تغييب المجلس التشريعي انتهاك للوثيقة الدستورية وبداية مسلسل النكوص عن العهود .. بقلم: أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب

 

استمعت إلى شريط فيديو أدنى ما يمكن أن يقال عنه إنه صادم، قدم فيه الصحفي عثمان ميرغني إفادات حول الأسباب التي دعت الماسكين على زمام السلطة إلى عدم تشكيل المجلس التشريعي، وذهب فيه إلى أنه من خلال الحوار معهم في الجلسات الخاصة أدرك أنهم لا يريدونه أن يقوم، ويرون أنهم يمكن أن يصدروا التشريعات من تلقاء أنفسهم فلماذا يأتون بمجلس تشريعي يمكن أن يضيق عليهم حرية إصدارها. وهذا القول إن صح فإنه يهدر مصداقية السلطة، ويطعن في شفافية الأسباب التي تطلقها على الملأ، ومن بينها أن السبب الأساسي في عدم تشكيل المجلس التشريعي هو الانتظار إلى حين توقيع اتفاقيات السلام ومن ثم مشاركة الجماعات الموقعة في المجلس التشريعي. وفي تقديري أن الحجة المعلنة لعدم تشكيل المجلس التشريعي بالانتظار إلى حين اتمام عملية السلام، حجة واهية لا تستند إلى أساس منطقي. فقد انتهكت بموجبها الوثيقة الدستورية التي حددت (90) يوماً لتشكيل المجلس التشريعي من تاريخ التوقيع على الوثيقة الدستورية. وتمر هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى للتوقيع ، والمجلس التشريعي حلم في رحم الغيب.

