن ، أصبحت تبيع الشاي في محاولة ذكية منها للاستفادة من نتاج وظيفتها الاولى وهي كسب زملاء العمل كزبائن للشاي ، أثناء ذلك كان عقلها يعمل كالماكوك تفاصيل عمل الشاي ودفتر الديون ولهيب الكانون وزيت الزلابية الساخن ، الشارع المفتوح والجماهير المختلفة الامزجة والسلوك ، ومستويات الذوق العام المختلفة ، محاولات التوفيق لكسب الزبائن والحسم تجاة الفوضى الشارع الاجتماعية ، النظرات ذات الدلائل المختلفة والهسات ذات الدلائل المختلفة ، باختصار انها تستقبل كل انفعال الحياة في وقت واحد ، وسط كل ذلك يجيء طفلها من المدرسة وتفرد له مساحة وجدانية وذهنيه خاصة تستمع الية ، " وما ادراك ما القدرة على الاستماع " . لكنها تستمع بوعي حصيف وبصيرة نافذة ، تلتقط دقائق الكيمياء المنثورة في المسافة بين انفاس كلماتة وبين انفعالاتة الشخصية ، لتدخلها في معمل روحها وعقلها ، وتعيد انتاجها ، لتقدمها له فيما بعد على طبق من حنين وحزم ونصيحة تشبة قوس قزح شكل واحد متماسك لكنة متعدد الالوان ، ليختار هو على مسار أي لون يمشي .
      حتى ان فرغ من حكاوية المدرسية نام بقربها وافترشت لها دفئا جسديا بقربها ، لتتضح نوع آخر من العلاقة البيولوجية الباعثة على الطمانينة والنوم . في الوقت الذي ينعم هو بدفء جسدها ، يتحرق جسدها  بسخونة الجمر في الكانون ، وبخار ماء الشاي المتصاعد ، ولا تأبة . فالغاية أهم ، هي أن يجد هذا الطفل النائم مصاريف ليذهب غذا الى المدرسة .
    أما انتهارها له وقذفة لاداة كانت تحملها في يدها عندما طلب الدراجة النارية ، فهو ديل على انه الى اي مدي يعتبر هذا الطلب صعب عليها بل صاعقا من اين تجيء بها وهي التي تبيع الشاي ، لايوجد مبرر يجعل الام تاذي ابنها وتقذفة بشيء في يدها يمكن ان يفسر ذلك الموقف سوى تعبيرها الىني السريع عن غضبها من نفسها لعدم قدرتها على تحقيق ذلك وليس الغضب من الابن الذي طلب الدراجة والدليل على ذلك انها أشترتها له رغم القهر الاقتصادي ، أي عظمة تلك واي انسان واي كائن هي الأم ؟؟؟
       خلاصة القول أن الأدوار الاجتماعية التي تقوم بها الأمهات في غالب الأحيان لايقوم بها الرجال فهي أدوار متكاملة : تربوية ، اقتصادية تتنوع فيها الوسائل والآليات وتجتمع فيها طاقة نفسية وطاقه عضلية وطاقة ذهنية ، وبعد كل ذلك يسود انطباع عام بأن المرأة ضعيفة . انه انطباع خاطيء ولا يعكس طبيعة الواقع ويجب تغييرة لكي يتغير التعامل مع المرأة بحيث يكفل لها الارتقاء الأمثل في الحياة ، ولكي توضع الأمهات في المقدار الحقيقي الذي يوازي عظمة مجهودهن ليس بالكلمة الطيبة والاشادة يكون هذا المقدرا ، وانما بالفعل المؤسسي داخل الاسرة ومن قبل الدولة مثلا تغيير قانون الاسرة "قانون الاحوال الشخصية " الذي أثبتت التجارب والنقاشات العلنية في منظمات المجتمع المدني والاوراق المنشورة في الصحف والمواقع الالكترونية ،أنه يضطهد حق الأمومة والمرأة في السودان .
         ان عبد العزيز بركة ساكن يعد أحد الرجال القلائل جدا الذي قال عبارة تعتبر في عرفنا "عيب " ، لكنه قالها بكل فخر وللملأ في الاذاعة القومية : " أنا ود مرة وتربية نساوين " . موضحا انه قامت بتربيته أمه وخالاتة ، الكثيرين بالطبع حدث لهم ذلك ، لكن القليلين جدا من يقولونها على الملأ ويفخرون بها . كان ذلك في اذاعة اف ام مية عندما كانت تحاورة المذيعة لمياء متوكل في برنامج بيوت سهرانة ، واصبحت تعاد مقولتة هذه حتى الآن في برنامج أحلى الكلام بذات القناة الاذاعية . متى يصل مجتمعنا الى هذا المستوى من الفهم العادل تجاة قضايا المرأة وازالة "كلمات عيب ، قلة ادب ، كلام فارغ ، خجل " من قاموس التعامل مع كل مايرتبط بالنساء في المجتمع ؟؟؟ .
    
    الشكر موجة الى :
     _ والدتي التي أفادتني عميقا بآرائها في كتابة تلك الصفحة . ولها مني جل التقدير في عيدها هي وكل الامهات السودانيات .
     _ الاستاذ الكاتب عبد المنعم الكتيابي الذي أسهم باستشارتة الفذة

                          ندى حليم / اختصاصية نفسية وناشطة في مجال حقوق الانسان    
 

 

آراء