د. أحمد الياس حسين
ahmed.elyas@gmail.com
الجنود المصريون “السمبرايت” في مروي
تناول الأخ العزيز بروف موسى الحواتي في مقاله على الفيسبوك بعضاُ من “تاريخ السودان المدهش … وتحريك السكون” – على حد تعبيره – عندما رجع إلى بعض ما تناوله عن المكون السكاني لمنطقة الجزيرة في العهود السابقة في كتابه “الذاتية السودانية”
تناول بروف الحواتي ما ورد من روايات عن الجنود المصريين الذين انشقوا من جيش الملك المصري بسماتيك الأول 644 – 610 ق م ولجأوا إلى السودان. كما تناول أيضاً بعض ما ورد في المصادر العربية عن السكان وأسماء المناطق والقبائل في السودان القديم وعلاقة ذلك بأسماء القبائل والأماكن الحالية. وقد طلب بروف الحواتي من الأخ العزيز بروف عمر الزاكي و مني المساهمة في “تحريك السكون” وإضافة ما تيسر من “أسماء أماكن وأشخاص تمت لتاريخنا القديم”
وفيما يلى سأعلق على ما أثارة بروف الحواتي عن الجنود المصريين وعن بعض أسماء السكان والأماكن القديمة سعياً – كما طلب – إلى “تحريك السكون”. وقد استعرت عبارته هذه عنواناً لموضوعي “تحريك بعض السكون في تاريخ السودان”. وأبدأ بما ورد عن الجنود المصريين “السمبرايت” وأعتذر عن تأخير هذا الرد بسبب ما عليه أوضاعنا المأساوية والشتات الي نعيضه منذ أبريل 2023.
ما ورد عن الجنود قي المصادر اليونانية والرومانية
أطلق هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد (على هؤلاء الجنود اسم Asmach أسماخ (أزماخ) وذكر أن كلمة Asmach “تعني في اللغة اليونانية أولئك الذين يقفون على يسار الملك، وأوضح أنهم مصريون وعددهم 240000 جندي. وكان هؤلاء الجنود كما ذكر هيرودوت يعسكرون في حامية الفنتين بجوار مدينة أسوان لحماية حدود مصر الجنوبية، وقضوا المدة المقررة للبقاء في الحامية وهي ثلاث أشهر ولم يتم استبدالهم فتمردوا. ولما سمع الملك بذلك حاول استرضاءهم وحثهم أن لا يتركوا أسرهم وآلهة آبائهم. غير أنهم لم يستجيبوا له ولجأوا إلى مملكة مروي حيث استقبلهم ملكها بالترحاب. وأقطعهم ملك مروي أرضاً كانت لبعض أعدائه وأمرهم بطرد سكانها والاستقرار فيها. ويُقدر هيرودوت المسافة بين مروي على النيل إلى منطقة استقرار الجنود جنوب مروي بشهرين. وذكر هيرودوت أن استيطان هؤلاء الجنود في مملكة مروي “جعل أخلاقهم وعاداتهم تنتشر بين الاثيوبيين [المرويين] وتهذب من طباعهم وأساليبهم في الحياة” (هيرودوت، ص 145 – 146 ، (Edie, et at, Vol,1, p 304 – 305
لم تتفق المصادر اليونانية على اسم أولئك الجنود فقد أطلق عليهم هيرودوت الأسماخ. وأطلق عليهم كل من أرستوكريون (في بلبني، ص 20) واراتوثين (في سترابو، ص 68) في القرن الثالث قبل الميلاد وسترابو (ص 121) في القرن الأول الميلادي اسم السمبرايت Sembrites,، لكونهم مهاجرين. وذكر بومبونيوس في القرن الأول الميلادي أنهم “يسمون أوتومول لأنهم نازحون من مصر وذكر أن هيأتهم جميلة ومفتونون بالقوة الجسمانية وأخلاقهم حسنة. (بونبونيوس، ص 133) أتومول Automoli في اللغة اليونانية القديمة تعني المهاجرين.
