جدل الدولة والمجتمع (1): من عِيّلُ عَلَى مَن؟! .. بقلم: غسان علي عثمان


ghassanworld@gmail.com

(لا يمكن للفيلسوف أن يكون تطورياً، ولا لعالم الاجتماع أن يكون استنباطياً، ولا للمؤرخ أن يكون افتراضياً، لكل سؤال منهج، ولكل منهج سؤال)

عبد الله العروي (مفهوم الدولة) صفحة 10

ما يمكن الثبات عليه هو الموقف الأكثر شفافية، هذا ولو وضعنا في الاعتبار أن السياسة ليست هي فن الممكن كما يذاع وتوصف، بل هي بالتأكيد ضرب من تلخيص الجدل، وإعادة تركيبه، وفاعليتها ترتبط بفض الاشتباك بين الواقع والمأمول.. هي معنى جديد دوماً للإجابة عن أسئلة متوقعة وأُخرى قادمة، لذا فالسياسي شخص يجمع بين عطفيه أشتات ويؤلفها.. وبها ينال امتيازه (سائس) لأحصنة الواقع المتفلتة.. ولعل الكتابة في السياسة تحتاج إلى ملكة في التأمل جديرة به..

مرة أخرى مع العقل المغاربي:

يتميز التفكير السياسي لدى المغاربة بوضوح الرؤية على العكس من (خَمج) المشارقة،و(عكِّهم) المتوارث، ونحن من المؤمنين بوجود عقلين (مشرقي: مناطُهُ الخيالُ، وأزمته العرفان، ومغاربي: أُسُّهُ التفكيك، والعمل على توظيف العقلانية الرشيدة).. ولذا يستمر عرضنا لبعض طروح مفكري المغرب العربي، ولا نزال نقف عند المجهود التحليلي المقدر الذي يبديه الأستاذ عبد الإله بلقزيز، المفكر العربي المغربي الكبير، وكنا في المقال السابق قد عرضنا بشكل خاطف لكتابه (السلطة والمعارضة)، وفعلنا ذلك ليس لأجل تقدمة كتاب بغرض الترويج له، وإن كان يستحق بطبيعة الحال هذا الجهد، ولكن لما يلامسه النص التحليلي عند بلقزيز من موضوعة الحوار الوطني الدائر في البلاد هذه الأيام، وقد تعرضنا بالتفسير لما يعنيه وجود السلطة والمعارضة في سياق الدولة؛ الدولة الحديثة، تلك التي باتت تُشكل على فهوم الكثيرين من المشتغلين بالسياسة، وعلم اجتماعها.

واليوم يستمر في عملية فحص مقولات الأستاذ بلقزيز، ونعرض لكتابه (الدولة والمجتمع) –جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر، الصادر عن الشركة العربية للأبحاث والنشر – بيروت – الطبعة الأولى – ديسمبر 2008م، يقع الكتاب في 167 صفحة. ونفعلها هنا أيضاً لطرح وجهة نظرة نراها جذرية فيما يدور في سطح فعلنا الاجتماعي، وعن ضرورة تخليد لحظة الحوار وليس التعامل معها باعتبارها تكتيك، ولغلبة الاشتغال النظري في كتابات البعض، فتوصف بهذه الكلمة المعربة “تاكتيك Tactics ” وهي كلمة قادمة من الحقل العسكري، أي مرتبطة بالخطط الحربية، وكيفية وضع أسلوب القتال والدفاع، وتعني بحسب المعاجم اللغوية “فن وضع الخطط”ـ والغريب في الأمر أن ثمة ظلال سالبة على هذه الكلمة، رغم انطباقها على ممارسة السياسة..

