حتى لا نضل الطريق .. بقلم: عمر هاشم

 

تحديات متعاظمة ومخاطر متصاعدة، باتت تواجه الثورة اليافعة التي بالكاد أكملت عامها الأول منذ اندلاعها. ويبدو واضحا أن ثمة مصاعب جمة تواجه حكومة الثورة، وكبوات مؤسفة تعطل مسيرها، وثغرات متعددة تفتح هنا وهناك بفعل فاعل لعرقلة عملها ولإلهائها عن التركيز على الوصول إلى هدفها النهائي واضعاف ثقة الجماهير فيها. 

ولكن عند النظر للأمور بمنظار أوسع، سنجد أن من المعهود تاريخيا في كل الثورات وحالات الانتقال ما بين نظام سياسي وآخر، حدوث شيء من الاضطراب وارتباك الأمور وسيولة الأوضاع بصفة عامة إلى حين استقرار نظام جديد. وغالبا ما يسبق حدوث الثورات، حدوث علل جوهرية واختلالات وظيفية كبرى في أحد المناحي الأساسية لأداء الدولة أو النظام سواء كانت في الجانب السياسي، أو الاقتصادي، أو الأمني، أو حتى القيمي، مما يؤدي بدوره إلى اندلاع الثورات وانهدام النظام في النهاية. وغني عن الاشارة هنا، إلى الانهيارات العظمى التي شملت كل مناحي أداء الدولة على كافة الأصعدة، هي التي قادت في النهاية إلى اندلاع ثورة الشعب في ديسمبر 2018 وهي ذات الانهيارات التي يدوي صداها اليوم في كافة أركان الدولة، مهددة البلاد بخراب شامل.
وإذا كان الحال على ما هو عليه، لا يجب علينا أن نبالغ في الجزع من الواقع، كما لا ينبغي لنا أن نركن إليه على علاّته بالطبع. علينا محاولة فهم الواقع بصورة جيدة، معايشته بصبر، معالجة الأمور فيه بحكمة، ومن ثم علينا المضي قدما بثبات لتحقيق هدف الثورة وتنزيل قيمها على الأرض حتى تصير واقعا معاشا لكل الناس، فهذا ما قام الناس من أجله، وما أرتقى الشهداء في سبيله. لم تقم هذه الثورة فقط لتسقط نظاما فاشلا فاسدا مستبدا، بل قامت لتقيم دولة حديثة، دولة مؤسسات مهنية يسود فيها حكم القانون، ينعم مواطنوها فيها بقيم الحرية والسلام والعدالة.
لا شك ان تحديات هذا الواقع الصعب تفرض نفسها بقوة على الساحة، ولكن علينا أن ننتبه إلى أن الانشغال الكامل بالتصدي للتحديات الآنية على حساب تحقيق الأهداف المستقبلية يعني في النهاية شيئا واحدا هو الفشل. لذا علينا ضبط البوصلة بدقة وتحديد الهدف بوضوح، ومن ثم علينا العمل على تحييد أو تجاوز التحديات التي تعترض سبيل تحقيق الهدف. من الضروري ان ندرك، ان الانغماس الكلي في مجابهة التحديات -على جسامتها والحاحها- يمكن ان يستهلك حيز التغيير القصير – المتمثل في الفترة الانتقالية الحالية المؤقتة بما يزيد قليلا على ثلاثة أعوام – من دون احداث تحول جوهري في بنية الدولة يفضي الى تأسيس قواعد متينة لدولة قادرة على النهوض.
هذه ليست دعوة للتخلي عن مواجهة تحديات الواقع أو القفز فوقها، ولكنها دعوة لترتيب الأولويات ووضع الأمور في نصابها. وعند وضع هذه التحديات في سياقها الصحيح سنجد أنها في مجملها كانت ولاتزال وستظل أعراض مصاحبة لعلّة مزمنة ظلت تلازم الدولة السودانية منذ تكوينها. لا أدلّ على ذلك من ظهور مبادئ هذه الأعراض منذ فترات طويلة من تاريخنا، صحيح أنها ازدادت وتفاقمت بشدة وضراوة غير مسبوقة بعد تجربة نظام الانقاذ المريرة، لكن ذلك لا ينفي انها كانت موجودة منذ البداية. فإذا اغمضنا اعيننا اليوم وعدنا للوراء للعام 1955 أو 1964 فسنرى تطاير شرر الحرب الأهلية ماثلا للعيان، وإذا عدنا للعام 1985 فسنجد حرب أهلية مستعرة وأزمة اقتصادية طاحنة، وإذا ما عدنا للعام 1989 فسنجد أيضا تحديات الحرب وتدهور الاقتصاد وضعف مؤسسات الدولة. علينا ألّا ننسى أبدا ان ما جعل من تجارب الانتقال السابقة تجارب فاشلة، هو فشلها في علاج العلّة الرئيسية المتمثلة في عدم تهيئة أرضية متماسكة ووضع أسس متينة لبناء الدولة ومن ثم استيلاد نظام سياسي مستقر وفعّال يستطيع مجابهة تحديات حكم بلد معقد كالسودان.
إن بناء الدولة الحديثة يبدأ من وضع دستور يقيم الدولة ويصوغ نظامها السياسي. صحيح ان الدستور لا يطعم جائعا، ولا يكسي عاريا، لا يعبد طريقا ولا يبني مستشفى، ولكن الدستور هو الذي يصنع المؤسسات والحكومات التي تهتم بكل ذلك وهو الذي يمنحها سلطاتها، دستور الدولة، أي دولة، هو ببساطة ما يشكّل جوهر السلطة السياسية فيها وما يحدد كيفية ممارستها، ومشكلة كل الأنظمة التي تعاقبت على حكم السودان أنها عانت من عيوب خلقية جوهرية أدت في النهاية إلى فشلها جميعا بلا استثناء. بعبارة أخرى، البدايات الصحيحة أو الخاطئة لاستلام وممارسة السلطة هي ما سيقود في النهاية إلى نجاح أو فشل الأنظمة.
سيكون من السذاجة الاعتقاد ان إقرار أي دستور بأي طريقة كيفما اتفق سيفي بالغرض، فلنا تجارب مريرة في هذا الصدد، وسيكون من السماجة أيضا إعادة تشغيل الأسطوانات المشروخة القديمة المتجددة من قبيل إسلامية الدستور مقابل علمانيته، عروبة الهوية ضد افريقانيتها. يجب ان يبتعد النقاش حول الدستور عن الهذيان مع صراع الأيدولوجيا التي لا تعني عموم المواطنين في شيء، ويجب التركيز عوضا عن ذلك على النفاذ الى جوهر قضايا الحكم والإدارة العامة.
السودان بلد عظيم وبلد ثري ولكنه مبعثر، يحتاج إلى دستور محكم ونظام سياسي ملائم يعيد تجميع وتوحيد ما تشتت من شعث دولته وشعبة، ويصنع مؤسسات حديثة تقود البلاد وتضعها على الطريق الصحيح. ان انجاز الدستور وصياغة نظام سياسي جديد هو الضمانة الفعلية لإنجاح الثورة، ويجب أن يظل هذا الهدف هو الغاية الأسمى لهذه الفترة الانتقالية وما سوى ذلك تحديات عابرة يجب ان نعبرها بنجاح، لا ان نجعل منها شماعة نعلق عليها فشلنا في تحقيق هدف الثورة، فأعظم الدساتير هي تلك التي انجزت خلال أوقات الأزمات المصيرية وتداعي هيكل السلطة. وفي حقيقة الأمر لا يوجد تعارض أصلا ما بين مواجهة جميع تحديات الثورة وتحقيق هدفها الأسمى، بل بالعكس تماما يمكن ان يسهم السعي في تحقيق الهدف إلى تسهيل تجاوز تحديات كبيرة. ان كان للسودان يوما ما مشروع وطني يملك القدرة على صياغة امة سودانية متحدة وصناعة دولة سودانية ناهضة فهذا هو ذا يقف امامهم اليوم كما وقف من قبل منذ فجر الحركة الوطنية.
لقد ابدع السودانيون أيما ابداع في صنع سوانح تاريخية عديدة لصناعة التحول، ولكنهم أيضا برعوا أيما براعة في اضاعة كل السوانح والفرص بسوء إدارتهم للتغيير وبإزاغة تركيزهم عن الهدف في كل مرة. لقد آن الأوان في السودان ليسود فيه حكم القانون بدلا من هيمنة القرارات الجزافية للحكام، آن الأوان في السودان لتحكم مؤسسات الدولة الحديثة، فلقد ضاعت من السودان سنوات طويلة تسلطت فيها أنظمة مختلفة عكست أهواء ونزوات وتجاريب صانعيها أوردت البلاد مهالك الفشل وأورثت العباد الفتن والفقر والحروب.
في أواخر القرن الثامن عشر، وضمن ما عرف بأوراق الفيدراليين، كتب اليكساندر هاميلتون – أحد صانعي الدستور الأمريكي – مقالا مخاطبا به أهل ولايته نيويورك، يحثهم فيه على المصادقة على الدستور الجديد للولايات المتحدة الأمريكية، وردت في ذلك المقال فقرة تستحق التأمل بدى مناسبا نقلها هنا بتصرف، تقول الفقرة:
يبدو أنه قد افردت الفرصة لشعب هذه البلاد ليجيب – بسلوكه ومثاله – على سؤال مهم، وهو هل في استطاعة المجتمعات الانسانية القدرة على انشاء حكومة صالحة من خلال تفاكرهم واختيارهم، أم ان الناس قد قدّر لهم ان يعتمدوا الي الأبد على القوة وحوادث الزمن في صناعة دساتيرهم السياسية.
يبدو أن نفس السؤال يطرح نفسه مجددا اليوم أمام نخبنا، كما طرحها على أسلافهم من قبل، فهل يا ترى للقوم قدرة أو رغبة للإجابة، هل ستمضي هذه الثورة برغم العقبات والعثرات نحو تحقيق غاياتها.

omar.hashim99@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً