بقلم: السر جميل
تمثل ظاهرة الاستحواذ شبه الشامل لتطبيق “بنكك”، التابع لبنك الخرطوم، على المشهد المصرفي الرقمي في السودان حالة دراسية فريدة تستحق التأمل والنقد. ففي الوقت الذي تتزاحم فيه التطبيقات البنكية في السوق السوداني — بدءا من “فوري” الخاص ببنك فيصل الإسلامي، و”أوكاش” لبنك أم درمان الوطني، و”ساهل” لبنك النيل، وصولا إلى تطبيقات أخرى ك “البركة”، و”مشرق”، و”التضامن” — يبرز سؤال جوهري لماذا يتدافع معظم المودعين السودانيين نحو فتح حساباتهم في بنك الخرطوم تحديدا، بجاذبية تكاد تتجاوز الخيار التجاري لتصعد إلى مستوى الاعتماد الحياتي اليومي؟
هل هي عقدة الأسبقية وزخم التأثير الجماعي ؟ لم يكن نجاح “بنكك” مجرد مصادفة تقنية، بل كان ثمرة “أسبقية التموضع” (First-Mover Advantage). فقد بادر بنك الخرطوم باستثمار بنيته التحتية وتطوير واجهته الرقمية في وقت كانت فيه البنوك المنافسة تعتمد نموذج المصرفية التقليدية ذات الصالات المكتظة. أدت هذه الأسبقية إلى خلق ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ “أثر الشبكة” (Network Effect)؛ حيث تزداد قيمة الخدمة لكل مستخدم جديد بزيادة عدد المشتركين السابقين.
حينما أصبح “بنكك” الوسيلة الأسرع للتحويل بين الأفراد، وجد العميل الجديد نفسه مرغما على فتح حساب في ذات البنك لتسهيل معاملاته المالية مع محيطه الاجتماعي والتجاري، مما جعل التطبيقات المنافسة — رغم تقديمها خدمات مماثلة كدفع الفواتير وشحن الرصيد لشبكات زين وسوداني وMTN — تعاني من عزلة شبكية يصعب اختراقها.
اصبحت المرونة في أوقات الأزمات “بنكك” شريان الحياة ومنها تبلورت الهيمنة المطلقة لتطبيق “بنكك” بشكل جلي خلال الأزمات الاقتصادية والأمنية المتعاقبة التي شهدتها البلاد. فمع شلل القطاع المصرفي التقليدي وشح السيولة النقدية “الكاش”، تحول “بنكك” من مجرد تطبيق مصرفي إلى عملة موازية ونظام سداد قومي غير رسمي. أتاحت استقرارية السيرفرات النسبية وسعة قاعدة البيانات للتطبيق الاستمرار في تقديم الخدمات المالية الأساسية، مما عمق ثقة الشارع فيه بوصفه الملجأ المالي الأكثر اعتمادية في أحلك الظروف.
من الناحية الفنية، يتفوق “بنكك” بالسهولة الإجرائية وهندسة واجهة المستخدم بتصميم واجهة (UI/UX) تتميز بالبساطة وتراعي مختلف المستويات التعليمية والفئات العمرية. في المقابل، ظلت العديد من التطبيقات المنافسة مثل “مصرفك” أو “ساهل” تعاني من تعقيدات في تسجيل الدخول، أو بطء في معالجة الاستعلامات، أو صعوبات في استرداد الحسابات. أوجد هذا الفارق انطباعا ذهنيا لدى المواطن بأن “بنكك” هو الأطوع والأكثر سلاسة، بينما تتطلب التطبيقات الأخرى عناء إجرائيا لا يبرره حجم المعاملات اليومية.
على الرغم من النجاح الباهر لتطبيق “بنكك”، إلا أن هذه الهيمنة أحادية الطرف تحمل في طياتها مخاطر اقتصادية وهيكلية لا ينبغي إغفالها. إن اعتماد الاقتصاد اليومي لبلد كامل على تطبيق مصرفي واحد يخلق نقطة فشل مركزية (Single Point of Failure)، فأي توقف مفاجئ أو تعطل تقني في سيرفرات بنك الخرطوم يؤدي فورا إلى شلل شبه تام في حركة البيع والشراء وسداد الاحتياجات الأساسية.
كما أن هذا التمركز يضعف المنافسة العادلة ويقلل من حوافز الابتكار لدى البنوك الأخرى التي اكتفت بأدوار ثانوية، رغم امتلاك بعضها كـ “بنك فيصل” أو “بنك أم درمان” لإمكانيات مالية ضخمة تؤهلها لمنافسة أشرس لو أُعيدت هيكلة حلولها الرقمية بشجاعة أكبر.
إن سر المودعين السودانيين نحو “بنكك” ليس مجرد انحياز لعلامة تجارية، بل هو نتاج تداخل معقد بين الأسبقية الذكية، والتأثير الجماعي، والاعتمادية أوقات المحن. وحتى تتمكن التطبيقات المنافسة من كسر هذا الطوق المالي “احتكار”في ظل غياب اى دور للبنك المركزي، يتوجب على البنوك الأخري تقديم قيمة مضافة تتجاوز الخدمات التقليدية وتحاكي الواقع السوداني والعالمي بديناميكية جديدة .
elsir90@hotmail.com