وقبل الدخول إلى كتاب بلقزيز، ولا نعني بالدخول استعراض الكتاب، بل التفكير من خلاله في قضايانا الوطنية. كما نرى ضرورة تثبيت الإشارة التي نبهنا إليها الأستاذ محمد عابد الجابري (27 ديسمبر  1935م – 3 مايو 2010م) مفكرنا العربي الكبير عليه رحمه الله، وهي إشارته إلى وجود ثلاثة أجيال من النخب تعاقبت على مسرح التاريخ السياسي العربي المعاصر، يجمع بينها كونها تخاف السير مع العملية الديموقراطية إلى نتائجها. وهو يعترف بوججود فوارق واختلافات جزئية بين قطر عربي وآخر في هذا المجال، يظنها الجابري فوارق تطال الكم أو الكيف أو الزمن.. ولكنها مع ذلك ليست فوارق جوهرية. بل يمكن تصحيح الصورة بإدخال بعض التعديلات لإبراز هذا الصنف أو ذاك من أصناف النخب والدول. يقسم الجابري هذه الأجيال إلى: نخبة (دولة الثورة)، ونخبة (الدولة التقليدية)، ونخبة أو نخب الدولة (شبه الليبرالية) شبه الديمقراطية، وهذه النخب فشلت في إقرار الديمقراطية بسبب اختلاف منظومة القيم الأخلاقية لديها ومصادر الأولى.

ولوجود علاقة بين مؤلف (بفتح اللام) بلقزيز ورؤية الجابري، لجدلية الدولة والمجتمع، لأن الاثنان يتفقان على زيف هذه الثنائية (دولة – مجتمع) باعتبارها قطبين، بل يفهمان أن الدولة هي تجلي للمجتمع، والدولة بطبيعة الحال تتأسس على وعي الناس، يقول الجابري: “فالظاهرة السياسية لا يؤسسها وعي الناس، آراؤهم وطموحاتهم، ولا ما يؤسس هذا الوعي نفسه من علاقات اجتماعية ومصالح طبقية، بل إنما تجد دوافعها فيما يطلق عليه (اللاشعور السياسي)، الذي هو عبارة عن بنية قوامها علاقات مادية جمعية تمارس على الأفراد والجماعات ضغطاً لا يقاوم، ويسعى الجابري من استخدام هذا المفهوم ولا نقول توظيف نتائجه، بل هو هنا يختار أدوات المنهج وليس المنهج كتطبيق، يريد الجابري أن يبرز في عقلنا السياسي عشائري وديني في سلوكه السياسي، ولكنه يقول “اللاشعور المؤسس للعقل السياسي العربي يجب ألا ننظر إليه فقط على أنه (الديني) و (العشائري) اللذان يوجهان من خلف الفعل السياسي بل لا بد من النظر إليه أيضاً على أنه السياسي الذي يوجه من خلف التمذهب الديني والتعصب القبلي”.(العقل السياسي، ص 14).

كما أن الأستاذ الجابري، ينصرف جهده لإيجاد معالم جذرية تتحكم في العقل السياسي، الموصوف عندنا بالتراجع، فالجابري حينما أراد أن يحلل المؤثرات التي تؤسس للفعل السياسي العربي وقف عند تقسيمها إلى محددات ثلاث، وهي القبيلة:وهو الدور الذي تلعبه “القرابة” أو بعبارة بن خلدون (العصبية)، ونعبر عنه اليوم بـ”العشائرية”، أي طريقة الحكم التي تعتمد على ذوي القربى، يحدث هذا في العصبيات القبلية والحزبية والأيديولوجية”(العقل السياسي ص 48). وذلك حين يكون الانتماء إلى المدينة، الجهة، أو الطائفة والحزب، هو وحده الذي يتعين به (الأنا) و(الآخر) في ميدان الحكم والسياسة، ومحدد آخر الغنيمة: وهو الدور الذي يلعبه العامل الاقتصادي، ولعبه في تاريخنا تحت مسميات (الخراج) و(الريع)، ويقصد كمحدد يؤثر في المسار السياسي للعقل العربي، هو ليس فقط طريقة جمع هذا الخراج بل كيفية التصرف فيه، والذي يجعل من (العطايا) منتجة للعقلية (الريعية)، ومحدد ثالث هو العقيدة: ويقصد العقيدة على ما هي عليه من سيادة للاعتقاد، وغياب للعقلانية، وهو هنا يرمي للتمذهب به (التدين بما هو حالة)، ومثاله في الصراع الذي دار بين الصحابة والمسلمين من بعدهم، وكيف ارتبط بنوع معين من التدين. (مرجع سابق).

وفي الاتجاه ذاته يرى بلقزيز أنه لا انفصام بين دولة ومجتمع، وعلى انصراف التحليل لجعل الدولة هي المسئولة على تدهور علاقات الاجتماع الوطني، وهو هنا لا يدافع عن الدولة بقدر ما يدعو إلى ضرورة الفكاك من هذه الانتقائية في النظر إلى موضوعة (الدولة والمجتمع)، فيقول: “يُريح بعضهم أن ينتهي بالتحليل، إلى إنزال حكم الإدانة على الدولة، وتحميلها وحدها وزر هذا التدهور الذي وصلت إليه علاقات الاجتماع الوطني. (الكتاب صفحة 10). بل ولتثبيت كيفيات الوحدة بين الدولة والمجتمع، فيريد بلقزيز الابتعاد قدر الإمكان عن هذه النظرة التبسيطية الاختزالية، المشغولة بالثنائية في التحليل.. ” ويحلو لبعضهم الآخر أن يذهب بالتحليل إلى إدانة المجتمع القروسطي، المتخلف المستمر مُقَنَّعاً في صورة مجتمع “حديث” – المرجع السابق. الصفحة ذاتها”.

وبلقزيز كما قلنا يعمل على فتح مسارات جادة وجديدة في تحليل الخطاب السياسي، فهو غيرمنشغل بالآنية القابضة التي تُكّيف فلسفتها وتحينها على أساس من الواقعية المفترضة، ولا يقفز عالياً فوق مقدمات الظاهرة السياسية الاجتماعية في وطننا العربي، بل ينسحب جهده إلى ما يشير إليه في مقدمة الكتاب، إذ يرى في مؤلفه العمل على تفسير وتقديم وتركيب ثلاثة مطالب: أولها (تفكير حقيقي في مسألة الدولة على الأصول النظرية) عملاً على الارتفاع عن مستوى العموميات السائب، والكف عن الثرثرة الإيديولوجية في مسائل الاجتماع السياسي. ويقدم الدعوة إلى ممارسة ما سماه (نقد مزدوج): للدولة وللمجتمع على السواء، والقطيعة مع النظرة الانتقائية للموضوع. وآخر مطالبه: (أن ترفع النخب السياسية العربية درجة انتباهها) إلى ما تأخذُ مجتمعاتنا إليه بعضُ الخيارات السياسية الانتحارية من فتن وحروب أهلية تدمر البقية الباقية من تلك المجتمعات. (الكتاب صفحة 11).

ما الدولة؟!

​في ثقافتنا الشعبية بل في أذهان النخب ، يتركز الهم في اتهام الدولة، فهي فقط بالمسئولية عن كل ما يجري بل والذي يمكن ألا يجري، يحدث ذلك في تحليل المجتمع ووسائل إنتاج المعرفة فيه، وبطبيعة الحال المعرفة السياسية هي المنتج الأكثر تداول. وفكرة أن الفرد رهين الدولة، على عموميتها إلا أنها مقولة زائفة، تلك التي تريد وتصر على أن الدولة هي المتصرفة بالكامل في الفرد وأحواله، ولعلها فكرة بائرة، بل يائسة، لأن الدولة ليست شيئاً خارج المجتمع، بل هي التجلي الأكثر حضور له، وفي أزمات كثيرة، يعتقد الفرد في مسئولية الدولة بالكامل عنها، وهو في ذلك يرتفع بحضورها لما لا تستحقه، بل هو يرفع تكاليفه عندها، ظناً بأنه على صواب، لكن بالإشارة إلى الأستاذ عبد الله العروي صاحب المجهود الكبير في تأسيس البنى النظرية للدولة؛ مفهومها وهدفها، ووسائلها، نجد في مؤلفه (مفهوم الدولة) يقول: “وما الدولة إلا ظاهرة من ظواهر الاجتماع الطبيعي، تولدت حسب قانون طبيعي، حُكمها إذن مندرج تحت حكم المجتمع العام: إذا بقيت خاضعة لقانون تولدها وظهورها كانت طبيعية.. لذا لا ينشأ تناقض بينها وبين المجتمع، أو بينها وبين الفرد، فإذا حصل تناقض فلسبب غير طبيعي، ناتج عن خطأ إنساني متعمد، وفي تلك الحالة تنشأ الدولة الاستبدادية الظالمة. الدولة إما طبيعية وهي صالحة، وإما فاسدة لأنها غير طبيعية” – العروي: مفهوم الدولة- طبعة (9) – المركز الثقافي العربي – صفحة 19.

​كما لا يحق في التحليل؛ تحليل المجتمع وأدواره والدولة ووظائفها، لا يحق في نظرنا المتواضع استخدام هذا المنهج الهروبي، أي إلقاء التبعة بالكامل على الدولة، وهنا يجب تعريف دقيق للدولة، ماهيتها؟ وشكلها؟، وفي ذلك يعتب الأستاذ العروي على المفكرين الذي انصرف جهدهم لا لتحديد ماهية الدولة، بل القول في أهدافها، ومعاتبته تصدر عن بينة منهجية، تقول أنه لا يستقيم البحث إلا إذا وضعنا الهدف داخل النطاق المحدد للدولة. أما إذا وضعناها مسبقاً خارجها، فإنها تصبح بالضرورة وسيلة في خدمة سواها. (مفهوم الدولة، ص 13).

​وقريب من ذلك يفهم الأستاذ بلقزيز ثنائية (الدولة – المجتمع) بأن بينهما علاقات ترابط، بسبب تغذيتهما على بعضها البعض، أو ما سماه بـ(الهشاشتين)، هشاشة المجتمع، حين تدب فيه الانشقاقات والشرخ، وتأخذه ديناميات الانقسام إلى صدام مُعلَن أو مُضمَر تتواجه فيه جماعات اجتماعية تبدأ في التعبير عن خلافاتها بمفردات سياسية (الدولة والمجتمع، صفحة 57). وكذلك الحال في الدولة التي بموجب هذا التصدع في بنية المجتمع تفقد سلطانها السياسي.. وتفقد تماسكها ووظائفها، وقد تنهار.. ومثال ذلك: حدث في لبنان منذ 1975م إلى العام 1989م، وحدث الصومال منذ التسعينيات من القرن الماضي، ويحدث اليوم في العراق منذ الغزو الكولونيالي في 2003م، وقد يحدث في أي بلد عربي آخر (الدولة والمجتمع) الصفحة ذاتها.

​إن مقصدنا من عرض رؤية (بلقزيز – العروي – الجابري) يتعلق بضرورة نراها وهي تصحيح الفهم السائد والقائل بالانقسام في الوظائف والأدوار وبالتالي في النتائج بين الدولة والمجتمع، وعن الوهم الفاسد المُرجح بغياب فكرة الترابط بينهما، والمقصد الأسمى هو إيجاد تفسير منطقي للأزمات، تفسير يروم النظر إلى الصورة ككل، ويبتعد عن الانتقائية والتجزيئية، نفعل ذلك لأجل فهم أكثر عمق وموضوعية لما تعايشه مجتمعاتنا، وهنا نعني مجتمعنا السوداني على وجه خاص.

الحالة السودانية: (البقدر يقول بارا مافيها ليمون منو؟!)

حالة النقد السياسي غائبة داخل الأحزاب، بل يفتقد الفعل السياسي عندها إلى هذه الحساسية، وليس من المستبعد إجراء فحص للمجتمع السوداني في مساراته القيمية بالذات تلك الرؤى السياسية التي تبناها عبر الدخول والخروج مرات عدة في أوعية الأيديولوجيا، فقد جربنا غالب محاليل الوعي السياسي في مناطه النخبوي الصرف، الذي من العجيب جداً أن تكون الغلبة لجماعة واحدة ويستبعد من الخلية عناصرها الأساسية المشكلة لحيويتها البايولوجية (لا نفهم كيف يترك الأستاذ أحمد خير المحامي خارج الحلبة، إن لم يكن تم اقصاؤه عن عمد؟ والحال كذلك مع محمد عشري الصديق وغيرهم) وصراحة لا يمكن وصف حكومة الزعيم الأزهري بالديموقراطية!. والحال كذلك مع عودة الطائفية إلى حلبة السياسة (1956- 1958م) لكن الجديد هذه المرة عندها هو توسل زائف بنخب أجيرة. عادت القهقرى رغم دعاوي التنوير فلقت بها روؤسنا، لأنه لا يستقيم وجود رجل مثل الشيخ علي عبد الرحمن (الموصوف بالشيخ الأحمر) وذلك لاشتراكيته المتطرفة، أن يكون موجوداً في صفوف حكومة السيدين! لعله أمر معقد وأغراضه تنبهم علينا.

ولنا عودة.. لتحليل “هيموقلوبين” السياسة في لحظاته الحرجة..

ghassanworld@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً