حروب الملائكة .. بقلم: ناجي شريف بابكر
13 فبراير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
38 زيارة
nagibabiker@hotmail.com
تيسر لي في السنوات الأخيرة، أن أزور جوبا لمرات ثلاث متباعدة.. بعد أن وضعت الحرب أوزارها.. وفي كل مرة من تلك المرات كنت أشعر بأني قد أهدرت من عمري سنينا لم أحظ فيها بزيارة تلك المدينة الساحرة.. ولم أمتع فيها عيني بطبيعتها الإستوائية الخلابة.. فلست من الجسارة أن أمد لها حبال الوصل تحت زخات الرصاص.. فقد كان علي أن أظل كغيري من أبناء بلادي خمسين عاما أغالب أشواقي دونها وشقفي بها، ريثما تنفض عنها ذات يوم خيول المتحاربين.
كنا في المساء نسهر أربعتنا أنا وألبيرت وميوم ومشار ..وأصدقاء آخرون من أبناء الجنوب، في مقاهي ليلية في حدائق ملحقة بالفنادق القريبة من ناحية المطار.
تكرر أثناء جلوسنا لمرات عدة، منظر وزراء الدولة الجديدة وهم يدخلون إلي المقهي في زهو لا تخطئه العين.. بربطات عنق وبذلات أنيقة يتبعهم حراس غير ودودين أسلحتهم منشورة.. في وجوههم شراسة بائنة لا تتماهى مع سحر المكان ودماثته..
الداخلون إلي المقهى، والخارجون منه.. علي السواء.. كانوا حينما يسمعون أزيز الطائرات.. يخفضون رؤوسهم ويهرولون في تلقائية تامة، أياديهم علي القبعات، كأنما يخشون أن تسقط علي رؤوسهم السماء، بينما كانت ضحكاتهم تتعالى.. حين أسائلهم كانوا يقولون هكذا تعودنا أن نفعل أيام الحرب.. في كل حين لما تحلق فوق رؤوسنا طائرات الأنتنوف.
في ساعات الصباح الأولي في ذلك اليوم من شهر سبتمبر كانت المدينة غرقي بمياه الأمطار.. فقد بدت من شرفات الطابق الثاني في بناية تلفزيون إبوني بجوبا برك المياه المتقطعة وهي تمتد علي الأرض الطينية الحمراء كأقراص مهملة من الذهب، ترتد عليها خيوط الضوء الصباحية ذات البريق العسجدي.
رغم أن الإنجليز قد أعدوا المدينة بنظام تصريف فعال ومتكامل لمياه الأمطار.. إلا أن كثيرا من إمتداداتها المتأخرة كانت تحتقن بالمياه..فجوبا يبدو أنها قد ظلت دهرا في عذرية كاملة منذ أن أقلعت عنها خيول المستعمرين.. كما أن الحكومات الوطنية التي ظلت تتعاقب في الخرطوم، كانت مشغولة فيما يبدو بحروب الفقراء في المدينة، أكثر من إنشغالها بأسباب التنمية والرفاه فيها، فقد كانت بضاعة الموت، ومازالت، هي الأكثر رواجا في تلك النواحي التي تزدحم بالمشردين وبالبؤساء.
إمتدت أمام أنظارنا صفوف من الدور الأنيقة المسقوفة بالقرميد الأحمر وقد جاورتها من هنا ومن هناك مساكن عشوائية صممت جدرانها بالصفائح المعدنية المهترئة.
كانوا من فوق الشرفة يشيرون لي، كأن صلة ما تربطني بالمكان، إلي دار بيضاء تبدو شاسعة للناظرين، تقبع كالتنين قريبة من شاطئ بحر الجبل، عند مقر الجيش القديم، كانوا يسمونها “البيت الأبيض”.. ذي وايت هاوس.. يقولون أنه عقب كل معركة تنقشع.. كانت تلك الدار تبتلع أرتالا من الأسري والمختطفين.. ومن يدخلها منهم لا يعود.
الشيخ الذي يجهد كثيرا، كيما تبدو معاركه المقدسة الضارية في أعيننا وكأنها حروبا لملائكة الرحمة.. وأن يلبسها ثيابا بلورية خجولة، لا تكاد أن تخفي منها المساويا ..كان في تلك الأيام متشاغلا عن تفاصيلها الحزينة وآثامها. . بأن يُقيم لكل شهيدٍ فيها عرسا.. ويزف كل يوم واحدا منهم إلي الجنة وحورياتها، دون أن يدع الوقت للسماء كيما تختبر نواياهم.. أو أن يصبر حينا من الدهر حتي تندمل جراح الأحبة أو يستكين نزيفها.. حتي أن البعض منهم عاد إلي ديار أهله وكان الناس قد فرغوا للتو من زفافه إلي الجنة.. وأن إمام الحارة في صلاة الجمعة قد أبكي المصلين وبشرهم أنه في الليلة التي سبقت كان قد رأه وهو يُحلّقُ بخافقين كأجنحة الملائكة.. فقتلاهم في النار وقتلانا في الجنة..
الخرطوم كانت هي الأخري تزدهر فيها تجارة الموت.. وحصاد العقول والسواعد الفتية لا يكاد يقابل شبق الحرب وشره مسوقيها.. فكان رجال في ريعان الشباب يُطاردون بين الأزقة ويُحشدون حتف أنفهم للحرب، في الشوارع والممرات.. علي ظهور شاحنات بأقفاص حديدية قاسية، ومدهونة بلون الموت الرمادي.. قاطفو أرواحهم، المأجورون ذوو القلوب القاسية.. ما كان الواحد منهم ليجهد نفسه ريثما يستيقن إذا ما كان حصاده اللدن، قد صادف خيار الناس أم أرازلهم..
تقبل الله سعي هؤلاء وأولئك جميعا، إذا ما أحسنوا.. وعوض أهلهم المكلومين وذرياتهم من خلفهم نعيما في الدنيا ونعيما مثله في الآخرة.. الموتي منهم أسوة بالأحياء والناجين.
ليس من السهل أن يمحو تعاقب الأيام وتواترها الكئيب.. ولا حديث الشيخ المنمق الناعم كجلود الأفاعى، آلام الحرب، فظائعها.. وويلاتها ويومياتها الكالحة. . ولا أن يرتق جراحها الغائرات، أو أن يطمس علي الناظر سواد الداكنات من المصائر والمعطوب من النوايا.
لا بد أن الدلال والغنج اللذين كان يتلقاهما الأسرى علي أيدي جلاديهم، كما قال الشيخ في معرض محاولاته لتجميل وجه الحرب القمئ، قد جعل في أعين خصومه من أبناء الجنوب، للمفارقة، خسارة المعركة أكثر بريقا من النصر.
يا تري هل قد طرق مسامع الشيخ يوما خبر الأسري الذين كانوا يهبطون من السماء.. كأوراق الشجر ؟.. ربما لم يصيخ السمع .. أو ربما فات عليه العلم بهم.. ربما تفاوت كسبنا مع كسبه في نصيبنا ونصيبه من الذكاء والفطنة.. لكن ما يحتاجه المكر منهما لا تحتاجه الحقيقة.. فالمحجة البيضاء ليلها كنهار ها. . فمنذ القدم كنا نوقن أن الشيخ عازلنا يوما لا محالة. .حتي صار أمرنا معه كحال الغلام مع سيده الخليل بن أحمد حين عيره فقال:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني
أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني
وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
(إنتهي)
//////////////