ثم ماذا بعد برلين

بقلم عمر العمر

لو كرّس المجتمعون في برلين مؤتمرَهم لبحث آليات إطفاء الحرب السودانية لحققوا انجازاً . أمّا وقد آثروا النسج على منوال سابقيْه – لندن وباريس – فإنه ليس غير ثالث أثاف. فكل حديث في شأن الأزمة السودانية يسبق إنها الحرب يضع العربة أمام الحصان . مؤتمر برلين أنتهى بوثيقةٍ تؤكد على حتمية إيقاف الحرب وتعهدات بمليار دولار و300 مليون يورو لدعم الجهود الانسانية. كما توافق المجتمعون المدنيون على تكريس عملية سياسية تفضي إلى سلام دائم . من أولويات العملية السياسية المستهدفة معالجة (جذور الأزمة) ونصب موازين العدالة وكبح خطاب الكراهية .هذه خلاصات رائعة في سياق الأدب السياسي لكنها رغائب عزيزة المنال على صعيد الواقع السوداني البئيس . أنصار معسكر النظام الانقلابي أسدوا خدمات مجانية ترويجا للمؤتمر قبل وإبان انعقاده بالكلام غير المباح في الإعلام والتظاهر المضاد . المؤتمر ليس حرثٌ في البحر لكنه جهدٌ متواضع لايرقى إلى صب الماء على النار.إذ لم يحسم أسئلة الساعة السودانية الأكثر إلحاحًا .
دون التشكيك في وطنية قوام المؤتمرين يحقُ لكل سودانيٍ التساؤل عمّا إذا كان المجتمعون يتمتعون بالقدرة على حفر مخرج من الأزمة الحارقة للشعب والوطن . ذلك سؤالٌ مصدره ارتباطُ غالبية الوجوه – إن لم يكن جميعها – بثنايا ( جذور )الأزمة أو ربما الحرب نفسها .كما أنهم يواجهون أسئلة منطقية ازاء الاخفاق في انجاز العدالة غداة تبوئهم مواقع داخل قمة سلطة الثورة . هم مطالبون كذلك بممارسة نقد ذاتي بغية التطهر من التفريط في مكاسب ثورة شعبية سخية البذل والفداء . مؤتمر برلين نفسه لم يبرأ من مثل تلك التشوهات ، إذ رفضت حفنةٌ استكمال مشهد التضامن الجماعي على ما اريد له من بهاء . مع أن تلك المجموعة ممن قيل أنها ضمن القيمة المضافة للمؤتمر !

ثمة دول ومنظمات أممية شاركت في المؤتمر – لها الثناء -من منطلقات إنسانية. هناك دول قدمت تعهداتٍ مالية – لها الامتنان -ليست مضمونة الوفاء . أما الحكومات والمنظمات الإقليمية المشاركة بغية تفكيك الأزمة فهي أندية سياسية خربة ليس من ورائها رجاء . من هؤلاء الاتحاد الإفريقي، الجامعة العربية و الإيغاد ودول الجوار .من هاتيك بريطانيا، فرنسا والمانيا . الاتحاد الأوربي و أميركا مرتبكتان حاليًا عند مضيق هرمز .مع ذلك يظل السؤال العالق يرتبط بكيفية تأمين تدفق المساعدات الإنسانية حتى تصل إلى ملايين المشردين في فجاج السودان وفلواته . هؤلاء الذين جرفتهم الحرب القذرة بعيدًا خارج الحياة المعاصرة وربما تفضي بهم إلى (العصر الحجري).الإجابة الحاسمة تتحدث عن حتمية إطفاء نار الحرب أولًا . أي جهد خيري يسبق بسط السلام لن يشفي معاناة المواطن . فأطراف الاقتتال تستثمر كل عون مادة للابتزاز والاكتناز وزير المالية يتربص بالمساعدات المالية. هذا واقع يفرض على القوى المدنية السودانية استبصار أيَ الآليات المتاحة على الصعيد الدولي لبلوغ هذه الغاية النبيلة والملحة . كل جهد لا يستهدف إيقاف الحرب ربما يحظى بتقدير لكنه غير كافٍ حتمًا لنيل شرف تفكيك الأزمة الوطنية.

كالعادة يفقد النظام الانقلابي الحكمةَ والمنطق حينما يدين المؤتمرَ بصفته تدخلًا أجنبيا غيرَ مشروع .فالنظام نفسُه لا يفتقد فقط الشرعية بل هو مجرّمٌ بانتهاك الدستور .ثم هو في اصراره على مواصلة (حرب الكرامة) يهدر كرامة الشعب والوطن والدولة . كذلك يفعل برفضه قبول المساعدات الإنسانية خارج شروطه غير المقيّدة لأطماع وزير المالية الشره . النظام يتجاهل عمداً مكابدة ملايين السودانيين في ملاذات النزوح واللجوء . فعن أي كرامةٍ يتحدث المرجفون على منصات الإعلام والسياسة! مامن عاقلٍ يراهن على اختراق في مؤتمر برلين .فهو ثالث إثنين لم يقدما مايجعل مثل هذا الرهان منطقيًا .أقصى مكاسب القوى المدنية إظهارُ قدرتها على الحركة في الفضاء الدولي .لو اتسمت السلطةُ بقدر من الحكمة لما أثارت كل هذه الجلبة الفارغة إذ لم تعرقل المؤتمر . على النقيض ساهمت في منحه زخمًا على الصعيد الداخلي والخارجي وسّع صداه .

التباين السوداني اللزج تجاه مؤتمر برلين أحد أعراض أمراض المجتمع إبان مرحلة الاضطراب الراهن .فمع كل بارقة لفتح كوة في جدار الأزمة المستحكمة يتصاعد جزع غير مبرر من كل الفرقاء . هذا ملمحٌ يؤكد تآكل الثقة و عمق الانهيار داخل المجتمع برمته . فإبان الاضطرابات الكبيرة تتفشى أمراض سيسلوجية متباينة، كالكساد و البطاله ،الإرهاب والخوف ، الجوع والأوبئة ، الانحطاط والتشاكس . للتردي الاقتصادي باعٌ طويلة في هذه الانكسارات .لكن أخطر الأمراض ربما فقدان ثقة المجتمع في الدولة إذ تضمحل علاقات الشعب مع المؤسسات الرسمية وا لشعبية. الفرقاء يدركون مسبقا محدودية نتائج مؤتمر برلين . في ذلك يتساوى دعاة المؤتمر وأنصار النظام . لكن حرارة التباين لا ترتفع نتيجة رد فعل مباشر لنتائج المؤتمر .بل بفعل حمى سبقت التئامه كما حدث مع أمثاله من قبل . فانهيار الثقة لا يقتصر على اصلاح النظام أو تغييره ،بل في فقدان الاطمئنان ازاء امكانية الرجوع إلى السودان القديم . مع استفحال الأزمة يتضخم الشعور بالخيبة في بروز قيادة من داخل معسكر النظام تتمتع بمؤهلات إخراج الشعب من المتاهة أو قيادة على الربوة المقابلة قادرة على بناء البديل .

استرداد ثقة الجماهير لن يتأتى عبر المسارات النمطيه. تأطير العمل الانساني مدخلاً لإنهاء الحرب تفكير تقليدي عاجز يصطدم عبر التجربة بأكثر من عائق وحاجز . ربما أولها غطرسة الانقلابيين و تشرذم القوى المدنية. ذلك السياق المهترئ للواقع السوداني يجعل تقديم مسارات المساعدات الانسانية على وقف الحرب حداءَ شُعراء لا نهج ساسة . الأولوية القصوى المطلقة الحاسمة على درب الخروج من المحنة القاسية ينبغي تكريسها لوقف الحرب . تلك مهمة تتطلب بناء مواقف . حينما تشرق أشعة السلام يصبح في الإمكان غرس بذور كل الحلول لكل القضايا على الأرض لا في البيانات . على القوى المدنية تخطي مرحلة الرضا بالمناسبات الموسمية .دون ذلك تدور الذكرى الرابعة لانفجار الحرب على عليها في عاصمة مغايرة! إحالة العمل السياسي إلى نشاط موسمي لا يصنع تاريخا مجيدا . إن كان مثل هذه المؤتمرات تبقي على جمرة القضية السودانية متقدة فمن الأهم إبقاء جذوة ثالوث الثورة – حرية ،سلام وعدالة -مشتعلة في ذهن وضمير القوى السياسية.

نقلًا عن العربي الجديد

aloomar@gmail.com

عن عمر العمر

عمر العمر

شاهد أيضاً

ترامب بين العظام

بقلم عمر العمرمعضلة ترامب ليست حصرًا في شخصيته المفتقرة إلى الحكمة والنفاذ السياسي .بل مما …