تأملات في فن سيف الدين حسن .. بقلم: م/محمد موسى ابراهيم


Mohamedmosa.imam@gmail.com
(1)
عندما دلفت الى معرض الفنان سيف الدين لأول مرة والذي تم افتتاحه في صالة المعهد الفرنسي بالخرطوم, علمت يقينا بأنني أمام فنان مطبوع ملتزم من طينة نادرة وبالتالي يجب التعامل معه بذات المعيارية. إذ أول ما يشد إنتباه المتلقي داخل صالة العرض هو كثافة في الكم وتعدّد في الموضوع وتنوّع في الأسلوب, وهذا ما يطرح العديد من التساؤل لدى المتلقي, خصوصا ذاك المتلقي الخبير ذو الخلفية الفنية . السؤال التلقائي الذي يمكن أن يطرحه أي زائر/متلقي عادي لمعرض الفنان سيف الدين هو : ما العلاقة بين التصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي؟ وهل يصمد العمل التشكيلي أمام دقة التصوير الكاميرا/الصَوّارة (وأصلها القُمرة)؟ . كل هذه الأسئلة تصب في خانة إمكانية تقليد/محاكاةالفنان/الرسام للطبيعة. وبالتالي في وقت ما إعتقد الفنانين أن دخول التصوير الفوتوغرافي الى عالم الفن يمكن أن يُغني عن فن الرسم الذي يعتمده الفنان في تقليده للطبيعة. لذلك نجد أن الفنان سيف الدين نقل زُوّاره بطريقة سلسة وذكية جدا من أعتاب القرن الواحد وعشرين ورجع بهم إلى مرحلة مهمة من تاريخ الفنون التشكيلية وهي المرحلة الفاصلة بين التقليد/المحاكاة ودخول فن التصوير الضوئي وذلك خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين .
إن نجاح فن التصوير الفوتوغرافي في تسجيل مظاهر الأشياء أدى في ذلك الوقت بجماعة من الرسامين العصريين إلى إزدراء الرسم التقليدي, وإلى البحث عن أسلوب جديد في التعبير لا يعتمد على محاكاة الطبيعة, فبدأ الرسامون الحَوَشِيّونْfauvists بما يسمّونه تحريف الطبيعة distortion في رسوماتهم. وأشهرهم–وليس حصرا- الفنان ذي الصيت الواسع هنري ماتيس وأندري ديران وموريس دي فلامينك . بدؤوا في أعمالهم يحرّفون عمدا مظاهر الأشياء ويُغيّرون في أحجامها ونسبها وألوانها حتى تنتظم أجزاء الرسومات لديهم وتتجلّى في نسق جديد من الخطوط والألوان تؤكد التعبير العاطفي المنشود, فاستحدثوا لونا مختلفا وأسلوبا جديدافي الفن أصبح فيما بعد يشكل مدرسة هامة في تاريخ الفنون التشكيلية يصعب تجاوزها. ومن بعد الحَوَشِيّونْ fauvists جاء التكعيبيون cubism(ظهرت في فرنسا بداية القرن العشرين) برسوماتهم المجرّدة والذين تأتي فلسفتهم مُضَمّنَة فيالتساؤل التالي: ما الذي يمنع أن يكون للفنان/الرسام كامل الحرية في تأليف رسوماته وبنائها من أشكال وألوان لا تمت الى الطبيعة بصلة ؟. بمعنى آخر أن يبتدع الفنان رسومات يستعمل فيها الخطوط والألوان لا لمحاكاة شيئ له وجود في الطبيعة, بل لمجرد جمالها الذاتي. ففي هذه الفلسفة إعتقاد جوهري بأن لهذه الخطوط والألوان المجرّدة عن كل صلة بالطبيعة, قدرة بالغة على التأثير في عواطف الإنسان تأثيرا مباشرا وعميقا. ولقد واجه هؤلاء الفنانين في طريقهم الفني مشاكل مزدوجة : منها ما يخص الأسلوب ومنها ما يتصل بمادة الموضوعات, ولكن مهما كان الأمر فإن هؤلاء الفنانين أصحاب المدرستين المختلفتين الحَوَشِيّونْ fauvists والتكعيبيون cubism قد أضافوا أسلوبا جديدا إلى أساليب الفن المعروفة للرسام سواء في الماضي أو الحاضر. أما من ناحية الموضوعات فإننا عندما نستقصيأثر التاريخ فسوف نجد أن فن الرسم في تلك الحقبة قد خرج عن دائرة الواقع,حيث كان الرسام في ذلك الوقت خادما لرجال الدين وخادما للأمير والقاضي والقائد , ولكن بعد دخول آلة التصوير الفوتوغرافي والمطبعة الى مجال الفن فإن الفنان يجد نفسه تلقائيا في حِلْتام من كل إلتزام تجاه أي جهة ما. فهو إذا يُعَد ضمن الأحرار. ولكن هل الموضوعات المتناولة في ذلك الوقت بذات القدر من الأهمية بحيث أنها تخدم الإنسان في تلك البيئة وذلك الزمان؟, أم أن الرسم كان من أجل الرسم فقط بمعنى الفن للفن, أي الرسم من اجل الترفيه كما يحسبه التكعيبيون ؟ لقد تساءل مسيو أوزانفان أحد رواد التكعيبية ذات مرة :”أيمكن لحضارتنا القائمة على العقل, وهي في هذا الطور الذي تسود فيه الآلات أن تكون بحاجة الى الرسم؟” ثم يجيب على سؤاله : “نعم , فالفنون التشكيلية الى جانب الموسيقى والشعر هي خير الوسائل للترفيه عنا والتسامي بنا فوق هذا العالم الممل – عالم الحقائق” . ولكن من وجهة نظر أخرى نجد أن هذا التساؤل وهذه الإجابة تجعلنا نتسائل مرة أخرى عن كينونة اللذة النابعة من الذوق تجاه هذا العمل الفني الذي نراه تارة عملا ترفيهيا ليس إلاّ , وتارات أخرى نجده ضرورة ملحة لسد حاجات وجدانية خالصة. إذاً,لماذا يغمرنا هذا الشعور باللذة عند رؤية عمل فني ما؟ هل هذه اللذة تدور حول تركيز مجمل المعلومات ذات الصبغة النمطيةالتي تم استدراكها في هذا العمل الفني ؟ بصرف النظر عن ما إذا كان لهذا العمل الفني صلة ما بالشعور الجمالي أوالقيم الفنية؟ أم أنه مجرّد شعور وحسب ؟ . للإجابة على هكذا تساؤل علينا إجراء مقارنة بسيطة بين الفن والدين, فالدفء الذي نحسّه والقشعريرة التي تنتابنا تجاه الدين هو ذات الدفء والقشعريرة الذي نحسّه ونستشعره تجاه الفن, إذ كليهما تصطبغ عليهما ذات القدسية من ذات عين المكان النابض في القلب, أليس الفن والدين وجهان لعملة واحدة وهي الروح ؟ . بالتالي, نجد في ذات المقاربة أن ذات عين السبب السرمدي الذي جعل الإنسان يحتاج فيه إلى (إله ما)يقيه من غضب الطبيعة ويحميه من شرور المدلهمات ويصرف عنه نوائب الدهر هو ذات السبب الذي يجعله يلجأ الى الفن كوسيلة مُثلى لتحقيق رغبات عميقة مُسْتَسِرّة في نفسه محببة الى قلبه. وما الصعوبة والعنت الذي يواجهه الأدباء والكُتاب في تعريف الفن إلا إنما يرجع بالأساس إلى غموض هذه الرغبات وسترها في خبايا العقل الباطن .
(2)
يضم معرض الفنان سيف الدين ثلاثة أعمال نحت وأربعة وعشرونصورة فوتوغرافية وثلاث وثلاثون لوحة تشكيلية معالجة بأساليب مختلفة . تم معالجة البعض منها على أسلوب التلوين والبعض الآخر على أسلوب القرافيك, كما اعتمد الفنان في معالجة لوحات أخرى على دمج أسلوبين مع بعض كالتصوير والتلوين , والتصوير مع القرافيك وفي لوحات أخرى كان الرسم الحر بالحبر الصيني.حيث تم توزيع هذه القطع الفنية في مساحة لا تتجاوز المئة وخمسون متر مربع . لذلك أتى تساؤلنا المباشر للفنان عند لقاءنا به كالتالي :
س/ ونحن في في رحاب معرضك نرى هناك كثافة في الكم والعدد وتنوع الموضوع.. لما هذا المعرض الآن ؟
ج/ “لا أعتقد ولا أظن ولم أسمع أن ثمة نزاع نشأ في المنابر التشكيلية منذ أن عرفها العالم بشكلها المتعارف عليه الآن ينتقص وينتقد أو يقلل من تدفق إنتاج المبدع . إن الذي يهم هو ما يقدمه التشكيلي للمتلقي عندما يقف المبدع بنفسه وعقله وجسده ليعيد إنتاج مشاعره إن كان ذلك عبر الرسم أو التلوين أو النحت أو التصوير الفوتوغرافي وهذا هو بالضبط ما حواه معرضي لأجل خلق صورة جديدة للواقع تساعد على الإحساس بالحياة والشعور بالأشياء لأخلق بذلك توازنا اختل تحت ظل العولمة والأنظمة القهرية الإستبدادية ومن يقفون خلفها , لقد أرّخ المعرض لفترات شتى في حياتي الفنية ظهر ذلك جليا في المواد المستخدمة والتكنيك من فترة لأخرى إلا أن هناك قاسما مشتركا بينها كلها وهو العقل الذي وقف خلفها كلها, فهو هو – أي العقل – بذاته لم يتزحزح عن مبادئه كنصير للحرية والعدالة والمساواة جاعلا من العمل الفني رسالة تكون وظيفتها الجمالية هي المهيمنة فيها كعنصر قوي فاعل وفعال .” اهـ
من خلال هذه الإجابة نجد أن للفنان رسالة قوية يرمي بها إلى المتلقي وإلى الساحة الفنية والإجتماعية والسياسية يدعو فيها الجميع إلى السوح في رياض العدالة والمساواة . إن ما يعانيه الفنان في القرن الواحد وعشرين هو ذات الأزمة التي عاشها فنان القرن التاسع عشر مع اختلاف طفيف, لذلك يشير الفنان سيف الدين الى الركون والوثوق بالعقل والإعتماد على المبادئ الأصيلة في حياتنا.
وعند سؤاله عن تجربته الفنية أجاب الفنان سيف الدين .” لا جدال أن التجربة الفنية يجب أن تكون مبنية على عملية عقلية واعية قاصدة وليس حزمة انفعالات, وهدفي في تجربتي في هذا الضرب من الإبداع هو الإجتهاد لخلق صورة جديدة لواقعنا المعاش وفقا لمنظوري الفكري له . فالتحكم في التجربة وتحويلها إلى مخزون فكري ومن ثم نحوّل ذلك المخزون إلى تعبير .. أي مرحلة تحويل المواد إلى موضوع مشكّل بعيدا عن حزمة الإنفعالات . فالإلمام بأبجديات التشكيل يصير هنا ضرورة ولابد أن يكون ذلك مصحوبا بمتعة قصوى . إنني عندما ألوّن أو أرسم أو أنحت أو ألتقط صورة أو أكتب فإنني أعمل بيدي وعقلي وروحي إن جاز التعبير .. عندها أحس أو أشعر أنني أقوم بإنتاج ضرب من ضروب التشكيل القاصدة وجوبا .. والمسألة هنا إبتكار جديد ولكنه يقينا يجب أن يكون مسنودا على إرث تليد ” اهـ
إن ما يتحدث عنه الفنان سيف الدين هنا ليس الفن من أجل الفن , ولا يدعو إلى إنفصال الفن/الرسم من واقع الإنسان باعتباره ترفاً يُقصد به الترفيه عن الناس, بل هو يُعنى بفنه وعمله إلى تكريس مبدأ الفن النفعي الصرف, ذاك الفن الغرضي الذي يُنتفع به سواء على الصعيد الروحي والوجداني أو على الصعيد العملي والوظيفي , فبحكم تجربته في هندسة العمارة الداخلية نجد تجسيدا بيّنا لما سبق من مقولاته, وبحكم كونه فناناً تشكيلياً وكاتباً روائياً نجده يُعضض هذا القول وهذه الأفكار فيفرد لها مساحة كافية من التنظير حتى إذا ما استحكمت حلقاتها بدأ في التنفيذ وبناء العمل سواء لوحة تشكيلية أو مجسّم منحوت أو مجسّمات يساهم بها في تجميل المدن.
إن معرض الفنان سيف الدين يعتبر فرصة لطلبة كلية الفنون الجميلة للتعرف على الخامات والأساليب المختلفة في الرسم , إذ قلّما نجد تنوّع في الخامات والأساليب في معرض واحد , كما قلّما نجد معرضا لفنان موسوعي متعدد المواهب والمشارب, والأستاذ سيف الدين نجده قد أخذ بناصية النحت فأجاده وفن التصوير كان صيادا ماهرا للحظات الثمينة وفي الفن التشكيلي يعتبر من المجرّبين لمختلف الأساليبفقد جمع فأوعى, أما في مجال هندسة العمارة الداخلية تعتبر أعماله منارة تشع في قلب العاصمة الخرطوم . وكان للسرد دور مهم في تشكيل حياة وجوهر الفنان سيف الدين فبذ المجيدين في الأدب الروائي بثلاثيته العصماء .رواية (الزمن الفضائي المعوج 2001م) و(ملكة الشمس والجان 2006م) و(رجل من زمن منعكس 2014م). أليس الفنان هو من يُحقق أحلام الآخرين ؟

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً