حديث الانعتاق .. بقلم: تاج السر الملك
3 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
24 زيارة
صحوت صبح اليوم، يتملكني رعب خفي، صحوت في صبح يمضي متثاقلاً في سعيه، وعلى غير عادة نهارات هذا الكون، صحوت علي صوت نواح التلفاز، ونعيق (سارينا) الإمباير ستيت، تدور طوال الليل دون انقطاع، تنذر بالموت والشنار والدمار، مضيئة تصبغ سماء نيويورك باللون الاحمر، متارجحة علي نسيمات السحر، منتصبة منهكة، كعيون مدلجين في سفر. والتلفاز لا يتوقف عن ذكر أسماء المشاهير الذين طالتهم يد الكرونا القاتلة، عرفت منهم، مانيو ديبانقو صاحب اغنية سول ماكوسا، كم تسمعناها في شغف ولهف، في صبانا الباكر، غير عابئين بغد او بعد غدِ، يتنزل ضوء الصبح على نهد العمارات، فتزداد الصورة قتامة، الاقتصاد يترنح، تحت ضغط العطالة الجبرية، والحياة الاجتماعية تنطفئ جذوتها، ولا ذبالة ضوء تلوح في نهاية النفق، لن يخرج المترو الشهير بال(دي ترين)، هذه المرة من بئر محطة (قراند كونكورس)، بالبرونكس، ليصافح ضوء النهار في (قن هيل)، مثلما اعتاد هادراً منطلقاً، مرحاً في سرعته القصوى، يحمل مهاجري الكاريب، المنهكين العائدين من التسكع في مانهاتن.. بحثاً عن الحلم الأمريكي، نافذا من عتمة النفق، صاعداً إلى السطح، في عشر من الدقائق، او أقل.
بيد أنه وفي في خضم هذا الرعب، لم يكن للفرح الانساني النادر، إلا ليشرق، أمل يزرعه أناس شغلهم في هذه الدنيا، ان يخففوا من عبء المأزق الإنساني، الذي اسمه الحياة، في كل الأحوال وتحت كل الظروف.
ارنولد شوارزنيغر
بيلي جول
دولي بارتون
وغيرهم كثيرون لا يسع المجال لذكرهم، تقدمو بالملايين لدعم الوطن الامريكي الذي ينتمون اليه قولا و فعلا، عصابة المافيا، المافيا الشهيرة هبت لتدعم ايطاليا، حين نادت الأم الثكلى، وتهيأت مريم بعبقرية (أنجلو) والمسيح ممد في حجرها، بعد الصلب، السودانيون في كل بقاع العالم، يتهيأون لدعم السودان الوطن الام.. يرقبون في قلق الجائحة وهي تظلل سماء الدنيا.
مضيت في دهشتي وعجبي وسط كل هذه الصور المشرقة، فرأيت لدهشتي، صور مناقضة، اولها، صورة لاسرة تملك الملايين وقيل المليارات،
مات عائلهم بالكرونا، فأنكروا الأمر، فكأنه سبة أو عيب، والدهم الذي نعرفه منذ طفولته التي عاشها في فقر مدقع وشظف من العيش، لا شماتة ولا في الفقر الذي عاشه صاحبنا عيب، اذكره انا شخصيا، اذكره بوضوح فكأنني اراه علي شاشة تلفاز امامي الان، يافعا يعيش الفقر بكل تجلياته، كدس المليارات، واللهم لا حسد، لا لأنه اخترع دواء لنفع البشرية، او قام بدور رئيسي في فلم من أفلام هوليوود، أخفي ذويه دون حياء، امر اصابته بالكرونا، فيعرضون سلامة الناس للخطر..
ليتهم فعلوا غير ذلك نبلاً
ليتهم دفعوا من ملايينه، التي لا أتصور انه كسبها بحق، فداءً وكفارة وتطهيراً لروحه،
عسى ان تنعم روحه بالسلام، وبالخلاص الأبدي، او أن تحظى بالغفران، وهي تمثل الآن في خوف وضعة، أمام رب العالمين،
ليتهم تبرعوا بالمال الجزيل، والذي يفوق حاجتهم قطعاً، لوزارة الصحة ولفقراء هذا الشعب، والذي كان هو واسرته، اشدهم فقراً، وإملاقاً، في يوم وعهد غير بعيدين، من الأيام. والعهود، كان اشد فقراً من جندب في جمالونات فبارك عووضة.
ليت المراغنة والمهديون وكل الذين اكتسبوا
من حق هذا الشعب المغلوب على امره، ان يردوا ولو بعض ما عليهم من دين!
أين الإسلاميون الذي ولغو في برك المال الآسن؟ اين هم الآن وقد حانت لحظة نادرة في افقهم، برهة من الذهب، أتيح لهم فيها فرصة للانعتاق من موبقاتهم؟ لحظة يتطهرون في فرات نزاهتها، من قذر ما كسبته اياديهم، لحظة يتحررون فيها برد ما عليهم من مال وحق مسروق؟ فرصة أخيرة يتعمدون فيها بمياه النيل العظيم، علهم يعودون بعدها أطهاراً ابراراً!
ليت التجار وأصحاب الاعمال والخدمات، أن يكفوا أيديهم وطمعهم، حياءً، من الترابح في أزمات الخلق، والعيش على قتات الجيف المعفنة، والا يستثمرون في طارئات الاحداث، فهذه الدنيا دوارة، في حقيقتها ومجازها، في واقعيتها وسرياليتها.
نقول، لم يهب كل هؤلاء الناس في الدول الأخرى، ولا نغفل ذكر عصابة المافيا الإيطالية، لمجرد أنهم اثرياء، وانهم لا حاجة لهم إلى المال، او لأنهم معصومون من حبه، وعازفون عن متاع التمرغ في لذائذه،
هبوا ببساطة، لانهم نجحوا في سد المنافذ، علي غائلة من غوائل الطبيعة البشرية، والتي هي اشد فتكا من الكورونا، والتي تسمى الأنانية، صدروا عن حب لأوطانهم ومواطنيهم، يردون الدين للذين وضعوهم في القمة، هبوا لانهم يعرفون فضل الإيثار….
ويبقى السؤال
هل نحن امة انانية؟.
ملحوظة:
لمن تجو ترجعو القروش خليكم علي مسافة متر من وزير الصحة!
تاج السر الملك
tajmultimedia@gmail.com