كما لم تتفق المصادر أيضاً على المكان الذي استقروا فيه. فبينما ذكر هيرودوت أن منطقتهم تقع على بعد شهرين جنوب مروي، اتفق اراتوثين وبيون وارستكريون على وجودهم في جزيرة على النيل جنوب مروي. وذكر بيون أنهم استقروا في مدينة أطلق عليها السمبرايت في جزيرة بينها وبين مروي مسافة 20 يوم، وهي أقرب الجزر لمروي وتحكمها ملكة، وبلغ سكان المدينة كما ذكر اريستوكريون 3000 نسمة. (بليني ص 70، Edie, et al, Vol. 2, p247, 554)
وذكر أرستوكريون أن لهم مدينتان، إحداهما مدينة إيسار على ضفة النيل الغربية وتبعد سبعة عشَر يوماً من مدينة مروي، والمدينة الثانية ديارون وتقع على ضفة النيل الشرقية مقابل مدينة إيسار.” (بليني، ص 70) وذكر بومبونيوس (ص 133) أنهم يسكنون داخل جزيرة مري.
لاحظ بليني أن بيون أعطي اسم سايس لمدينة كانت تسمى إيسار عند أرستكريون. وقال إن هذا الاسم الجديد معناه “قادمون جدد” وأن مدينتهم الرئيسة التي تسمى سمبوبيتيس تقع في جزيرة. وأيضاً لهم مدينة ثالثة تسمى سنات على الضفة الشرقية. (بليني، ص 75)
وقسم سترابو (ص 121) أولئك الجنود إلى قسمين: قسم استقر في جزيرة جنوب مروي نحت حكم امرأة، والقسم الآخر في المناطق الداخلية في شرق السودان، يسكنون منطقة مصائد أفيال تسمى تِنِسّس Tenessis
ويرى لازلو توروك (Torok, in Edie, et el, Vol. 2, p 549) أن مدينة تِنِسّس التي ذكرها سترابو ضمن مدن المناطق الداخلية للبحر الأحمر هي نفسها مدينة تنبسس التي ذكر أرستكريون أنها تقع على النيل على بعد مسافة تمانية أيام من جزيرة السمبرايت وهي مدينة النوبة التابعين لمروي ( Edie, et al, vol, 2, p 547
ويعني هذا أن المصادر اليونانية اتفقت على استقرار أولئك الجنود على النيل جنوب مروي مغ اختلافهم في تقدير المساقة بينهم وبين مروي. وقد ذكر الشاطر بصيلى (Bosayley, p 14) أن أولئك الجنود المتمردون استقروا في جزيرة السمبرايت في منطقة الجزيرة الحالية. ولا يتوافق هذ مع ما ذكره اراتوثين وبيون وارستكريون – أعلاه – على وجودهم في جزيرة على النيل جنوب مروي.
وقد نقل الشاطر بصيلي (Bosayley, p 14) عن جون جرستنج John Garstang, Meroe City. An Ancient African Capital أن أولئك الجنود استقروا في على شاطئ بحيرة بسبو Psebo الخصب. ويبدو مقبولاً أن البحيرة المذكورة هي التي ذكر سترابو وقوعها جنوب مروي قائلاً:
“خلف مروي تقع بحيرة بسبو، وهي بحيرة كبيرة تضم جزيرة مكتظة بالسكان. يسيطر الليبيون على الأرض الواقعة على الضفة الغربية لنهر النيل، بينما يسيطر الإثيوبيين على الضفة المقابلة، وكانوا يتناوبون على السيطرة على الجزر والأراضي النهرية، حيث يُطرد أحد الطرفين ويستسلم للطرف الآخر.” (Edie, et al, Vol, 2, p 816)
كما ذكر أجاثرخيدس (في ديودور، ص 97): “يوجد في المنطقة الليبية من البلاد بمحاذات النيل منطقة في غاية من الجمال تنتج أصنافاً متنوعة من الطعام … ينازع على ملكيتها الاثيوبيون والليبيون” ويبدو أن تلك الجزيرة تقع في المنطقة التي وصفها أجاثرخيدس والتي يتصارع عليها المرويين والنوبة.
والاثيوبيون مقصود بهم المرويون، والليبيون هنا هم النوبة الذين قال عنهم اراتوثين “وفي المنطقة غرب النيل في ليبيا يعيش النوباي Nubai، قبيلة كبيرة تبدأ عند مروي وتستمر حتى انحناءة النهر. هؤلاء لا يخضعون للاثيوبيين، فهم منقسمون إلى عدة ممالك منفصلة عن بعضها البعض.” (Edie,et al, Vol. 2, p 559) والنيل هنا مقصود به نهر النيل لأن اراتوثين – في هذا النص – يرجع إلى المنطقة الواقعة بين مروي وانحناءة النيل.
