تداعيات: في رثاء علوية .. بقلم: د.مصطفى أحمد علي/ الرباط
15 نوفمبر, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
57 زيارة
وللواجد المكروب من زفراته سكون عزاء أو سكون لغوب
“أبو الطيب المتنبي”
هذه معان كانت تجول بخاطري، وأنا في سماء المتوسط بين البيضاء والقاهرة، وقد أمضني الألم،واضطرب الذهن ، بحثا عن عزاء في الذكريات..معان وخواطر قيدتها في قصاصات، عثرت على بعض منها وأضعت أكثرها.
(1)
عهده بمراتع طفولته وصباه،والماء وفير في الأرض وفي السماء، في نيالا “البحير”سقاها الله.وعهده بوادي “برلي”،يرسم حدود المدينة من ناحية الجنوب، أو هو يفصلها عن شقها الجنوبي المسمى “كوريا”.كانت مشاعر المهابة والرهبة والخوف والغموض معاني أجلى ما تكون، حينما تقترن بوادي “برلي” في موسم الخريف.يهدر ويرغي ويزبد ويقتلع الأشجار الضخام والجنادل والصخور، ويفتك بالناس والأنعام.كان خيال الطفل معلقا بالوادي وحكايات الوادي وصورة الوادي المتباينة المتناقضة .يغدو كائنا حيا، أقرب إلى الجبروت في موسم الخريف، وإلى الوداعة والأمن وأسباب الخصب والرواء في مواسم “الدرت” والشتاء والصيف التي تعقب الخريف وتسبقه، يسقي المدينة من مئات الآبار السطحية المسماة ب”الجمَام”، وتنتشر على امتداد مرقد الوادي ما بين المشرق والمغرب.لم تكن آبار “الجمَام” حكرا على وادي “برلي”،بل كانت موردا للسقيا في روافده، نحو “عريجو” المنحدر من الشمال إلى الجنوب.ولم يكن “عريجو” واديا في اصطلاحهم، وإنما كان “رِجْلا” ترفد الوادي،وادي “برلي”.
تأمل في قاموس القوم، فألفاه غنيا بألفاظ السقيا ومظان المياه،على تنوعها واختلاف معانيها ودلالاتها:رجل، وسانية، وتمد، وعدَ، ورهد، وإضية….ما من لفظ إلا وله معنى يميزه عن غيره، وما من لفظ إلا وله معنى هامد خامل في معاجم الفصحى وقواميسها، لا تنطق به الألسنة، بينما هو حي، ذو هيئة تميزه، ينبض بالحياة، تسمعه الآذان، وتردده ألسنة القوم، وتبين معناه. كان “الجمام” يتخذ هيئة بئر رملية سطحية قريبة القاع، بل هي أقرب شيء للحوض الرملي الذي تقدر على صنعه أكف الصغار في بطن الوادي الرملي عقب انحسار الماء في أعقاب الخريف.كان ذلك موسم الخصب ومسرح الغزلان والدجاج البري والحبارى …كان موسم القنص والصيد والترويح عن النفس في ظلال الأشجار وأحضان الوديان ، يهرعون إليها خفافا من كل زاد، مطمئنين إلى وفرة الماء ووفرة الصيد.
(2)
دارت بخلده أبيات عبد الله الطيب:
وتفاحتا فهدين من تحت نحرها وأبعد نولا من نياط الكواكب
وأنت غريب في بلاد غريبة ألست إلى مثواك يوما بآيب
لم تسترجعها ذاكرته جملة واحدة.”جمت”الكلمات والأبيات هونا ما حتى اطمأن إلى أنها اكتملت في ذاكرته.مال إلى مادة جمَ فهي في ذائقته أقرب إلى وصف اتقاد الذاكرة كنار “العويش”، وأفصح من مادة جمع، لا يحفل في ذلك بما تقوله المعاجم وما يدور في خلد أهل اللغة.
