تَناولنا في الحَلقة الاولى مِن هَذه السِلسلة، أن إنجاز إنْتخابات ديمُقراطِية و حُرة و نَزيهة يَستلزم، قَبل كُل شَئ إيجَاد إطار دَستُوري و قَانُوني، يَكون المَرجَعِية في مُمارسَة و إدارة الانْتخابات العَامة في السُودان. و مِن ضِمن شُروط عَديدة، وَجدنَا ان التوافُق السِياسي بِخصُوص تَشريعات الانْتخابات، أمر مُهم من جَانِب بِناء السَلام و مُمارسَة الديمُقراطِية في سَن التَشريعَات، في ظِل هذا الوضع الانْتقالي. و في خَاتمة المَطاف تَوصلنا لوجود قُصُور تشريعي كبير يَجب مُعالجته قبل القَطع بامكَانية إقامة الانتخابات في شهر يوليو 2023.
في هذا المَقال، وجدنا من المُهم المُواصلة في مُناقشة الاطار القَانوني بِتحليل احْكام اتفاقية جُوبا و التي أصبحت لاحقاً جزءا مِن الوثيقة الدستُورية لسنة 2019 بِمُوجب المَادة 79 – بعد تَعديل الوثيقة في 2020. و ذلك بِقصد النَظر في مُتطلبات الانْتخابات العَامة وفقاً لاحكام الاتفاق. هذا التحليل يستهدف أيضاً دراسة مَدى تأثير هذه الانْتخابات في تَرسِيخ المُمارسة الديمُقراطِية في السُودان.
نَصت المادة 13 من اتفاق القَضايا القَومُية في اتفاق جُوبا لِسلام السُودان، على عدد من الشُروط الاستباقية لانعِقَاد الانْتخابات العَامة. يَتطلب تَحقُق تلك الشُروط بالضَرورة انجاز تدابير و اجراءات طَويلة و مُعقدة، و يُمكن تَصُور تلك التَعقيدات بالاطلاع عَلى المَادة 13 نَفسها. تَحليل هذه المَادة يُساعِد بالضرورة مُتخذي السياسات العَامة في وضع خَارطة طَريق لانجاز الانْتخابات كَما هو مُقرر لَها. نَصت المَادة 13 على ضرورة تَحقُق خَمس شُروط اساسية قَبل انْعِقَاد الانْتخابات العَامة ، و تَلك الشُروط هِي:
أولاً: ان يَتم تَنفِيذ خُطة قَومِية خَاصة للعَودة الطَوعِية للنَازِحِين و اللآجئين، كما وردت في اتفاقيات المَسارات المُختلفة.
ثَانياً: عَقد المُؤتمر الدستُوري
ثَالثاً: إجراء التِعداد السُكاني و هذا الجَانب تَم التأكيد عَليه ايضاً في المَادة 12 من الاتفاقية حَيث اشْتَرطَت المَادة على ضَرُورة انْجاز التِعْداد السُكاني بِمُراقَبة دَولية نَزيهة.
رَابعاً: إصْدار قَانون الانْتخَابات و قَانُون الاحْزاب السِياسِية
خَامساً: تَكوين مُفوضِية مُستقلة و كَفؤة للانْتخَابَات.
مَع التَأكيد بَأن اتفاقية جُوبا هِي تَدبير تَوافُقِي و انْتقَالِي، و التي اصبحت جُزء من الوثيقة الانتقالية، و التي يَنتهي اجلها بِصياغة و اعْتماد دَستُور دائم، تتم صِياغته من خِلال إجْراءات تَشَاورية شَفافَة. و بالتَالي نَفهم انْ اتفاقية جوبا هي احد صُور التَوافُقات التي تم انْجازها خِلال الفترة الانتقالية و التي تِستهدف المُساعدة في انجَاز الديمقراطية و السَلام في السُودان. و بالتالي الشُروط أعلاه، قد تَم وضعها بِتقدير أهميتها في مَسار إنْجاز انْتخَابات حُرة و نَزيهة، و بأن تتم إدارتها بِصُورة مُستقلة، و يتم الاتفاق بِخصُوص اجراءاتها بِصُورة توافقِية، و بالتالي تُعزز الانْتخابات وفق الشُروط أعلاه المُمارسة الديمُقراطية و بناء السلام المُستدام و التعايش السلمي. و وفقاً للاشتراطات التي وضعتها الاتفاقية، فلن تكون الانتخابات شرعية، و غير مُنجزة لاهدافها، إذ غَابت تلك الشُروط، و ستكون مُجرد إجراءات فوقية غير نزيهة و لا تُساعد الا في تعميق ازمة الحُكم و الديمقراطية و السَلام في السُودان. و بالتالي من الضَروري التفكِير بِصُورة عِلمية وواقعِية عِند تَحديد مِيقات انعقاد الانتخابات العَامة في السُودان، التي لا يُمكن ان تتحقق و تُنجز اهدافها الا بِتحقُق شُروطها.