ويبدو واضحاً أن تلك البحيرة التي استقر عليها أولئك الجنود – كما نقل الشاطر بصيلي – قد ارتبط ذكرها بنهر النيل أو النيل الأبيض لا بالنيل الأزرق. ويلاحظ أن بعثة الامبراطور الروماني نيرون في القرن الأول لاكتشاف مصدر النيل قد توغلت في النيل الأبيض ووصفت منطقة السدود لم تذكر وجود بحيرة في المنطقة كما ذكر المؤرخ الروماني سينيكا. (Edie, et al, Vol. 3, p 892)
“ذكروا كيف سافروا مسافة طويلة حتى وصلوا بمساعدة ملك إثيوبيا وتوصياته إلى الملوك المجاورين، إلى مناطق نائية للغاية.بعد أيام عديدة. وذكروا أنهم وصلوا “إلى امتداد هائل من مستنقعات لم يعرف السكان الأصليون لها منفذاً، ولا يمكن لأحد أن يأمل في إيجاد منفذ لها، فقد غطت الأعشاب المياهَ بكثافة. وهي أرضٌ مستعصيةٌ على المشاة وعلى القوارب”
وليس من السل التعرف على تلك البحيرة (وجزيرتها) التي استقر على شاطئها أولئك الجنود كما نفل الشاطر بصيلي، ولكن ما أن ما ورد عنها في المصادر لا يربطها بالنيل الأزرق. ويرى بدج (Budge, Vol. 2, p 106) بناءً على تقدير هيرودوت (شهرين من مروي) أنها تقع على النيل الأبيض. ولا يتوافق هذا مع ما نقله الشاطر بصيلى من استقرار أولئك الجنود في منطقة الجزيرة الحالية (بين النيلين الأزرق والأبيض)
كما رجع بروف الحواتي أيضاً إلى ما ذكره الشاطر بصيلي عن أولئك الجنود حيث ذكر أنهم تمردوا في عصر الملك بسمتيك الثاني 591 – 488 ق م. (Bosayley, p 13-14) فالمصادر اليونانية والرومانية لم توضح هل حدث ذلك التمرد في عصر بسمتيك الأول أم بسمتيك الثاني. فقد ذكرت أن ذلك حدث في عصر الملك بسمتيك دون أن توضيح. لكن أوضحت المراجع أن تمرد الجنود ولجوئهم لمملكة مروي حدث في عصر الملك بسمتيك الأول. (سليم حشن، ج 12 ص 472 – 473، (Budge, Vol. 2, p106, Edie, et al, Vol. 1. P 307
كما ذكر الشاطر بصيلي أن أولئك الجنود وثقوا وجودهم في نقش على معبد أبو سمبل الذي جاء فيه اسم الجنرال Bsamitichis أبن ثيوكليس قائد المرتزقة. وسيأتي التعليق على ذلك في الموضوع التالي.
الاسم الذي أطلق على أولئك الجنود
لم تتفق المصادر اليونانية والرومانية حول اسم أولئك الجنود، فقد جاءت الإشارة إليهم – كما ذكرنا أعلاه – بأسماء أسماخ وسمبرايت واتومول. ذكر هيرودوت أن أسماخ تعني في اللغة اليونانية “أولئك الذين يقفون على يسار الملك”. وذكر بومبونيوس يسمون أوتومول لأنهم نازحون من مصر.
وذكر بدج أن الملك بسماتيك الأول أعطى الجنود المرتزقة شرف الوقوف على يمينه عندما يستعرض جيشه، فالصحيح عند بدج أن الجنود يقفون على “يمين الملك” وليس على يساره كما ورد في رواية هيرودوت. ويرى أن هنالك اختلاف بين الباحثين في قراء كلمة أسماخ Asmach ودلالتها (Budge, Vol. 2, p 54 – 55)
ويرى توروك – اعتماداً على مصادره – أن معنى كلمة “أسماخ” غير معروف، وأن الجنود المتمردون يظهرون بأسماء مختلفة في الأدب الكلاسيكي اللاحق، وهي أسماء غامضة بنفس القدر. كما ان اشتقاق كلمة أسماخ من الكلمة المصرية sm¢y، التي تعني “يسار” أمر مشكوك فيه للغاية حتى لو بدا أنه مدعوم بالدلالة العسكرية، “يقفون على يسار الملك في المعارك” (Torok, in Edie et al, Vol. 1, p 307) كما شك الباحثون أيضاَ في الرقم الذي ذكره هيرودوت (240000) لأولئك الجنود (Torok, in Edie, et al, Vol. 1, p 307; Budge, Vol. 2, p 54)
وكان أولئك الجنود كما ذكر هيرودوت يعسكرون في حامية الفنتين لحماية حدود مصر الجنوبية، وقضوا المدة المقررة للبقاء في الحامية وهي ثلاث أشهر ولم يتم استبدالهم فثاروا ولجأوا إلى مملكة مروي. كان بسماتيك قد استعان في هزيمته للأشوريين وتوطيد أركان حكمه بالجنود المرتزقة وأغلبهم من اليونانيين والكاريين، وهؤلاء من منطقة الأناضول جنوب غرب تركيا أشتهر سكانها بالعمل كجنود مرتزقة في ذلك الوقت. اتخذ بسماتيك من جنده الجدد حرساً خاصاً وحاميات للحدود وقل اعتماده على الجنود المصريين. (عبد العزيز صالح، ج1 ص 436)
ويلاحظ أن هيرودوت ذكر أن “استقرار أولئك الجنود في مروي أدى إلى تهذيب طباع وأساليب حياة السودانيين” ويتعارض ذلك مع حقيقية أن حضارة السودان قد بدأت منذ زمن طويل قبل عصر هؤلاء الجنود. فحضارة السودان بدأت منذ نهاية الألف الرابع قبل الميلاد بقيام مملكة تاستي، وتواصلت في دولة كوش الأولى في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ثم دولة كوش الثانية التي عاصرها هيرودوت. تواصل كل ذلك التراث قبل عصر جنود بسماتيك بأكثر من ألفي سنة. كما ان بسماتيك نفسه تولى الحكم بعد نهاية حكم ملوك نبتة الكوشيين لمصر قبل أن يلجأ إليها جنود بسماتك كما ذكر هيرودوت.
ورأي هيرودوت هذا يتعارض مع ما ورد في التراث اليوناني من أصالة الحضارة السودانية، فقد نقل ديودور الصقلي عن أجاثرخيدس أن “الاثيوبيين من أقدم البشر … أول من علم الناس تقديس الآلهة وتقديم القرابين لها … ويقولون أن المصريين هم مستوطنون ينتمون إليهم.” (ديودور الصقلي، ص 89)
ونواصل: المقال التالي هل أولئك الجنود مصريون أم ليبيون أم سودانيون؟ وهل ما ذكره الشاطر بصيلي عن نقش أبو سنبل يخص أولئك الجنود؟
المراجـع
• بليني، التاريخ الطبيعي في سامية بشير دفع الله، السودان في كتب اليونان والرومان
• بومبونبوس، وصف الأماكن، سامية بشير دفع الله، السودان في كتب اليونان والرومان
• ديودور الصقلي، ببليوتيكا. في سامية بشير دفع الله، السودان في كتب اليونان والرومان
• سامية بشير دفع الله، السودان في كتب اليونان والرومان، السودان: جامعة السودان المفتوحة 2008
• سترابو، كتاب الجغرافيا، سامية بشير دفع الله، السودان في كتب اليونان والرومان
• سليم حسن، مصر القديمة ج 12، القاهرة: مطبعة جامعة القاهرة 1957
• عبد العزيز صالح، الشرق الأدنى القديم: مصر والعراق، منتدى سور الأزبكية 2012.
• هيرودوت، تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله الملاح، أبو ظبي: المجمع الثقافي 2001
• Bosayley, al Shater, Greek Influence in the valley of the Blue Nile, Sudan Historical Dtudies, Note No. 1, 1945.
• Budge, E. A. Wallis, the Egyptian Sudan,its History and Monuments, Kigan Paul 1907.
• Edie, Tormond, et al, Font Historiae Nubiorum, Bergen, University of Bergen 1994.
• Seneca, Naturales quaestiones. In Edie, et al, Font Historiae Nubiorum.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم