“بُيوت الطّين القَدِيمِي” .. بقلم: عبد الله الشيخ
29 فبراير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
48 زيارة
خط الاستواء
في هذا المكان من بلاد السودان، يمكنك أن تعيش دون أن تُدخِل يدك إلى جيبك..!هنا، قد لا تحتاج البنكنوت، إلا لشراء السعوط ،السكر والشاي، ولحمة الجِزارة..حتى هذه يمكن أن تمزّق فاتورتها باصطياد السمك،والقماري..هبّاب النسيم في علالي جبل “ستي عاشة” يعيد إليك كهارِب الصِبا..يقولون أن عائشة أم المؤمنين، جاءت مع العرب الفاتحين، لكنّ كلباً أعور، لأحد الحمّوراب نبح فيها، فعادت أدراجها الى جزيرة العرب..!
شيئ ما في هذا المكان يجعلك مثل أمير عبّاسي..الحياة هنا قابلة للتطريب..أسراب طيور تفر اجنحتها في البَرَوِّد، والحكاية طويلة ولا تنتهي، بين أم قيردون الحاجّة، والبُغُج..منذ الطفولة، وهما يطاران بعضهما فوق التّبس والجّريد، وعلى حوائط البرندات..الناس في بلدي لا يكفون عن إتّهام البُغج بأنه “زُنّان”..!
بُيوت الطين دافئة في الشتاء، باردة في الصيف..الله مُقسّم الارزاق، جعل ارزاقهم في التِحتانية..لن يجوعوا أبداً ، طالما أن هذا النيل يجري من الشرق الى الغرب ثم ينجرف نحو الشمال.يزرعون كل شيئ تقريباً ..الحِنطة و المَريق والويكة والجرجير..الشمّام والشمار، وأخيراً أدخلوا في الحقول زراعة البطاطس. في الليل يعشقون الطنابير و الكشاتين، و ما عادت القنوات الفضائية تستقطب المعجبين.. كنت أحتاج ثلاثة أيام للوصول إلى هنا، لكن الآن، البص السريع”جنا اليابان” دخل بي الحِلّة في خمس ساعات..
حقّ الله ، بقّ الله ــ سلام سلام.. وعصراً بدري كنت معهم، فوق قوز نُقد الله.. وبدأ القرقراب..!
سألني الرفاعي القاضي،وهو رجل من القريتين عظيم..الرُّفاعي لم يقيم حتى هذه اللحظة،علاقة عاطفية مع هذا الموبايل..!
سألني: آآ زول.. الخبر شنو..؟ جيت متين..!؟
قبل أن أجيب عليه قال:”أصلو ياهو حالك، نسمع بيك جِيت، وباكر نسمع بيك دقّيت خلْفِي..زي التّقول جاي تشوت ليك “ضربات جزاء”..!
وسألني : الحكومة كيف..؟!
قررت أن أكون لديحاً معه في الكلام..قلت له:”تسألني عن الحكومة، إنت قالوا ليك أنا حامد ممتاز”..!؟
قال، ما يدُل على أنه بتابع أخبار الخرطوم بدقّة : والله ،الشِّويفع دا مو هيّنْ..!
ثم استدرك قائلاً: لكن كلّهم زي بعض..الكيزان ديل كلّهم يشبهوا بعض..عليك أمان الله، زي “قطِعْ فضُلْ”..!
وقد كان فضُل هذا اسكافياً ماهِراً، اشتهر في سوق تنقسي، بصناعة المراكيب من جلود الشياه..!
وانطلق الرفاعي القاضي في الحكاوي:ــ تعرف يا خينا،، السنة ديك، البحر زنق الجزيري زنقة جدّ..نزلنا التحتانية، قلنا نقيف نترُس البحر..يا زول أخدنا الضّحوية كلها ونحن مُتكربين فوق الجُسُر..أها، شويتين،أشوف بُطان حلّة حمور، بي واِحد واحد، بِقوا يِتْسرّتوا..!
عاينت يمين شمال، لقيت ليك صاحبي صديق المرضي، ماسك الكوريق يملا في الشوالات..برّاحة مشيت جمبو، وقلت ليهو:ــ يازول..إنت ما فيك راس..؟ الجزيري دي،أكان كلّها حِتْلتْ جوّا الموية، نِحن خسرانين شنو،غير قبضة القش دي..!؟ مو ياها جِغيمة اللّبن دي..؟ حرّم أنا هسه أمشي دكان الحليبي اشتري لغنماية اللبن “كابتِن ماجِد” وخلاس..تاني شنو..؟ أمرُق يا زول..دا ما هو بحراً يِتْقَرِع..امرُق ياخي..ما تدّينا الرّيق..!
أها يا زول، اتْنفّضنا من الطين ومرقنا..!
بعد شويتين، أول ما طلعنا جبل ستّي عاشة، سمعنا الكواريك..عوووك عرورووك..الحصل شنو..؟ قالوا البلد غِرقَتْ..! يا زول، خلهّا التّغَرَقْ،أصلها بلدنا دي فيها ضريح سيدي الحسن..!؟
ضحِكنا،إلا هو..كان يقول: البلد كانت سمحي، قبّال ما يدخلوها “الدّبايب”..!
كان يعني شيئاً آخر،غير هذه الزواحف التي تكاثرت مع دخول الصينيين عالم الاستثمار في بلادنا العزيزة..!
سألته: أدّيني رقم الموبايل عشان اتّصل بيك من الخرطوم..
فقال بحسم: مابدرو كَشرو، وما سَعيتو..!
ـــ ليه ما سَعيتو..؟
قال: يازول الموبايل دا مو عدلي..الدّايرني يجيني، وأنا الدايرو بَمْشِي ليهو..!
ــ أتاريك زول “كُدّة”، خايف من شحن الرّصيد..!
• * الرّصيد ما هِميّة، لكن الداهي دا، يعلِّم الزّول الكِضِبْ..!
ــ ويعني إنت ما بتعرِف تكضِّبْ..!؟
ــ ما بكضِّب كيفِنْ..؟ أكان ما كضّبتَ، بتقدر تعيش مع الجّبهجية ديل..!؟