لقد نَصت الوثيقة الدستُورية عَلى ان تَكُون الدولة السُودانية دَولة فِيدرالية ديمُقراطِية، و جَاءت اتفاقية جُوبا و فَصَّلت مَفهوم الدولة (الفِيدراليِة) من خِلال العَديد مِن الاحْكَام، و التي لم تِجد سبيلها للتنفيذ حتى الان. من المهم بمكان ان يتم تحديد مستويات الحكم و كذلك النظام الانتخابي الذي سيتم تطبيقه في اطار تقسيم السُلطة في السودان خلال الفترة الانتقالية. كانت المادة 10 من اتفاقية القضايا القومية قد تَنبهت لذلك حين اشترطت ضرورة قيام مُؤتمر نظام الحُكم. قد جاءت المَادة بالعَديد من الاحْكام التي تُساعد الحَكُومة في الفترة الانتقالية على تحديد نَظام الحُكم. فيما يلي أهم أهداف انعِقاد ذلك المُؤتمر، و كذلك اهم الاحكام التي يَجب إقَامتها قَبل إنعقاد الانتخابات و التي بدورها تُساعد في صِياغة نَظام انتخابي و تُحدد مُستويات الحُكم في السُودان:
أولاً: إنْشَاء نَظَام الحُكم الاقليمي
ثانيا: مُراجعة الحُدود و التقسيم الاداري للاقاليم
ثالثا: تَحديد مُستويات الحُكم المُختلفة و هَياكل و صَلاحِيات و إخْتِصَاصَات الاقاليم.
هذا المُؤتمر مُهم لِكونه يُساعد في رسم خَارطة لادارة السُودان من خِلال مُؤسسات حُكم و لتَحديد صَلاحيات كل مُستوى من مُستويات الحُكم، و بيان العِلاقات الرأسية و الافقية بين تلك المُستويات. و بالنَظر الى تلك المُوضوعات من زاوية عِلاقتها بالانْتخابات العَامة، يُمكن توقع أن يَكُون لكل هذه العَمليات تَأثيرات انتخابية من حَيث الهيئات أو المؤسسات الدستورية التي سيتم انتخابها، وتَسلسُل الانتخابات من حَيث الزمان، والتأهيل للمُشاركة الانتخابية و غَير ذلك من مَوضُوعات إنْتخَابِية.
يبدو ان فِكرة المُؤتمر مَرت بِتعقِيدات كَثيرة مُتصلة (بالمَفهُوم) و كَذلك مُتصلة (بالاجْراءات). عُموماً تَكْمُن أهمية هَذا المُؤتمر في إنه سيُحدد ( مُستويات الانتخابات و ترتيباتها الزمانية)، إنتخابات المجلس التشريعية القومِي ، و المَجالس التشريعية للاقاليم، و ما دون ذلك من ولايات و مَحليات. هل سيتم إنتخابات اعضاء مَجلس السيَّادة؟، و ماذا بِخصُوص رئيس مَجلس السيادة؟ ام سيختفي مجلس السيادة من خارطة المؤسسات الدستورية؟. عموماً من الثابت ان الوثيقة الدستُورية قد نصت على أنه يتطلب إجراء انْتخابات (بَرلمَانِية). اذن لابد من الاتفاق على بعض الأُسُسْ و المَعايير الخَاصة بِتقسيم السُلطة، و لا شَك ان المُؤتمر سيكون مَكاناً مُناسباً لتداول الافْكَار و الاتفَاق بِخُصُوصِها.
من جَديد تُؤكد احْكام الوثيقة الدستُورية و اتفاقية جُوبا إن إجراء الانْتِخَابات العَامة خِلال الفِترة الانْتقالِية مِن المُوضوعات المُعقدة للغَاية، و التي تتطلب اصلاحات جَوهرية في اهم مَفاصِل اجهزة الحُكم، و تِتَطلب كذلك إجراء عَملية اصْلاحَات تَشريعية واسِعة.
هناك احْكام ذات صِلة بِمُمارسة الحُكم، و ذات صِلة مُباشِرة بالنَظام الانْتخابي الذي يَجب اعْتِماده. مِثال لِذلك – بدون حَصر: مَبدأ تمثيل الاقاليم في السُلطة وفق ثُقلها السُكاني، و ايضاً مَسالة التمييز الايجابي للمناطق الاقل نمواً و تلك المُتضررة مِن الحِروب. و كذلك مَبدأ تَمثيل المَراة بنسبة 40 في المائة في جَميع مُستويات الحُكم. بِجانب الوضع المُتميز الذي أقرته الاتفاقية للعَاصمة القَومية. كُلها مَبادئ يَجب ان يَعالجها النَظام الانْتخابي المَأمُول بالقَدر الذي يُحقق أهداف التَحول الديمقراطِي. حَسناً فَعلت المَادة الاولى مِن اتفاقية جُوبَا في بَاب المَبادئ العَامة حين نَصت في سِياق تَقاسُم السُلطة، عَلى ضَرورة مُمارسة ذلك في اطار بِناء السَلام و الوحدة الوطنية. نَقرأ الفقرة 12من المَادة الاولى كَما يلي: ان لتقاسُم السُلطة بِصورة عَادلة أهْمِية بِالغة لِوحدة السُودان و أمنه و استقراره، و يَمثل التداول السِلمي للسُلطة عَبر إنتخابات حُرة و نَزيهة … ضَماناً للاستِقرار و أساساً مَتيناً للحُكم الديمقراطِي في السُودان.
من النَصْ أعْلاهُ نَفهم أن فَلسفة الانْتخَابات فِي الفِترة الانْتقالية يَجب ان تَقُوم على عَدد من المَبادِئ، من بينها العَدالة و السَلام و الديمُقراطِية و الوحدة الوَّطنية. و بالتَالِي لا يَجُوز إبْتدار إجراءات للانتخابات العَامة فِي السُودان دون مُراعاة و اسْتِهداف تِلك المَبادئ.
advosami@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم