ترابي القوم .. بقلم: عبدالله عبدالعزيز الأحمر/ روما
7 مارس, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
82 زيارة
في كل مرة يرحل فيها احد العظماء نبحث عن كلمات نشيعه بها، او نعزي بها وطن، او انفسنا او نهزم بها القهر، قهر ان نصمت فيقتلنا الألم، او كل ذلك ثم لا نجد شيئا …
كذلك هو اشتجار الكلمات في نفسي بين يدي رحيل عراب الفكرة الإسلامية و حاد ركبها الأمين.. لذلك يقتلني الأسى.
لقد كان امينا ليس عاما لحزبه بل على حزبه وعلى فكرته.
لكننا أيضا ارتحلنا، نحن شعوب السودان، ارتحلنا في كل بلاد الله طلبا للرزق و للأمن و للخلاص. ومنا من ارتحل وهو قر، يثوب عن نفسه و عن ذاته وعن أناه.
يثوب عن حرية ان يفكر ويثوب عن ان يبحث عن ذاته، بل يثوب عن فكرة التفكير ذاتها في سبيل ان يبقى في جسده!
فنحن لذلك نرتحل ألف مرة ومرة ثم نموت لنعود إلى أصلنا.
قد فجأني بل دهمني بل حاصرني إحساس بأن أعمارنا هدر، وعيشنا هدر، وآمالنا وأعمالنا وغدنا هدر.. بين يدي الرحيل، ابحث عن كلمات، غير ان تزروني رياح الحنين للعودة، ابحث عن كلمات، دون ان اقول للظلام: انك كئيب، ابحث عن كلمات تعزي الوطن في فقد سبعة وعشرين عاما عجاف..
اليوم مصيبتنا في كلمات نقولها بين يدي عزاء وطن في ربع قرن من شبابه، في ربع قرن من حقوله التي احترقت، في ربع قرن من جغرافيته وربع قرن من اهليه الذين انتزحوا جنوبا وربع قرن وربع اهل غيبتهم الملاجئ غربا وغربا وغرب…
والمخيمات والرحيل والجهاد..
ابحث عن كلمات للتاريخ
كي اقول انه كان امينا لجماعته، وكانهم كلهم في ضحكته وهزئه و هزيانه
وهم كانوه في سطوته علينا وجرأته علينا واعتياده علينا في ضياع اعمارنا و بداد عمارنا..
ابحث عن كلمات ارفعها بين يدي وانا اقرأ على ضحايا وطن فاتحة الرحيل
نحن اليوم حزننا كبير، وفقدنا جلل
نحن تذكرنا لحظة ان دهمنا اللصوص
لحظة ان حاصرنا جيشنا الذي جهزناه وغنينا له وبه و رقصنا، وحسبناه فخرنا، وحسبناه حامينا وحسبناه…
غنيناه ” تجوا عايدين” ذلك كان قديما ونحن بعد نستشرف وعود كينونتنا.
ثم غنيناه “جنود الوطن لبوا النداء”…
لكنهم لحظة اختطاف البسمة من شفاهنا، لم يكونوا هم
و لحظة انفجار الدمع وابتلاع الغصة، يوم ان فرقتنا دماءنا، لم نكن نحن
اليوم نحن ايضا حزننا كبير وفقدنا جلل
ولا عزاء
فلتنصب في كل بيت و كل شارع وكل مدرسة وكل جامعة وكل مسرح وكل سوق وكل مزرعة و كل مصنع و كل مستشفى و كل سهل و وادي وفي كل قلوب الامهات… خيمة عزاء على الراحلين
رحل كلمينت إمبورو فكانت مصيبتنا الاولى
ورحل جون قرنق فكانت الثانية من جنس الاولى… جلل
ثم رحل عبدالله دينغ من ” غرامه الأول”
و في بلادي ارتحل القضاة عن القضاء، و ارتحلت الخدمة العامة عن العامة
وارتحل الادباء والفنانون عن الفن
و ارتحل عن الارض السلام، وعن الناس المسرة
وارتحل الآبنوس
رغم اننا غنيناهم ايضا: ما في شمال بدون جنوب، لكنهم تركونا بلا جنوب ، تركونا بلا”نا”، بلا شمال…
و رحل صوت المغني حزين..
وفتر حنيني الكان زمان..
ومرت سنة..
والكان زمان..
الصحفي فيصل محمد صالح يقول لنا بين يدي رحيل الترابي: أن المقام مقام عزاء وليس مقام سياسة!
نعم هو كذلك
مقام عزاء،
لكن دعونا نعزي انفسنا ايضا، أليس من حقنا أن نفعل؟
في كل البشاشات ” القبيل”
في كل المصايب والعقارب، في الجلابة والجراد وجلجلة الجلالات والجنجويد ايضا
في كل قلوب الامهات خيمات عزاء..
إلا المساجد
فقد خدعونا من منابرها، و نحن بسطاء أنخدعنا لهم، أو هكذا جاء في الأثر!…
إلا المنابر فقد ألفوها، و ألفوا خشوعنا.
إلا المساجد فهم اساطينها و نحن بسطاء، تخنقنا عبرة الأسى على كل شئ،
نحن نرحل كثيرا قبل ان نموت في صمت…
وحينذاك تعجزنا حتى الكلمات في رحيل مهيب يلفه الصمت والقهر والمضيعة والألم
ثم لا نذكر تواريخ البكاء
خيمة اخرى في قلبي انصبها، يا وطن ” عز الشدايد”…
حبالنا الجوة .. ما تخنت
حبال السما الممدود
حبال الصوت وكت يرجع
يجيب الخاطر المردود
تعالي نشوف
غنواتنا البقت فى الدنيا ما بتشوف
تعالي نشوف
حروف البكا .. الجوّاها مافى حروف
تعالي نشوف .. تعالي نطوف
على المدن البِقت أشباح
على الجوع القعد مرتاح
علي الكلمة البِقت فى الجوف
تفتش سكة الأفراح
تعالي نشوف
منو البقدر يخاصم طفلة
صِبحت هازلة فوق مدّ الأسى .. الحرّاق
يا غنوتنا ما تفوتي
ويا كلمتنا ما تموتي
فتشي فوق ضمير الكلمة
عن وتراً رحل … فرّاق
وعن ولداً رحل … فرّاق
وعن بلداً رحل … فرّاق
وعن عِلماً رحل … فرّاق
غُنانا الفينا ما بشفع
حديثنا الجوّة ما بِنفع
تعالى نشوف .. تعالى نطوف
تعالى .. نعلم الشُفّع
يشعرني المداح الدراويش دوما بنشوة جوفاء نشوة وحشية عندما يقولون: مكاشفي القوم!
عبدالله عبدالعزيز الأحمر
6 مارس 2016
فروزينوني- روما
alahmer2003@yahoo.co.uk