ثروت همت وكمال الجزولي في الشاهق من محجوب .. بقلم: مصطفى مدثر
25 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
35 زيارة
فقوع الإيقاع
استعادت الكاتبة المرموقة تروت همت، في افضاء مزلزل، مقال كمال الجزولي الذي كتبه بعد عودة محجوب شريف من رحلته الأولى للعلاج بانجلترا وتطرق فيه لشعر محجوب ولطريقته في التعاطي مع الشعر. أدناه بعض اقتباسها من مقال كمال الجزولي:
“كلا، صراحة الوزن وفقوع الايقاع ، المستلهمَين من صراحة وفقوع أوزان وإيقاعات الشارع العام، فضلاً، بالطبع، عن فرادة الاقتدار على التعبير غير المستهلك، في بساطة معقَّدة وسهولة ممتنعة، عن أشرف المضامين الضاربة في عمق الهمِّ الإنسانيِّ اليومي، هو ما يُكسِب قصيدة محجوب خاصِّيَّتها المنبريَّة، وقابليَّتها للأداء الجَّماعيِّ، وقدرتها، ليس على تحريك المشاعر، فحسب، بل والأجساد ذاتها! وما أيسر أن تلحظ ذلك إن أنت أوليت انتباهك لاستجابات الجُّمهور لأدائه من على المنصَّة، بحركة قدميه ويديه التي تكاد لا تهدأ، دَعْ انفعالات دواخله التي تستعصي على اللجم، فتنعكس، بتلقائيَّة وطلاقة، على نبرات صوته، وتوتُّرات وجهه وشفتيه! وأذكر، استطراداً، عندما احتفل اتحاد الكتَّاب، بداره في المقرن، ذات أمسية من أواخر العام 1988م، بتوقيع (اتفاق الميرغني ـ قرنق)، كيف أحاطت بمحجوب مجموعات شتَّى من بنات وأبناء (الهامش)، بلكناتهم، وفصودهم، وأزيائهم، وحُليِّهم المائزة، يصدحون معه بأهزوجته البديعة (عشَّة كلمينا .. ميري ذكِّرينا)، وهم يشيعون، برقصاتهم الشَّعبيَّة النَّشطة حول نافورة الدار، جوَّاً من التَّفاؤل والمَرح الصخَّاب، في ذات اللحظة التي وصل فيها ركب الميرغني إلى الاحتفال، فوقف يتلقى تلك التحيَّة غير المعتادة، في مشهد مهيب، تمايحت فيه هامات الشجر، واهتزت له أركان المبنى، وسرت عدواه إلى الجَّماهير المحتشدة، فانطلقت تشارك، على سجيَّتها، في الأداء الشِّعريِّ البهيج، والرَّقص الإيقاعي الدَّاوي، بينما دموع البشرى تسحُّ من عيون لطالما سهَّدها التَّوق لـ (السلام)، دون حتى أن ينتبه أحد إلى أنه لم تكن ثمَّة آلات موسيقيَّة، وأن الأهزوجة نفسها لم تكن ملحَّنة! “
انتهى الاقتباس من مقالة كمال الجزولي.
وعبارة فقوع الايقاع، على غرابتها، ما هي إلاّ اشارة لقدرة محجوب علي التحكم في ايقاع شعره وامتلاكه زمام النبر. بل والقدرة على تحريك النبر؛ ما يكسب الايقاع قدرة على ايهام متجدد، لا ثبات له. وما فهمته من عبارة فقوع ليس فقط خلوص الايقاع كقولك أصفر فاقع بمعني خالص الصفرة بل إن فقوع هي الكلمة التي نشتق منها التفقيع أو الفرقعة كما في تفقيع الأصابع أثناء الصلاة المنهي عنه. وهذه الفرقعة بالإصبع هي من أدوات الايقاع عندنا كسودانيين. غير أن كمالاً لا شك يشير إلى تحوّل الايقاع أو سنكبته بحيث يتحوّل النبر من كلمة في صدر البيت إلى أخرى قد تقع في عجزه!
والسنكبة syncopation هي من مصطلحات الموسيقى التي تواترت في معارف المثقف غير المتخصص في الموسيقى. فهي مما يحمد للمثقف أن يقف عليه ويعرفه لشيوعه في ظواهر الايقاع والغناء.
كمال الجزولي في مقالته هذي يفتح لنا أفقاً جديداً نحو فهم طرائق التأليف ليس فقط عند محجوب شريف بل عند غيره من الشعراء.
ولعل (حوامة) محجوب في الأسواق وتسقّطه لتعابير ما وصفه ب (مشوار الحياة اليوماتي)، مثل تعبير من ضواحي الدنيا جيت، هذه الحوامة لا تختلف عن قدلة خليل فرح، حافي حالق، في الطريق الشاقي الترام!
مصطفى مدثر
tafaglobe@yahoo.com