تبا لها من وظائف: السلطة عديمة الإنسانية .. بقلم: خالد فضل

 

في البدء أجدد الترحم على أرواح شهداء الثورة السودانية الباسلة , أدعو بالشفاء العاجل لكل الجرحى والمصابين , وأطالب بقوة بإطلاق سراح المعتقلين الشرفاء , أحسُّ بحرقة الحشا التي تكوي قلوب أمهات وآباء , وبحجم الأسى والفجيعة التي تظلل أسر سودانية كريمة , أهل وأصدقاء وزملاء ومعارف , ولعل كل كلمات المواساة لا تساوي مثقال ذرة من حجم الألم الحقيقي الذي يعتصر تلك القلوب , لقد جرب كل واحد منا في هذه الحياة وجع فقد الأعزاء , ولولا رحمة الله التي تجعل الحزن يولد كبيرا ثمّ يصغر لقضت الأحزان على البشر , ويتعمق الأسى كون أولئك الشهداء والمصابين إنّما قتلوا ظلما وجرحوا عدوانا , كانت تطلعاتهم قُبيل رحيلهم الفاجع حياة كريمة حرّة معافاة ليس لهم وحدهم بصورة أنانية بل لوطنهم ولشعبهم الكريم , فماتوا على حسن الخاتمة وأكرم به من موت في سبيل الغايات النبيلة , غادروا بأجسادهم وانتقلت أرواحهم إلى رحاب الخالق الذي لا يظلم في رحابه أحد فأنعموا بجوار الرب أيّها الأخيار , وماشين في السكة نمد من سيرتك للجايين . 

ولكن ألا يستحق النظر فعلا هذه الوعثاء الإنسانية الموغلة في الوحشية التي تسببها السلطة المستبدة لمجموعة البشر المتسلطين , ألا ينطبق عليهم قول الراحل مصطفى سيد أحمد ما بتحيّر بين الفوق وبين الناس التحتانية إلا مغيّر ولا عقوق ولاّ كفيف الإنسانية , أليس الواحد/ة منهم/ن , قد ولدته أمّ , أ لديهم أسر , أبناء , إخوة وأخوات وأهل , أم همو هكذا قطعوا من أي وشيجة تجمعهم بالإحساس الإنساني , تبا لها المناصب , ماذا يعني لقب رئيس أو وزير أو مدير ؟ماذا تعني المخصصات المالية واللوجستية والتسهيلات المادية , ماذا يعني لقب سيادتك ؟ وهل الحياة السعيدة الهانئة تتطلب قطع الوشيجة مع الإنسانية ؟ تبا لها الوظائف الوضيعة التي لا تخدم بني البشر من عامة المواطنين قبل أهل الحظوة منهم . لقد حاولت تتبع خطابات وتصريحات من يقال عنهم مسؤولو الحكومة وتوابعهم منذ إندلاع ثورة الشعب في المدن والريف في معظم أرجاء السودان , تابعت خطابهم من الرئيس إلى أصغر واحد فيهم , كنت أبحث عن خيط واهن يربطهم بالإنسانية , مُشفقا عليهم من هذه الورطة والمأزق الإنساني , فرسبوا جميعهم , لم يفتح الله على الرئيس البشير بكلمة مواساة أو تعزية واحدة للأسر السودانية الكريمة التي فقدت أحد أبنائها بالرصاص في شوارع المدن السودانية المختلفة , تعزية فقط فيمن فقدوا أرواحهم ؛ وليعتذر بأنّ المارقين والخونة وعبدالواحد هم من قتلوا القتلى , وكان خطابه في ذكرى الإستقلال خلوا من الإشارة إلى الدماء المسفوحة عند عتبات حدائق قصره المنيف , كأن لم تجر تلكم الدماء من أوردة وشرايين أناس بشر مثلهم مثله , وهو الذي يباهي بدماء الشهداء من قيادات تنظيمه ممن قضوا بالطائرات أو في أتون الحرب الأهلية في جنوب السودان السابق , ولا عتب على هولاء , فعلي عثمان بعد أن تنحنح وبسر ثم نظر ودبّر وفكّر جادت قريحته المتقدة , وحسّه الإنساني المرهف بحكاية كتائب الظل , وضرب مثله بخشم الأسد الذي افترس الحكم والسلطان , أمّا الفاتح عزالدين فقد جاب الرجالة من قرونا وهو يتوعد الشعب بعد إسبوع بالويل والثبور وقطع الرؤوس ! لم يكترثوا لحشا أمّهات يتمزق في لحظة خطبهم الحماسية , آباء يلوذون بصمت الحزن الدفين , شقيقات وأشقاء يتراءى لهم الشهيد في كل ركن من أركان البيت الكئيب , هذا قميصه , جزمته الإسبورت, اللاب توب , والتي شيرت , وبقايا ضحكته الأخيرة , ولمة الصحاب . ماذا لو كان الشهداء من دمهم ولحمهم , أتراهم كانوا سيقولون ما قالوا أم سيطربون لمن يرقص شماتة فوق جراحهم الغائرة لو كانوا بشرا غنما أو نياق !فالحيوان يحن ويحزن .
لا تثريب على من جعل السلطة مبلغ همته وغاية دنياه وطموح عمره , لا تثريب , فما بال الشاب حسن اسماعيل , الذي ما تزال أصداء كلماته تجلجل في الآذان في تأبين الشهيد السنهوري وشهداء انتفاضة سبتمبر 2013م , ما بال المنصب في الوزارة الولائية ورئاسة المجلس الأعلى لجهة ما, ينسيه ولو إرسال تعزية لرفاق السنهوري وسارة أولئك الذين لحقوا بمن سبقهم على ذات الدرب وبذات القاتل ومن نفس السلطة الكتائبية , وحسن يدعو الشباب للثورة أولا على الأحزاب العجوز التي وقفت على حافة (جراحه) , فتنازعه سلطانا زائفا ومنصبا مضروبا , وهو سيد العارفين . ثورة الشباب يجب أن تزيح الصادق المهدي العجوز والخطيب الشايب ومولانا الميرغني الهرم , وربما مالك عقار وجبريل وعبدالواحد ومناوي وحتى الدقير , ليدوم السلطان للشاب عمر البشير واليافع علي عثمان وزينة الشباب إبراهيم أحمد عمر , وصاحب اليد العليا عليه عبدالرحيم , ولو تمهّل قليلا لجاءه المدد من صنوه في الإستوزار الرخيص الذي يزلزل أحلام الرجال , الأستاذ حاتم السر صاحب الهتاف العبقري ( لا صفوف بعد اليوم ) كأنما الناس قد استقبلوا رصاص القناصة وسياط العذاب وذل الإعتقال طمعا في كراسي وثيرة ينتظرون بها دورهم لمقابلة وجه سعادته الوضئ عوضا عن تراصهم في الصفوف !! لو صبر حسن لجاءه الفرج من بين ثنايا تحيات وأشواق مولانا الميرغني على لسان حاملها حاتم السر أو (كاتم السر ) , والميرغني بعد تلك التحيات الزاكيات لا أظنه عند حسن يحتاج إلى ثورة شباب ضد الحزب العجوز , وثابيتا بنت القسيس عمّنا بطرس شوكاي , وبعد تلاوتها التثليث المسيحي (باسم الأب والابن الروح القدس ) وبيعتها باسم النساء لرمانة البلاد وسر وجودها الأبدي , لم تُحظ بمجاملة (ساي) وخليفتها يهتف بنفسه ( فليعد للدين مجده أو تُرق كل الدماء) , فقدت انسانيتها وسفحت كرامتها تذللا ومن الطبعي ألا تُحظى بإحترام . هولاء التوابع لم يك أحد يتوقع منهم خيرا , ولكنهم كانوا على الأقل يرسلون تعازي مجاملة لأسر القتلى في شوارع الخرطوم , لكنهم مثل أسيادهم فقدوا حتى أدنى حس بالإنسان ولا حول ولا قوة إلا بالله , تبا لها المناصب والمواهي التي تضطر الإنسان ليفقد بقايا إنسانه تبا لها تبا .

wadfadul85@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً