جبريل يظل (كوز) ولو غسل سبع مرات

بثينة تروس
حين توقيع اتفاقية السلام في جوبا، بعد ثورة ديسمبر، ناول وزير المالية ورئيس حركة العدل والمساواة، جبريل إبراهيم، القلم لابنة أخيه الدكتورة إيثار خليل إبراهيم لتوقع بالإنابة عنه على بروتوكول القضايا القومية في 3 أكتوبر 2020، احتفينا حينها بتلك الإشارة الرمزية التي بدت وكأنها انتصار لقيم العدل والمساواة ونصرة للمرأة. غير أن جبريل نفسه كان من أوائل من حشدوا الفقهاء ورجال الدين في المساجد وخلاوي التصوف ضد قرار وزارة العدل القاضي بتعديل قوانين الأحوال الشخصية. اليوم، تعود إيثار من (البلبسة) ودعم استمرار الحرب لتهاجم حكومة بورتسودان وتتهم البرهان بالعنصرية والقبلية، مهددةً بسوء العواقب. وهذا الخطاب، يكشف عن تصدعات داخل صرح الكيزان في الحكومة، وصراع بين أجنحة مشروع واحد يتآكل من داخله وينخر فيه الفساد والمطامع السياسية وينذر بانشطارات جديدة في واقع بلد متهالك، يراهن المتربصون علي تمزقه.
وجبريل إبراهيم، الذي حملته ثورة ديسمبر السلمية إلى وزارة المالية، لم يخفِ يوماً انحيازه الحقيقي، فقد أعلن بوضوح أن الحركة الإسلامية لا يمكن إقصاؤها من المشهد، ولم تكن زلة لسان حين افصح عن اطماعه (نحن عايزين نطمئن انه اتفاق السلام دا سوف ينفذ وما لقينا الزول البينفذ لينا الاتفاق وبوفر لينا الموارد المالية الممكن ننفذ بيها الاتفاق لذلك رضينا بالقصة دي نحن مشروعنا كبير ورؤيتنا كبيرة وبنعاين لي قدام والمفروض انكم تجتهدوا وتبنوا التنظيم دا من الان واعتبروا نفسكم بديتوا الحملة الانتخابية ونجهز لنحصل نحن عايزين نحكم السودان دا كله) انتهي .. وظل متمسكا بمنصبه وزيراً للمالية وانقلب مع البرهان منحازا للكيزان.
ويا ابنة خليل، كان الأجدر بك قبل إعلان هذا الموقف جهاراً، أن تستعيني بفقه السترة الإخواني، الذي لا يزال يتستر على إرث والدك خليل إبراهيم، ابن الحركة الإسلامية الذي خرج عن طوعها بعد أن كان من أبرز أبنائها في ساحات القتال ضمن قوات الدفاع الشعبي، وكان رصيده من الجرائم ضد المواطنين لا يقل عنهم. فتمرده ما زال يذكرهم بخيانته للتنظيم، في (عملية الذراع الطويل) عام 2008 التي كسرت كبرياءهم الزائف (مافي أرجل من الحركة الإسلامية) وإعادة تعريف العلاقة بين سلطة الكيزان والمتمردين من مليشيات خارج رحمهم.
كما تستحضر تلك الذاكرة تاريخاً مثقلاً بالصراعات الداخلية، والاغتيالات، وتبادل الاتهامات بين أبناء الحركة الإسلامية نفسها. وليس احتواء جماعة كرتي والكيزان لجبريل، والإبقاء عليه في منصبه، إلا حرصاً على إبقاء ملفات حساسة في الفساد المالي واخري تنظيمية تتعلق بالعنصرية والقبيلة داخل مشروعهم طي الكتمان، بعيداً عن الشعب الذي خبر سلوكهم. كما أن تمسّك الكيزان بجبريل لا ينبع من ثقة فيه بقدر ما هو خوف منه. فهو يحمل من الأسرار والملفات ما يجعل خروجه خطراً عليهم، ويدركون أن براغماتية المصالح قد تدفعه، في حال فقد منصبه، إلى العودة إلى صفوف التمرد، وربما الاصطفاف مع قوى أخرى كالدعم السريع. لذلك يبقى الإبقاء عليه خياراً أقل كلفة ضمن معادلة معقدة لإدارة النفوذ والمخاطر. لذا لن يتخلوا عن جبريل، لما يمثله من حلقة وصل في صفقات الحرب وتقاطعات المصالح، في سبيل السيطرة على الحكم.
وفي نهاية الأمر، لم تعجب حركة العدل والمساواة تلك التصريحات الشائعة ووصفتها بالمحاولات البائسة وأنها تأتي في سياق الحرب النفسية التي تنتجها المليشيات ومن يعاونها! وهكذا لا يمكن قراءة مواقف جبريل وإيثار خارج سياق حرب الكرامة الذي يجمعهما. فالصراع الدائر ليس انسلاخاً حقيقياً من بنية كيزان بورتسودان، بل إعادة تموضع داخلها. أما الحديث عن العدالة والمساواة، فيبقى خطاباً يستدعى عند الحاجة للمتاجرة بقضايا المهمشين، ثم يطوى حين تتقدم حسابات السلطة.

tina.terwis@gmail.com

عن بثينة تروس

بثينة تروس

شاهد أيضاً

لا عبرة بتغيير الأنظمة الإرهابية بقوانيين الغابة!

بثينة تروسلقد ازدادت غربة الإنسانية وحاجتها إلى السلام في ظل التعقيدات السياسية وتطور الأسلحة، بما …