صحيح أن الاتفاق مع الحركات المسلحة على المشاركة في المجلس التشريعي واتخاذ التدابير التي تضمن وجودهم ضمن طاقمه يمدد من دائرة مساهمتهم في الأعمال التشريعية وأداء الواجبات الملقاة على عاتق المجلس وتنفيذ التزاماته، هو أمر محمود وضروري ومفيد لصحة الفترة الانتقالية، ويمكن النظر إليه من زاوية دعم قضية السلام والدفع تجاه مشاركة أكبر عدد من القوى السياسية في الفترة الانتقالية، وتقوية الرقابة على أجهزة الحكم من خلال تشكيلات سياسية مغايرة للحاضنة السياسية للسلطة وهي قوى الحرية والتغيير. ولكن هذا الاتفاق يجب أن لا يغيب بسببه المجلس التشريعي تماماً، خاصة أن ثلث المدة المحددة للفترة الانتقالية قد انقضت. وقد كان من الأصوب تحديد نسبة من المقاعد للحركات المسلحة يتم ملؤها بعد توقيع الاتفاقيات معها ومشاركتها في أجهزة الحكم. وبالنظر للسوابق التي جرت في أزمان عديدة خلال العهد الوطني والفترات الديمقراطية السابقة، فقد تم الابقاء على وجود الجمعية التأسيسية بجزء من أعضائها نسبة لعدم اختيار ممثلي بعض الدوائر، ولم يتم الاعتذار عن تشكيلها إلى حين الاتفاق مع الحركات التي كانت تقود الحرب. فعلى سبيل المثال كان عدد مقاعد الجمعية التأسيسية خلال الفترة الديمقراطية الثانية 233 مقعداً لم تملأ منها 41 مقعداً بسبب عدم قيام الانتخابات في دوائرها بجنوب السودان. وانطبق نفس الوضع خلال الفترة الديمقراطية الثالثة حيث لم يتم ملء عدد من المقاعد المخصصة للأقاليم الجنوبية لاعتبارات أمنية. فالوضع القائم الآن ليس بدعاً أو أمراً جديداً وإنما سبقته أوضاع شبيهة يتعين وضعها بعين الاعتبار.
أشار عثمان ميرغني في نفس االإفادة إلى التساؤل الذي أثاره بعض أصحاب السلطة وهو أن الفترة الانتقالية التي سبقت الديمقراطية الثالثة لم يكن بها مجلس تشريعي، وتم تحويل صلاحيات التشريع إلى المجلس العسكري ومجلس الوزراء، مما يدعم عدم وجود مجلس تشريعي خلال هذه الفترة. وهذه حجة واهية، لسببين أولها أن الفترة الانتقالية السابقة للديمقراطية الثالثة كانت قصيرة نسبياً ولم تزد عن سنة في حين أن الفترة الانتقالية الحالية تمتد إلى ثلاث سنوات وهي تقارب دور حكم كاملة. إلا أن الأهم هو أن القوى السياسية خلال الفترة السابقة للديمقراطية الثالثة اتفقت على أن تكون صلاحيات السلطة التشريعية منوطة بمجلس الوزراء والمجلس العسكري لقصر الفترة، ويختلف الوضع الحالي لوجود نص وعهد مغلظ تم القسم على عين الأشهاد بالالتزام به ومراعاة مقتضياته بتشكيل مجلس تشريعي يتولى إصدار التشريعات والرقابة على الحكومة.
إن أكبر ما خسرته الفترة الانتقالية الحالية من غياب المجلس التشريعي هو عدم وجود العين الرقيبة على أعمال الحكومة، وضياع فرصة مساءلتها عن أوجه القصور التي تظهر أثناء مزاولتها لأعمالها، ومن ثم توجيهها الاتجاه الصحيح. فالمجلس التشريعي ليس خصماً على أداء الحكومة وإنما لازمة لا غنى عنها من لوازم الحكم الرشيد وتصحيح الأداء الحكومي.
وقد عبر مونتسيكو فيلسوف الحكم الراشد في كتابه روح القوانين عن (أنه لابد لكل إنسان يتمتع بسلطة من أن يميل الى الإساءة في استعمالها، وهو يظل متجهاً نحو الإساءة الى أن يجد حدوداً أمامه) وأحد الحدود الضرورية لضبط الإساءة في استخدام السلطة هي الرقابة البرلمانية، التي يمثلها في نظامنا الحالي المجلس التشريعي. وإلى نفس المنحى ذهب الدكتور عبد الله حمدوك في أحد لقاءاته إبان عودته بعيد انتصار الثورة فقال بلسان مبين أنهم في حاجة للمعارضة لأنها تجعلهم يشحذون ادواتهم ويرفعون من هممهم. وأحد أوجه المعارضة الرشيدة هي المجلس التشريعي.
وتزداد أهمية المجلس التشريعي في ظل غياب المحكمة الدستورية التي تم أيضا تغييبها منذ يناير الماضي دون سبب واضح ومقنع. وهي تمثل الرقابة القضائية على أعمال الحكومة ولازمة لا غني عنها خاصة في ظروف الانتقال. فقد غابت الرقابة البرلمانية وغابت أيضاً الرقابة القضائية على أعمال الحكومية، ولم يتبق إلا حكومة متحررة من كل قيد، فماذا نتوقع أن يكون ناتجها؟
الوثيقة الدستورية على علاتها هي العاصم من القواصم والحد الأدنى الذي يتعين الالتزام به وعدم انتهاكه لأي عذر كان، لأن انتهاكها مرة قد يفضي إلى انتهاكات أخرى يمكن أن تقود إلى نتائج كارثية، فهي شبيهة بالمركب التي يختلف ركابها على مدى ملاءمتها ورغم ذلك ليس من مناص سوى رعايتها حتى الوصول إلى بر الأمان. ويمكن أن نتوقع عدداً من النتائج غير المحمودة في حال تواصل مسلسل الانتهاكات، وقيام قوى أخرى موقعة على الوثيقة الدستورية بوقف تنفيذ بعض واجباتها استناداً إلى حجج مؤسسة على مجرد المنطق وليس بنود الوثيقة. فعلى سبيل المثال، كم هو فادح الثمن الذي يمكن أن يدفع لو قدر الجانب العسكري في مجلس السيادة أن يخرق الوثيقة الدستورية وأن لا يلتزم بنص البند (3) من المادة (11) من الوثيقة الدستورية، التي تلزمه بتسليم رئاسة مجلس السيادة إلى عضو مدني في 17 مايو 2021 ، وذلك بحجة حالة السيولة الأمنية التي تعيشها البلاد
أعلم أن هذه نقاط افتراضية ولكن إيرادها لتوضيح مقدار الفوضي التي يمكن أن تحل إذا اتسعت مساحة انتهاك الوثيقة الدستورية، ولم تقف عند حدود حجب المجلس التشريعي رغم مرور الفترة التي حددتها له الوثيقة.
لا سبيل للخروج إلى بر الأمان سوى التزام العاصم من القواصم وهو التقيد بأحكام الوثيقة الدستورية حيث كان وجه الرأي فيها ، أو عوضاً عن ذلك تعديلها وفق الآلية التي حددتها الوثيقة نفسها.

abuzerbashir@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً