ثورة القرن الواحد وعشرين: الاتصال والانفصال .. بقلم: أحمد محمود أحمد
16 أبريل, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
34 زيارة
*بالرغم من محاولة قطع طريق الثورة عبر العسكر الا ان الثورة السودانية هي ثورة الثورات*
*طرحت هذه الثورة قضايا الانسانية و جسدتها من خلال الفعل اليومي*
*أحمد محمود أحمد*
*مدخل اول*: في السعي لإعادة بناء المفاهيم داخل البناء الثقافي السوداني، احاول التأسيس لمفهوم جديد يستطيع التعبير بدقة عن الثورة الكبري التي احدثتها جماهير الشعب السوداني..فاٍطلاق اسم ثورة ديسمبر او ابريل يقزٌم من الابعاد العميقة لهذه الثورة و يجعلها ثورة أيام، فهذه الثورة تتجاوز هذه الأيام لتكون ثورة القرن، لانها لا تماثلها اية ثورة منذ اطلالة هذا القرن و علي مستوي العالم، كيف؟ الاجابة علي هذا السؤال هي فحوي هذا المقال..و لكن قبل ان نناقش ذلك نطرح سؤالا حول طبيعة المفاهيم و الرؤي التي تم من خلالها اعطاء صفة انتفاضة علي الفعل الثوري الذي قام به الشعب السوداني في عام ١٩٨٥؟ هذا السؤال يقود الي ضرورة اعادة بناء المفاهيم وبشكل جديد حتي نرسم طريقا جديدا لخطوط الثورات و نحدد طبيعة التغيير المرتقب..
*المدخل الثاني*: بدوري و كشخص يعيش في الخارج لا استطيع ان افصل نفسي عن مسار هذه الثورة، و لكن في نفس الوقت لا استطيع ان أدعي بأن لي دور كبير فيها ، فهي ثورة تحسب للذين وقفوا في الشوارع و واجهوا الرصاص و القمع و صبروا كل هذه الشهور حتي استطاعوا اسقاط رأس النظام، و هذا الأمر قد لا ينسحب علي كل من يعيش في الخارج، فلكل شخص الحق في تحديد النقطة التي يتعينها من حيث الدور تجاه هذه الثورة. و كنظرة عامة فان الوقفات العديدة التي قام بها الناس في الخارج و كذلك الدعم المعنوي الكبير الذي جسده السودانيون في الشتات قد عبر عن مواقف و طنية مهمة تجاه هذه الثورة من قبل السودانيين و في كل مكان..
*لماذا ثورة القرن*
لقد حدثت ثورات عديدة في المنطقة التي تحيط بنا و في بقية انحاء العالم، و هي ثورات و بالضرورة عظيمة لأنها عبرت عن قضايا الانسان ، ما يميز الثورة السودانية و يموضعها في مكانة ثورة القرن يتصل بهذه الأبعاد و الدلالات التالية:
اولا: حدثت هذه الثورة بعد ان حكم تيار الاسلام السياسي السودان ثلاثة عقود، و هذا يؤشر الي حقيقة ان هذا الحكم تم عبر تفعيل الايدولوجية الدينية ضد الشعب السوداني، و الايدولوجية الدينية و بطبيعتها ماكرة تعمل علي تزييف الوعي، و تختبأ خلف الدين لتمرير مشاريعها..و تماهت هذه الايدولوجية مع سلطة العسكر، إذ اصبح السودان محكوما عبر العمامة و الخوذة ضمن واقع قمعي قصد به كسر حركة وإرادة الجماهير، و قد تم ذلك عبر الترهيب الديني من جهة و الامني من جهة اخري..و رغم مزاوجة العمامة و الخوذة، اي الايدولوجيا الدينية و العسكر، الا ان الشعب السوداني استطاع كسر هذا الطوق و استطاع انجاز ثورته و علي الاقل و علي مستوي زعزعة اركان دولة الاسلام السياسي و اسقاط رئيسه و بالرغم من القوة المضادة للثورة لتتماثل و تتشابه و الثورة الفرنسية في كسرها لسلطة الكهنوت و الملكية.
*ثانيا*: هذه الثورة تعتبر ثورة ابداع، فالبرغم من الكدر الذي سببه تيار الإسلام السياسي للسودانيين عبر سنواته العجاف، الا ان هذه الثورة فجرت ابداعا راقيا عبر الشعر و الشعار و واجهت هذا الكدر عبر زغرودة النساء و غناء الشباب، و هذا بعد مفارق لواقع الحال الذي صاغه تيار الاسلام السياسي و خروج من ثقافة الحجر الي ثقافة الابداع، و لهذا فان هذه الثورة ثورة مبدعة و الابداع يخرج من عباءة اليوم و الشهر نحو الافق المفتوح، و الافق المفتوح هنا هو افق القرن الواحد و عشرين، و ماذا سيفعل الابداع باتجاه تغيير حياة البشر بعد معاناة الحروب و الاختلالات في المعادلة الانسانية عبر القرون السابقة و كذلك عبر سنوات هذا القرن..فبالرغم من صوت الرصاص و عبر مسار هذه الثورة، الا ان الثوار و عبر الإبداع و بكل اشكاله استطاعوا تجاوز رائحة البارود نحو لغة الشعر و الهتاف المنسجم الذي يصعد فوق كل لغة ترتبط بالقتل نحو لغة الحياة في تعاليها علي الموت، و هذه حالة الصعود بالزمن و تفكيك فكرة الخراب نحو فكرة البناء، بناء الانسان ليكون هو محور الكون..
*ثالثا*: القرن الواحد و عشرين طرح قضايا انسانية كبري تتعلق بقضايا الحرية و العدالة و المساواة و لقد طرحت هذه الثورة قضايا الحرية و السلام و العدالة و هذا يجعلها ثورة هذا القرن عبر هذه المضامين، و كذلك عبر تجسيد السلام عبر حركتها السلمية بالرغم من حالة العنف المضاد الذي مارسته السلطة الحاكمة، و هذا الفعل الثوري الذي انتجته الجماهير السودانية يجب ان يصبح قانونا عبر حركة الشعوب في انتزاع حقوقها، فالقوة ليست في السلاح وحده، و لكنها في حركة الجماهير عندما تتوحد و تستطيع تفعيل ارادتها.
*رابعا*: هذه الثورة ثورة اتصال و في ذات الآن فهي ثورة انفصال، كيف؟ لقد اتصلت هذه الثورة اولا بكل تواريخ الثورات في العالم لتجسد مقولة ماركس بأن الثورة هي القوة المحركة للتاريخ، و كذلك اتصلت بتاريخ الثورات في الواقع السوداني ليتمدد فعلها عبر هذا القرن كحصيلة تراكمية لكل هذه الثورات و تنتصر عبر الحركة الجماهيرية وحدها و دون تدخلات خارجية..كما انها ثورة انفصال لانها فصلت نفسها عن العنف و الاحباط و التراجع، كما انها فصلت نفسها عن الانقسامات و اصبحت ثورة اتصال بين كافة ابناء الشعب و ضدا لما سعي تيار الإسلام السياسي له من خلال التقسيم لابناء الوطن الواحد عبر القبيلة و الجهة..
*خامسا*: كل يوم مر في تاريخ هذه الثورة و منذ بدايتها يحتاج الي تفصيل و بحث عن مكامن القوة فيه، و لهذا فاذا اخترنا يوم لتسمية هذه الثورة به فاننا نغمض الطرف عن ايام أخري تحمل مضامين عديدة، و لهذا فهي ثورة القرن و ليس اليوم او الشهر او حتي السنة، فهذه الثورة تمتد عبر سنتين و منذ ٢٠١٨ و حتي ٢٠١٩.
*سادسا*: هذه الثورة لعبت فيها المرأة دورا أساسيا و حيويا، و قضية المراة هي قضية هذا القرن، و ضمن اسئلة الحداثة او ما بعد الحداثة يتأسس وجودها من خلال الادوار التي تقوم بها، و عندما يرتبط هذا الدور بالثورة و التغيير، تعطي المراة السودانية هذه الثورة بعدها الانساني و تنقل دور المرأة ليس عبر الحاضر فحسب، بل عبر المستقبل و ما يتطلبه هذا القرن من ضرورة وحدة النساء و الرجال من أجل صياغة الحياة..
*سابعا*: هذه الثورة و رغم ضعف الامكانيات لدي الجماهير الثائرة، فهي ثورة التكنولوجيا، إذ استطاع الشباب السوداني توظيف هذه التكنولوجيا لخدمة الثورة و توثيق الاحداث عبر وسائط التواصل الاجتماعي، و ارتبط الداخل بالخارج عبر هذه الوسائط و اصبح للسودانيين في الخارج دورا فاعلا و داعما لهذه الثورة و موثقا عبر هذه الوسائط..و يصبح هذا البعد و المتعلق بالتكنولوجيا مهما في مقاربة القرن الواحد و عشرين، و هذه الثورة وظفت التكنولوجيا بشكل يتوافق مع مسارات هذا القرن و هي خدمة قضية الانسان لا تدميره عبر التكنولوجيا..
*اخيرا*: هذه الثورة هي ثورة الثورات بالرغم من الانقطاعات التي حدثت بسسب العسكر الذين حاولوا قطع طريق هذه الثورة و اجهاض اهدافها..فهي ثورة ذات معاني كبيرة من حيث المحتوي و عمق المعاني التي جسدتها، و طبيعة العلائق التي انتجتها بين الناس، لتصبح ثورة انسانية و بالدرجة الاساسية، و قضية الانسانية هي قضية هذا القرن، فهذه الثورة هي ثورة الاتصال و التواصل و هذه معاني تأخذ مركز الدائرة في هذا القرن و قد اشتغلت هذه الثورة ضد الأنفصال الانساني و كذلك ضدا للانقطاع عن الآخر عبر السلوك الذي افضت اليه هذه الثورة و هو سلوك الحضارة عندما يتجاوز الانسان ذاته من اجل ذات الاخرين..
ahmedvi09@gmail.com
///////////