حجج مثقوبة في مديح القُبح .. بقلم: ابراهيم عثمان
18 أكتوبر, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
51 زيارة
——————–
الباطل بيّـن لا يكاد حشد الحجج المنافحة عنه يستر عريه مهما تذاكى المدافعون ، فالحجج التي تحاول أن تدافع عن الباطل لا تفعل شئ سوى مزيد من البرهنة على أنه باطل ، وإلا لما احتاج صاحبها إلى كل هذا الغش والتدليس لستره ولما جاز تشغيلها بسهولة في الإتجاه المعاكس ، بينما الحق دائماً يرتفع ليصل إلى مرتبة البديهية والمسلمة التي تبرهن على نفسها بنفسها ولا تحتاج إلى براهين من خارجها ، وذلك يُتعب الذين يهاجمونه فيهربون من مهمة دحضه في ذاته إلى مهمة أكثر صعوبة فيسلمون ضمناً بكونه الحق حينما يحاولون التشويش عليه من خارجه بحجج مركبة يعوزها التماسك ولا يزيد سقف طموحها عن مجرد المشاغبة والتشكيك وتنزيل درجته من حق بديهي ومسلم به إلى حق نسبي يحتمل الإختلاف ، هناك قضايا جدلية تحتمل هذا النوع من الغش الجدالي ، لأنها بطبيعتها قضايا معقدة ينبني الموقف منها أو الحكم عليها على عناصر كثيرة فيها مجال لإختلاف الآراء ، وفيها مجال لإشتغال الحجج المثقوبة بخفاء قد لا يلحظه الكثيرون ، وهي بطبيعتها لا تحتمل الصحة المطلقة ولا الخطأ المطلق ، وبرغم ذلك فإن من يحاولون البرهنة على أي من الحكمين الجذريين قد يجدون مجالاً أكبر للتفهم ، خاصة في الجدل السياسي حيث المجال أكبر لإختلاف الآراء ، وحيث تقل المسلمات المجمع عليها وتكثر مواضيع الإختلاف سواء حول صحة وخطأ المبدأ أو حول طرق تطبيقه أو حتى حول النوايا . لكن البعض من العلمانيين و”أصدقائهم ” يحاولون في مرات كثيرة الخروج عن الجدل في النسبي والمتحرك والقابل لإختلاف الآراء إلى الجدل في المتفق عليه لأن مشكلتهم الأساسية هناك ، وهم يعلمون أنها السبب الرئيسي لعدم شعبيتهم ، لذلك يضطرون إلى اقتحام هذه المناطق الملغومة بزاد حجاجي لا يفعل شئ سوى زيادة عزلتهم .
من الحجج المثقوبة الرائجة :
– الزي المحتشم للمرأة لا يعني العفة بالضرورة وقد ترتكب المرأة المحتشمة جرائماً اعتماداً على زيها ولذلك يجب علينا محاربة الزي المحتشم ( =الحجاب ) ، بينما هذه الحجة يمكن بسهولة أن تُعكٓس وتكون أكثر معقولية ، فالزي غير المحتشم أيضاً لا يعني العفة بالضرورة ، بل هو أكثر قابلية لتشغيل هذه الحجة . وقد ترتكب المرأة السافرة جرائماً اعتماداًعلى زيها ، فهل يجرؤ صاحب الحجة هذه على القول بأن الزي غير المحتشم يجب أن يُحارَب ؟! طبعاً لا، بدلاً عن ذلك سيدخل في جدل تعريف الحشمة والزي المحتشم والحرية الشخصية بمعناها العلماني الأكثر استخداماً ( = الحرية الشخصية التي تُستخدَم لتبرير أي تصرف أو سلوك متحرر من تعاليم الدين الصريحة ، والتي لا يُسمَح بتشغيلها في الإتجاه الآخر ) ، إذن هو يعلم في قرارة نفسه أن الأصل والمسلم به هو الحشمة ، وهو في الحقيقة يرفضها إن كانت تعبيراً عن التزام ديني كجزء من رفضه لكثير من تعليمات الدين ، وهو في الحقيقة يرفض حجته التي بنى موقفه اعتماداً عليها لأنها أكثر انطباقاً على ما يدافع عنه من سفور .
– هناك أيضاً حجة مثقوبة تعتمد على معنى كلمة الحجاب ،تقول أن الحجاب هو ستار يفصل بين النساء والرجال وليس كسوة خاصة بالنساء ولذلك ليس هناك شئ اسمه حجاب المرأة . ذلك نقاش مشروع في التسمية ، لكنه لا يلغي أن التزام المرأة بالزي المحتشم واجب وبعد ذلك فليسمه الناس كما يشاؤون .
