تعطيل المجلس التشريعي وكبح الثورة .. بقلم: د. هشام مكي حنفي
22 أكتوبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
24 زيارة
يبدو أن قيام المجلس تشريعي الذي سيمثل روح الثورة و تكون له السلطة الأعلى قد تعارض مع مصالح كثير من الجهات التي بيدها الأمر. في العادة يذهب الاتهام تجاه العسكريين في مجلس السيادة بكافة أطيافهم لكن بالنظر لمجريات الأمور يتضح تواطؤ أحزاب الحرية و التغيير بالصمت و التمرير، و تواطؤ الحكومة التنفيذية كذلك، إما لاتفاق المصالح أو لضعفهم و عجزهم عن معارضة ما يدبر. أما حجة تأخير قيام المجلس لحين الوصول لاتفاق سلام فهي حجة بائسة لم يصدقها أحد لأن من شأن المجلس التشريعي و من أهم وظائفه، إن كان قد تكون، أن يدعم عملية السلام و يرعاها و يقومها في الاتجاه الصحيح و المفيد للأمة، لكن يبدو مصلحة الأحزاب قد تلاقت مع مصلحة العساكر في أن يتم طبخ الأمر بعيداً عن الشعب ليمكن المساومة و المناورة في حيز مريح.
و برغم أن صوت الثوار قد بح بالمطالبة، إلا أن الحرية و التغيير قد نجحت في سد أذنيها بالطين و العجين و واصلت التسويف و المماطلة. لو لم يتم قطع الطريق على المجلس التشريعي، و تم تكوينه في وقته المفترض بعد ستة شهور من توقيع الوثيقة الدستورية، لكنا استطعنا تعديل القوانين في وقتها و على الوجه الأفضل، و لتم تسليط الضوء على كل السلبيات و التجاوزات و اتخاذ القرارات الملائمة بشأنها في الوقت المناسب، و لتم ضبط عمل الحكومة بما يتماشى مع مطالب الشارع و روح الثورة، و لأزيلت بقايا التمكين و النظام القديم بفعالية أكبر مما يحدث الآن، و لشكلت الحكومات الإقليمية بشفافية أكبر، و لضبطت تجاوزات العسكر و تمددهم في العمل التنفيذي. لو كان المجلس التشريعي موجوداً، لأدار عملية السلام بواقعية و إنصاف بحيث يتم التركيز على مطلوبات السلام الحقيقة مثل إنشاء القرى الآمنة و عودة النازحين و توفير أسباب العيش و الحياة الكريمة للمتأثرين بالحرب و التهميش و الإقصاء بحيث يشعروا بإنسانيتهم المهدرة و يعودوا آمنين. غياب هذا المجلس ترك الفرصة لزعيم الجنجويد و الذين يدعمونه ليصيغوا السلام وفق التصور القديم كمفاوضات مع أمراء الحرب تنتهي بإرضائهم بجزء من غنيمة السلطة، مع استمرار أمد النزوح و الشقاء ليشكل أرضية دائمة و كرت ابتزاز يستخدمه أمراء الحرب هؤلاء. هذا الغياب منح المجلس العسكري سلطة تنفيذية فائقة تتجاوز سلطة المدنيين، و مكنته من تشكيل لجان عليا تمارس العمل التنفيذي بوضع اليد و على قمة كلٍ منها عسكري. ما كان للأزمات أن تتفاقم و تتناسل لو وجد جهاز رقابي بحجم و سلطة البرلمان.
الآن و قد نجح مخطط المتربصين بالثورة في خلق نموذج سلام هزيل، فها هم يرفعون أصواتهم رفضاً لقوى الحرية و التغيير نفسها، بل بدأوا في طرح شروطهم في كيفية و حجم التمثيل و الحكم، و الأحزاب تنظر من على البعد بلا حول و لا قوة بعد أن فرطت في الحق الذي منحها له الثوار و سلمت قيادها لعدوها.
kutubi2001@yahoo.com