د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد
abdelrmohd@hotmail.com
رسالة الى معالي البروفيسور كامل إدريس، رئيس مجلس الوزراء،
وإلى معالي الأستاذ خالد الإعيسر، وزير الثقافة والإعلام والسياحة،
تحية تليق بالسودان، بتاريخه وذاكرته الثقافية وتنوعه الذي ظل، على الرغم من المحن، أحد أعظم مصادر قوته وثرائه.
أكتب إليكما عبر الصحافة السودانية مقترحًا أرجو أن يجد مكانه في مشروع إعادة بناء السودان، وهو إنشاء مركز قومي لدراسات وتوثيق الفنون والموسيقى والغناء السوداني؛ مؤسسة علمية وثقافية حديثة لا تكتفي بجمع الأغنيات وتسجيلها، وإنما تتولى حفظ التراث الموسيقي والغنائي السوداني ودراسته وتوثيقه ورقمنته والتعريف به عالميًا، وتحويل جزء من هذا الإرث الهائل إلى مورد ثقافي وفكري واقتصادي للبلاد.
فالسودان لا يحتاج في مرحلة إعادة البناء إلى الجسور والمصانع والمستشفيات والمدارس وحدها، على عظيم أهميتها، وإنما يحتاج كذلك إلى إعادة بناء ذاكرته؛ فالأمم التي تفقد ذاكرتها الثقافية لا تخسر أغنيات قديمة فحسب، بل تخسر جزءًا من صورتها عن نفسها.
لدينا ثروة هائلة موزعة بين أغنيات الحقيبة، والمدائح النبوية، والدوبيت، والطمبور، والجراري، والمردوم، والكرير، وأغاني البنات، وأغاني العمل والحصاد والرعي والمناسبات الاجتماعية، والموسيقى الحديثة، فضلًا عن التقاليد الموسيقية والغنائية المتنوعة في دارفور وكردفان والشرق والشمال والنيل الأزرق والوسط وسائر أقاليم السودان.
هذه ليست مادة للترفيه وحده.
إنها وثائق اجتماعية وتاريخية ولغوية وأنثروبولوجية.
فحين ندرس أغنيات الحقيبة، مثلًا، فإننا لا ندرس اللحن والصوت وحدهما؛ ندرس اللغة السودانية في مرحلة تاريخية مهمة، وصورة المدينة، وأحياء أم درمان والخرطوم وبحري، والملابس والعطور والحدائق والنيل، وصورة المرأة والرجل، ومفاهيم الجمال والحب، وعلاقة السوداني بالموروث العربي والأفريقي والصوفي.
وحين نقرأ في تلك الأغنيات «الريم» و«الغزال» و«الرشا» و«الشادن» و«القمري» و«البلبل»، فإننا أمام معجم جمالي كامل يستحق الدراسة. وحين ننتقل إلى الطمبور أو الدوبيت أو الجراري أو المردوم، ننتقل إلى بيئات أخرى لها مفرداتها وإيقاعاتها وصورها وعلاقتها بالأرض والماء والصحراء والحيوان والإنسان.
وهنا تكمن الحاجة إلى المركز القومي لدراسات وتوثيق الفنون والموسيقى والغناء السوداني.
ينبغي ألا يكون المركز متحفًا للماضي، بل مؤسسة حية تجمع بين الأرشيف والجامعة والمختبر الموسيقي والمنصة الرقمية ومركز الملكية الفكرية والصناعة الثقافية.
يتولى المركز، أولًا، مشروعًا قوميًّا لجمع التراث الغنائي والموسيقي السوداني وحفظه ورقمنته، بما في ذلك التسجيلات القديمة والأسطوانات والأشرطة والصور والمخطوطات والدفاتر والبرامج الإذاعية والمقابلات مع الشعراء والملحنين والمطربين والعازفين، مع إعطاء أولوية عاجلة للمواد المهددة بالضياع.
ويتولى، ثانيًا، إنشاء أرشيف رقمي قومي للصوت السوداني، بحيث تستطيع الأجيال المقبلة والباحثون، وفق ضوابط الملكية الفكرية، الوصول إلى تسجيلات موثقة تحمل اسم الشاعر والملحن والمؤدي والعازفين وتاريخ التسجيل ومكانه ومصدره.