تأمل في طيف شيخه، جالسا في مقصف لندني، والمشاعر تتقد في خلده، والإحساسات تسري في جسده ، والحسن والجمال يحيطان بالمكان، والفتنة تلح عليه أن يقتنصها ، فلا يجسر عليها،تبصرها عيناه، ولا تدركها يداه.ما الذي ألجأه إلى حديث أم زرع وأبي زرع، فاستدعاه من نحو أربعة عشر قرنا، من عند واد غير ذي زرع، إلى حانات لندن ومقاصفها، في أعقاب الحرب؟ما أعظم افتتان الفقير حينذاك بمباهج الحضارة ومفاتنها، بل ما أشد تبرمه بأغلال المجتمع وقيود الإرث وصرامة التقاليد؟
ذكرته أبيات شيخه بكلمة إدريس جماع في الفتنة البادية للعيان، البعيدة المنال:
أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا
هل نظر أحدهما إلى الآخر ، أم هو وقوع حافر سناري على حافر سناري ؟
(3)
وأنت غريب في بلاد غريبة ألست إلى مثواك يوما بآيب
طرقت الأبيات ذاكرته طرقا عنيفا حينما بلغه نبأ وفاة شقيقته الصغرى علوية.كان رحيلها معلنا، نازلت الداء العضال سنوات، أوفت بما عليها من دين ، وأفنت ما بقي في جسدها من جهد في العبادة والتبتل والتدبر والتفقه والزيارة، أعدت للحج عدته ونفقته وأوراقه، لكن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون، فانتقلت إلى أكرم جوار.
دمعت عيناه، وانصرف ذهنه إلى همتها التي لم تكن تنثني، رحمها الله، عن أمر التفتت إليه قبل أن تنجزه وتوفيه حقه، لم تكن قدماها تطآن موطئا، إلا وتركت فيه أثرا باقيا وذكرى لا يمحوها كر الليالي وتعاقب الأيام. لطالما مثلت في وجدانه ومشاعره نموذج التطلع والمبادرة والذكاء الوقاد وشدة المراس، لطالما رأى فيها منذ طفولتها الباكرة نموذج الاستثناء،الذي يقفز في كل جيل من أجيال أسرته الخندقاوية فيلوي الأعناق،ويأسر الألباب،ويجدد الطاقة ويسم الزمان والمكان.
لكم سعى إلى رؤيتها واجتهد في ذلك، قبل أن تنقض عليها المنية، كان صوتها المكدود يصل إلى آذانه عبر الهاتف ، فيأسى على قلة حيلته وعجزه ، إذ لا يقوى على شيء.قضى ما تيسر له من وقت مع أمه الكليمة الصابرة ، ثم لما تهيأت له أسباب السفر ، قصد ابنيها الصبيين في أحواز واشنطن وفيرجينيا، عله يشاطرهما الحزن ويقاسمهما العزاء، في صمت وخفوت وهمس ممض موجع ، هو بعض من تراث أنصاري بديري، وسم تاريخ الأسرة وتراثها القديم.اصطحبه أخوه إلى قبرها، فألفاه في روضة محاطة بأشجار السنديان المورقة المزهرة الريانة.تفجرت مشاعره في داخله، وجالت مجال الدم في عروقه، وأسرعت صور الماضي تتراقص أمام عينيه، مذ كانت علوية طفلة يتعثر لسانها بالكلام ولا تستسلم كعادتها،”دبتة علوية”…كم من عبارات لم تتشكل، ومعان لم تتبلور، وكلمات لم تقل، وأعمال لم تنجز،وخطوات لم تتقدم، وآمال لم تتحقق،طمرتها هذه المقبرة؟
ألا رحم الله علوية ، وأكرم وفادتها ، وأمطر على تربتها شآبيب الرحمة والرضا والغفران.
إنا لله وإنا إليه راجعون
alkhandagawi@yahoo.fr