– الإسلاميون يخدعون الناس بالدين لذلك يجب عدم اتباعهم ، لنسلم لك -أيها العلماني- بذلك جدلاً ، ولنسائل قناعاتك لنرى إن كان رأيك هذا هو موقف من الذين يخدعون الناس بالدين أم هو موقفٌ من الدين ، لماذا – وأنت المسلم – لا تتجنب ما يفعله الإسلاميون بحسب زعمك ؟ لماذا لا تصدِق الناس بالدين ؟ فما دامت التجارب أثبتت أن من يخدعون الناس بالدين – كما تتهمهم – يجدون التأييد من غالبية الشعوب، فبالتأكيد ستجد أنت الذي لا تريد خداعهم بالدين تأييداً أكبر إذا صدقتهم بالدين ، ما الذي يمنعك من ذلك ؟ هل هم الإسلاميون الذين يخدعون الناس بالدين أم هو موقفك من الدين ؟! أم أنك تريد أن تقول أن أي دعوة لتحكيم الدين سيكون صاحبها بالضرورة خادعاً للشعب ؟! إن كان هذا هو رأيك إذن أنت تقول أن الدعوة الصادقة لتمكين الدين مستحيلة وبالتالي فأنت تسفه عقيدة غالبية الشعب . هل أنت حقيقةً محايد تجاه الأديان كما تقول دائماً ؟! بل هل موقفك تجاه دينك يرقى حتى إلى درجة الحياد هذه؟ لا طبعاً فأنت – كعلماني – تدعو إلى إقصاء الدين عن الشأن العام ،هذه هي نقطة الإختلاف الجوهرية بينك وبين الإسلاميين ، أما الجدل حول خداع الناس بالدين فهو جدلٌ مخادع ما دام بإمكانك ألا تخادعهم أنت به وتقدم البديل الصادق ، وأما الجدل حول سوء تطبيق الآخرين للدين فهذا أيضاً جدلٌ مخادع ، فأمامك فرصة أن تعد الناس بتطبيق أفضل ، وما دمت لا تفعل فأنت صاحب موقف من الدين ( في الحقيقة أنت بالتعريف كذلك ) . كن شجاعاً وركز هجومك على أصل فكرة الدعوة إلى تحكيم الدين وأن مشكللتك الحقيقية مع الإسلامي هي دعوته لما ترفض ، أما حكمك على صدقه في دعوته فهو نقاش فرعي فأنت ضده حتى لو صدق. ( ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه ) حكمة ستقف في وجهك مهما راوغت .
– ( نعم بعض الشيوعيين لا يؤدون الصلوات ، ولكنهم يتساوون في عدم الصلاة مع الإسلاميين الذين يصلون لكنهم ( يسرقون و يقتلون ويكذبون ويزنون ويسكرون … الخ ) ، وبما أن بعض الشيوعيين وكل.الإسلاميين متساوون في عدم الصلاة ، وبما أن الشيوعيين لا يفعلون هذه المنكرات إذن الشيوعيون الذين لا يصلون هم أفضل من الإسلاميين ) ! ، طبعاً هذه حجة ( مثل شملة كنيزة ثلاثية وقدها رباعي ) .لأنها تهرب من الحكم على عدم الصلاة في أصله وتلجأ إلى أسلوب المقارنة المخادع، فعيوب خصمي حتى لو ثبتت جميعها لا تبرر عيبي ولا تجعل البحث عن أفضلية من باب عيبي أمراً سائغاً . ولأنها تستخدم ما اجتهدت في رصه من تهم لبعض المصلين لتخلق مساواة في عدم الصلاة ، ثم تعيد تدوير الحجة مرة أخرى لتخلق تفاضلاً زائفاً ، وهو زائف لأنك قد استهلكت التهم التي بالغت في تعدادها في تحقيق المساواة في عدم الصلاة ولم يبقى شئ لتستخدمه في المفاضلة . ولأن التدليس واضح في تبعيض الذين لا يصلون من الشيوعيين وجمع الإسلاميين في ممارسة تلك المنكرات التي بها يتساوون مع الشيوعيين في عدم الصلاة ، ولأن عاقد هذه المقارنة نفسه إسلامي وينتمي إلى حزب كل عضويته إسلاميون وبديهي أنه لا يعتقد أن هذه المقارنة تجوز على معظمهم وعليه شخصياً ! ولأنه من حيث لا يشعر قد أسرف في التنكيل بتارك الصلاة وجعل المساواة معه في عدم الصلاة تحتاج من المصلي إلى ارتكاب كل هذه الموبقات . ولأنه قد أعطى أصحابه أفضلية على باطل مطلق أسرف في خلع صفات القبح عليه فأصبحت أفضلية رثة وقبيحة قد لا ترضي أصحابه ( ألم تر أن السيف يزري بقدره إذا قيل إنّ السيف أمضى من العصا ؟! ). . ولأنها حجة مبنية على افتراضات تحكمية ومصادرات غير مفحوصة تحتاج هي نفسها إلى برهنة ( الشيوعيون لا يفعلون كذا وكذا والإسلاميون يفعلون ) . وأخيراً لأن الذين ينتقدون عدم صلاة “بعض” الشيوعيين ليسو هم الإسلاميون وحدهم بل معظم المسلمين المصلين غير العلمانيين ، فإن كان صاحب الحجة المثقوبة قد اختار قالب المقارنة لأنه يتيح له مجال للبحث عن أفضلية نسبية لآصحابه الشيوعيين متعلقة تحديداً بموضوع عدم أداء بعضهم للصلوات ، فالأجدر به أن يدافع عن هذه الأفضلية حتى النهاية حتى تصبح عملة قابلة للصرف والتداول ، فيدخل مغامرة عقد مقارنات أخرى تثبت أفضليتهم هذه .
salaby2013@yahoo.com