كما ينبغي للمركز أن يهتم بجمع الرواية الشفوية من الفنانين والموسيقيين والشعراء والباحثين وكبار السن الذين يحملون في ذاكرتهم معلومات قد لا توجد في كتاب أو أرشيف؛ فكلما رحل واحد من هؤلاء قبل تسجيل شهادته، ربما رحلت معه صفحة كاملة من تاريخ السودان.
الثقافة ليست عبئًا على الاقتصاد
وقد يسأل سائل، في بلد أنهكته الحرب ويواجه أولويات اقتصادية وإنسانية ضخمة: لماذا ننفق المال على مركز للأغاني والفنون؟
والجواب أن هذا السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة نظر.
فالثقافة في العالم المعاصر ليست مجالًا للاستهلاك المالي فقط؛ إنها جزء من الاقتصاد الإبداعي العالمي، وهو اقتصاد يقوم بدرجة كبيرة على تحويل الإبداع والمعرفة والموهبة إلى أصول ذات قيمة اقتصادية، وفي مقدمتها حقوق الملكية الفكرية وحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
والأغنية في هذا الاقتصاد ليست مجرد كلمات ولحن ينتهيان بانتهاء لحظة الاستماع؛ إنها مصنف فكري وفني محمي يمكن أن تتولد عنه حقوق وعوائد لسنوات طويلة. والتسجيل الصوتي كذلك أصل اقتصادي يرتبط بحقوق الأداء والتسجيل والإنتاج، ويمكن أن يحقق إيرادات من البث الإذاعي والتلفزيوني، والمنصات الرقمية، وخدمات الاستماع عبر الإنترنت، وإعادة النشر والترخيص، واستخدام الموسيقى في الأفلام والإعلانات والبرامج وغيرها.
وتوضح دراسات المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) حجم الأثر الاقتصادي لهذه الصناعات؛ إذ بلغ متوسط مساهمة الصناعات القائمة على حقوق المؤلف في الدول التي شملتها دراساتها نحو 5.54% من الناتج المحلي الإجمالي و5.78% من العمالة (WIPO, 2021). وهذه النسب لا تعني أن كل اقتصاد في العالم يحقق النسبة نفسها، وإنما تمثل متوسط الاقتصادات التي شملتها الدراسات، وهو تمييز مهم عند قراءة الأرقام.
أما صناعة الموسيقى المسجلة وحدها، فقد بلغت إيراداتها العالمية 31.7 مليار دولار أمريكي في عام 2025، بزيادة بلغت 6.4% عن العام السابق، مسجلة بذلك العام الحادي عشر على التوالي من النمو. وتجاوزت إيرادات البث الرقمي 22 مليار دولار، وأصبحت تمثل 69.6% من إجمالي إيرادات الموسيقى المسجلة عالميًا (IFPI, 2026).
والصورة أكبر من الموسيقى وحدها؛ فقد قدرت بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) أن صادرات الخدمات الإبداعية العالمية بلغت رقمًا قياسيًا قدره 1.7 تريليون دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 12% عن العام السابق، وأصبحت تمثل نحو 20% من إجمالي تجارة الخدمات العالمية (UNCTAD, 2026).
هذه ليست أرقامًا بعيدة عن موضوع الأغنية السودانية، بل ينبغي أن تغير الطريقة التي ننظر بها إلى تراثنا الفني.
فعندما نحفظ تسجيلًا نادرًا، ونحدد شاعره وملحنه ومؤديه وتاريخ تسجيله وأصحاب الحقوق فيه، ثم نوثقه قانونيًا ورقميًا، فإننا لا نحفظ الذاكرة السودانية فحسب، بل نحافظ أيضًا على أصل من أصول الملكية الفكرية السودانية يمكن أن تكون له قيمة ثقافية وتجارية داخل السودان وخارجه.
ومن هنا يمكن للمركز أن يعمل، بالتعاون مع الجهات المختصة، على إنشاء سجل وطني رقمي للأعمال الموسيقية والغنائية السودانية يربط كل عمل بشاعره وملحنه ومؤديه وتسجيلاته وأصحاب الحقوق فيه، ويساعد في تنظيم الترخيص وإعادة النشر والبث والاستخدام التجاري، بما يحفظ حقوق المبدعين وورثتهم ويتيح للسودان الاستفادة المشروعة من إنتاجه الثقافي.
إننا، بهذا المعنى، لا نتحدث فقط عن حفظ أغنية جميلة من الضياع، وإنما عن حماية رأسمال فكري سوداني؛ فكما تحمي الدولة ذهبها وأرضها ومواردها الطبيعية، ينبغي أن تحمي كذلك الأغنية واللحن والقصيدة والتسجيل والصورة والفيلم بوصفها أصولًا ثقافية وفكرية يمكن أن تنتج المعرفة والدخل وفرص العمل والقوة الناعمة.
والسودان يملك المادة الخام لهذا الاقتصاد بكثافة استثنائية، لكنه لم يحولها بعد بالصورة الكافية إلى صناعة ثقافية منظمة تحفظ حقوق المبدعين وتعود على البلاد بالفائدة.
من الأرشيف السوداني إلى العالم
يمكن للمركز كذلك أن يصبح نافذة لتقديم الموسيقى السودانية إلى العالم.
فنحن نملك إيقاعات وألحانًا وأصواتًا شديدة الخصوصية، لكن العالم لا يعرف منها إلا القليل. ويمكن لمشروع قومي مدروس أن ينتج تسجيلات عالية الجودة، وترجمات للنصوص الغنائية، ودراسات باللغتين العربية والإنجليزية، وأفلامًا وثائقية، ومعارض ومهرجانات، وشراكات مع الجامعات ومراكز الموسيقى والمتاحف والمؤسسات الثقافية الدولية.
وهنا تلتقي الثقافة بالسياحة بصورة مباشرة.
فلماذا لا يأتي الزائر يومًا إلى السودان من أجل مهرجان قومي للموسيقى السودانية، مثلما يسافر الناس إلى بلدان أخرى من أجل مهرجانات الجاز والموسيقى الأفريقية والفنون الشعبية؟
ولماذا لا تكون هناك مسارات ثقافية تزور أم درمان بوصفها إحدى الحواضن التاريخية للحقيبة والغناء والإذاعة، ثم تمتد إلى مناطق الطمبور في الشمال، وإلى كردفان ودارفور والشرق والنيل الأزرق وغيرها، بحيث يتعرف الزائر إلى السودان من خلال موسيقاه ورقصاته وآلاته وملابسه ومأكولاته وحرفه؟
إن ذلك يخلق حركة اقتصادية حول الفن يستفيد منها الفنان والباحث والمرشد السياحي والفندق والمطعم والحرفي والناشر والمصور وصانع الفيلم، ويجعل الثقافة جزءًا من دورة اقتصادية أوسع بدل النظر إليها بوصفها بندًا للإنفاق فقط.
السودان ليس صوتًا واحدًا
وأقترح بشدة ألا يحمل المركز تصورًا ضيقًا للثقافة السودانية، وألا يصبح مركزًا لغناء الوسط وحده مهما كانت أهميته التاريخية.
ينبغي أن يكون السودان كله داخل المبنى.
الحقيبة إلى جوار الطمبور، والدوبيت إلى جوار المردوم، والجراري إلى جوار المدائح، وأغنيات الشرق إلى جوار أغنيات النيل الأزرق، والتراث النوبي إلى جوار بقية التقاليد الموسيقية، والأغنية الحديثة إلى جوار التراثية.
فالتنوع الموسيقي ليس مشكلة تحتاج إلى حل؛ إنه ثروة قومية تحتاج إلى اكتشاف.
بل ربما تستطيع الموسيقى أن تفعل في الوجدان السوداني ما تعجز عنه الخطب السياسية أحيانًا؛ إذ يستطيع الإنسان أن يحب أغنية قادمة من منطقة لم يزرها قط، وأن يطرب لإيقاع صنعه سوداني يتحدث لغة أو لهجة مختلفة عنه. وهنا يتحول الفن إلى مساحة للتعارف بين السودانيين أنفسهم.
مركز للبحث أيضًا
وأقترح ألا يقتصر عمل المؤسسة على «حفظ التراث»، لأننا نحتاج إلى الدراسة والبحث بقدر حاجتنا إلى الحفظ.
يمكن للمركز أن يستضيف الباحثين، ويصدر مجلة علمية محكمة لدراسات الموسيقى والفنون السودانية، ويقدم منحًا للطلاب، وينظم مؤتمرات، ويشجع رسائل الماجستير والدكتوراه في الموسيقى والأدب واللغة والأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية.
ويمكن إنشاء وحدات متخصصة داخله، منها وحدة للحقيبة وتاريخ الأغنية الحديثة، ووحدة للموسيقى والأغنيات الشعبية والأقاليم، ووحدة للمدائح والتراث الروحي، ووحدة للآلات والإيقاعات السودانية، ووحدة للأرشيف والتوثيق الرقمي، ووحدة للملكية الفكرية والحقوق الرقمية والاقتصاد الإبداعي، ووحدة للترجمة والعلاقات الدولية.
ولا أتصور هذا المشروع مبنى ضخمًا يستهلك الأموال في بدايته. يمكن أن يبدأ صغيرًا وذكيًا: مجلس علمي محترم، فريق أرشفة ورقمنة، استوديو لحفظ التسجيلات، مكتبة، قاعدة بيانات إلكترونية، وعدد محدود من الباحثين، ثم يتوسع بالشراكة مع الجامعات والإذاعة والتلفزيون والمؤسسات الثقافية والسودانيين في المهجر.
نداء قبل أن يضيع المزيد
معالي رئيس الوزراء، ومعالي وزير الثقافة والإعلام والسياحة:
هناك تسجيلات قديمة تتآكل.
وهناك أشرطة في بيوت خاصة لا يعرف أحد ما تحمله.
وهناك شعراء وفنانون وعازفون ورواة يحملون ذاكرة عشرات السنين، وبعضهم يرحل قبل أن نجلس أمامه بكاميرا وميكروفون ونسأله: احكِ لنا.
وهناك أعمال سودانية تنتشر في الفضاء الرقمي أحيانًا من غير معلومات دقيقة عن أصحاب الكلمات والألحان والأداء، وربما من غير أن تصل إلى أصحابها أو ورثتهم الحقوق المادية التي يمكن أن تنتج عن استخدامها.
ولهذا فإن إنشاء هذا المركز ليس مشروعًا للاحتفاء بالماضي فقط.
إنه مشروع لحماية المستقبل من فقدان الماضي، وحماية الإبداع السوداني من أن يكون حاضرًا في العالم بينما يغيب أصحابه عن حقوقه.
وإذا كان السودان مقبلًا على إعادة بناء ما هدمته الحرب، فلنضع الثقافة ضمن ما يستحق البناء. فالحجر يعيد بناء المدينة، لكن الذاكرة هي التي تعيد إليها روحها.
وأقترح أن تتبنى رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الثقافة والإعلام والسياحة الدعوة إلى مؤتمر تأسيسي صغير يضم الموسيقيين والشعراء والباحثين والمؤرخين وخبراء الأرشفة والملكية الفكرية والاقتصاد والسياحة والجامعات والإذاعة والتلفزيون، للخروج خلال فترة محددة بتصور عملي لإنشاء:
المركز القومي لدراسات وتوثيق الفنون والموسيقى والغناء السوداني
مركز يحفظ الصوت قبل أن يصمت، والصورة قبل أن تتلاشى، والرواية قبل أن يرحل صاحبها؛ مركز لا ينظر إلى أغنية الحقيبة أو إيقاع المردوم أو صوت الطمبور باعتبارها ذكريات جميلة فحسب، وإنما باعتبارها معرفة وهوية وملكية فكرية وقوة ناعمة وثروة اقتصادية سودانية.
فالسودان الذي نريد أن نبنيه لا ينبغي أن يعرفه العالم بذهبه وصمغه وثرواته الزراعية والحيوانية وحدها.
للسودان ثروة أخرى لا تُستخرج من باطن الأرض؛ إنها تخرج من حناجر أبنائه، ومن أوتار آلاتهم، ومن إيقاعات طبولهم، ومن أشعارهم وذاكرتهم.
فلنحفظها، ولندرسها، ولنحمِ حقوق أصحابها، ولنقدمها للعالم، ولنجعل منها موردًا للمعرفة والوحدة والجمال والاقتصاد.
د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد
المراجع
International Federation of the Phonographic Industry (IFPI). (2026). Global Music Report 2026: State of the Industry. London: IFPI.
United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). (2026). Global trade in creative services booming while trade in creative goods stalls. UNCTAD Data Hub.
World Intellectual Property Organization (WIPO). (2021). The Economic Contribution of the Copyright Industries: An Overview of Results from WIPO Country Studies. Geneva: World Intellectual Property Organizatio
