حزب “نيريري” في تنزانيا يواجه تحديات الانتقال الديمقراطي .. كتب/ عارف الصاوي ومجدي الجزولي


arif.elsawi11@gmail.com

    أُغلقت صناديق الإقتراع في الإنتخابات بمعظم المدن التنزانية وذلك في تمام الرابعة مساء يوم الأحد ٢٥ أكتوبر. دعت المفوضية الوطنية للانتخابات في تنزانيا جميع مواطني البلاد الي تجاهل المعلومات الآولية التي بدأت تخرج من الأفراد والمؤسسات في اليومين الاولين بعد التصويت. وقد أوردت الصحف المحلية مساء امس مفاجأة كبيرة بخسارة ستة من وزراء الحكومة وقيادات الحزب الحاكم لمقاعدهم البرلمانية لصالح تحالف المعارضة. لكن المفوضية أعلنت يوم الخميس عن فوز مرشح حزب الثورة جون ماقوفولي بالانتخابات في حين إعترض أدوارد لواسا والمعارضة علي النتيجة . هذه بالتأكيد كانت  أكثر الانتخابات التنزانية تنافساً، وهي المرة الأولى التي يواجه فيها حزب الإصلاح الثوري التنزاني، الحزب الذي يحكم تنزانيا منذ الاستقلال (٥٤عاماً)، تحدياً حقيقياً ومنافسة حادة . كما أنها المرة الأولى التي تتوحد فيها فصائل المعارضة لدعم مرشح واحد  ضد مرشح الحزب الحاكم.
    هناك ست مرشحين للرئاسة بينهم امرأة واحدة،لكن التنافس الحقيقي ينحصر في متنافسين شرسين ،كلاهما خرج من الحزب الحاكم هما إدوارد لواسا (٦٢عاما) عن تحالف المعارضة و وجون ماقوفلي (٥٥عاماً) عن حزب الثورة  ترشيح الإثنين نتيجة واضحة لضعف البنى الديمقراطية في الحزب الحاكم وخلاصة لصراع الأجنحة داخل لجنته المركزية.
    حتى مايو الماضي كانت الامور في تنزانيا تجري كالمعتاد، فالحزب درج علي تنظيم الصفوف للفوز بجولة انتخابية على غرار الانتخابات السابقة التي حصد فيها مرشح الحزب الحاكم للرئاسة جاكايا كيكويتي ٦٣٪ من الأصوات وفاز فيها مرشحو الحزب بأغلب مقاعد البرلمان (١٨٦ من جملة ٢٣٩). إلا أن الحزب واجه منافسة شرسة في زانزبار انتهت بفوز مرشح الحزب الحاكم علي محمد شين بفارق نقطة مئوية واحدة على مرشح المعارضة سيف شريف (٥٠،١١ في مقابل ٤٩،١٤٪ من الأصوات). اندلعت وقتها أحداث عنف محدودة في الجزيرة التي تكون مع تنجانيقا إتحاد تنزانيا وسط اتهامات للحزب الحاكم بالتزوير واستغلال النفوذ لضمان النتيجة المناسبة.
    دعم إدوارد لاسا، مرشح المعارضة الحالي، في العام ٢٠٠٥ ترشيح كيكويتي الذي فاز بحوالي ٨٢٪ من جملة الاصوات وحصل الحزب الحاكم علي غالبية مقاعد البرلمان. تسلم لواسا رئاسة الوزراء قبل أن يستقيل في ٢٠٠٨ بعد فضائح فساد في حكومته طالته هو شخصيا طوال الفترة من ٢٠٠٨ وحتى ٢٠١٥ كان لواسا ينتظر فرصته في رئاسة تنزانيا لكن في ٢٠١٤ جمدت اللجنة المركزية لحزب الثورة ح عضويته لمدة عام بسبب بداية حملته الانتخابية قبل ترشيحات الحزب. في فبراير ٢٠١٥ جددت اللجنة قرار تجميد عضويته لعام آخر وذلك لعدم اكتمال تقريرها حول مخالفاته المزعومة. عندها بات واضحاً أن اللجنة المركزية لا ترغب في تسمية لواسا مرشحا للحزب فأعلن حملته رسمياً في أروشا في مايو الماضي. دخل إدوارد لواسا في مشاورات ومحادثات مع تجمع المعارضة – من اجل الدستور- وفي ٤ أغسطس الماضي أعلن التحاقه رسميا بتحالف المعارضة وصار مرشحها في الانتخابات الرئاسية. ظهر لواسا في الحملات الانتخابية كمرشح صاحب حظوظ كبيرة، فقد احتشدت مهرجاناته السياسية بالمريدين بالذات في الشمال التنزاني حيث منشأه بين قومية الماساي.
    أشارت مراكز قياسات الرأي المتعددة إلى تباينات واضحة تُظهر أكثر ما تُظهر حدة التنافس بين المرشحين الرئيسين، فقد أشار مركز مبادرات التنمية في دار السلام الي تقدم لواسا علي ماقوفلي في استطلاعات الرأي، ٥٤٪ مقابل ٤٠٪. كذلك أشار معهد نانوس للدراسات الكندي الي  تقدم لواسا بنسبة ٦٤٪ مقابل ٣١٪ لماقوفلي . شئ اخر لافت أن استطلاعات الرأي ازدادت حماساً بعد إغلاق  صناديق الاقتراع في الرابعة من مساء الأحد. صار واضحا ان التنافس حاد بين المرشحين فيما ستبدأ الثلاثاء النتائج بالظهور حتى تكتمل بإعلانها رسمياً  نهار الخميس المقبل. هذه أول مره يواجه فيها حزب “نيريري”  تحدياً غير مسبوق، وسيكون تحديه الاكبر في زانزبار وفي فكرة الاتحاد نفسها إذا صعّد المرشحين حدة التوتر. تصديقا لذلك أعلنت مفوضية الانتخابات في زانزبار يوم الأربعاء ٢٨ أكتوبر إلغاء الانتخابات في الجزيرة على خلفية محاولات حكومية للتأثير على النتائج، حيث اقتحم جنود مركز المفوضية في واعتقلوا مسؤولي الانتخابات لأكثر من ثلاث ساعات. قال لواسا أن ما يحدث في زنجبار مثال مصغر لما يدور في البلاد ودعى المفوضية الوطنية للتوقف عن إعلان النتائج بزعم أن العملية برمتها طالها التزوير.
    لم يكن حزب الثورة  في تنزانيا غافل عن متطلبات الحكم الطويل حيث استطاع أن يتكيف مع متغيرات كثيرةأهمها استجابته مبكراً الي دعوات الإصلاح تدريجياً فأقام مؤسسة سياسية ذات اعتبار رغم عيوبها الكثيرة. لا ينكر أحد مدى نفوذ حزب نيريري وقوته لدرجة أن تنزانيا تعتبر أكثر الدول الافريقية إستقراراً في منطقة تشتعل فيها الحروب الأهلية. قامت تنزانيا على أساس اتحاد بين وتنجانيقا وزانزبار ١٩٦٤،وفي عام  ١٩٧٧تأسس حزب الثورة وصار نيريري  رئيس البلاد والحزب.   بموجب ذلك الاتحاد حصلت زنزبار على شبه حكم ذاتي في ظل الدولة الاتحادية، وتُجرى فيها إنتخابات منفصلة لمنصب الرئيس. يقول الدكتور عبدالله علي ابراهيم “ لم تكن وحدة سهلة كانت قاسية وفُرضت فرضاً علي الزنزباريين“. علي أساس هذه الاتحاد الصارم بنى نيريري دولة قوامها الإنتاج الزراعي، وحمل المزارعين حملاً علي الانتاج الجماعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي في ظل ظروف إقتصادية قاسية – الأزمة الاقتصادية في السبعينات.
    ما إن غادر الاتحاد السوفييتي مدرج التاريخ حتى أصبح لزاما على الدول الافريقية التي اتخذت من عقيدة التنمية تحت حكم حزب واحد في صيغ اشتهرت بالاشتراكية الافريقية أن تتحول هي كذلك إلي تنويعات من الديمقراطية الليبرالية. نجحت الأحزاب الحاكمة التي تمكنت من الصبر على انتخابات “تعددية” دون أن تفقد السلطة في هذا الانتقال، بينما خابت أخرى تعذر عليها الصمود في وجه التحديات الديمقراطية. تجدر هنا المقارنة بين الطريق الذي سلكه حزب نيريري وبين مصير حزب موبوتو – الحركة الشعبية للثورة – في الكونغو زائير (سابقا).  حينما حانت الفرصة لنيريري وحزبه وافق   علي التعددية السياسية في ١٩٩٢ وسمح بالنشاط السياسي ،وأُجريت اول انتخابات تعددية في ١٩٩٥ حقق فيها حزب نيريري  فوزاً ساحقاً، تلاه بانتصارات متتالية حتى  اخر انتخابات في ٢٠١١ حينما صار واضحاً تراجع شعبية  حزب الاصلاح   من ٨٢٪ عام ٢٠٠٥ الي ٦٢٪  في ٢٠١١. في الكونغو  حينما واجه موبوتو سيلا من الاحتجاج الشعبي في أبريل ١٩٩٠ اضطر حياله لتعيين رئيس وزراء جديد من خارج الحزب الحاكم على رأس حكومة انتقالية من ضمن مسؤولياتها عقد مؤتمر للحوار الوطني، تفكيك سيطرة السلطة المركزية لصالح القوى الاقليمية وتنظيم انتخابات حرة نزيهة. أعلن موبوتو توجهاته الجديده في خطاب “الديمقراطية” الشهير في ٢٤ أبريل ١٩٩٠. ترأس لوندا بولولو أول حكومة انتقالية تحت رئاسة موبوتو الذي قابل المطالب الإقليمية بقرار يفرض حصر تعيين المسؤولين المحليين بما في ذلك حكام الأقاليم في مناطق نشأتهم، على طريقة الولاية لأبناء الولاية. انعقد مؤتمر الحوار من ٦ أبريل حتى ٦ ديسمبر ١٩٩٢، تنافست فيه ثلاثة كتل سياسية، موبوتو وحزبه والأحزاب المتحالفة معه، اتيين تشيسكيدي على رأس حلف المعارضة – الاتحاد المقدس، والكنيسة الكاثوليكية يمثلها أسقف كيزانغاني مونسينغو. شغل تشيسكيدي خلال هذه الفترة رئاسة الوزراء مرتين لكن دون أن يستطيع تهديد موقع موبوتو، بل أصر خلال الفترات التي قرر فيها موبوتو استبداله بآخرين بأنه يظل رئيس الوزراء الشرعي رغم الظروف.لم ينجح المؤتمر في تحقيق غرضه المعلن – المصالحة والانتقال الديمقراطي – إذ انشغل كل طرف بأهدافه قصيرة المدى، موبوتو بالحفاظ على سلطته بأي ثمن، تشيسكيدي بالحفاظ على رئاسة الوزراء وانتظار لحظة حاسمة والكنيسة بتفادي الصراع. اعتمد مؤتمر الحوار مقترح دستور جديد لجمهورية ثالثة تخلف جمهورية موبوتو الثانية، ديمقراطية برلمانية بسلطات رئاسية محدودة. لم يتعد الاتفاق حدود الإعلان إذ سرعان ما استبدله المتحاورون تحت ضغط كتلة موبوتو وتواطؤ الكنيسة بما أسموه “التسوية السياسية الشاملة”. أعادت التسوية الاعتبار للرئاسة وأقرت مبدأ التعاون بين مؤسسات الاتتقال الثلاث، رأس الدولة والمجلس الأعلى للجمهورية (الذي ينشأ عن مؤتمر الحوار) والحكومة. فوق ذلك، قبل زعيم المعارضة “المعتدلة” الأسقف مونسينغو بتوسيع المجلس الأعلى للجمهورية ليصبح برلمانا انتقاليا عبر استيعاب أعضاء برلمان الجمهورية الثانية من حلفاء موبوتو. انفجرت الأوضاع بتوسع التمرد المسلح ضد موبوتو لكن لم تنهار سلطته في واقع الأمر حتى فتك السرطان بجسده وغادر البلاد يطلب العلاج في سيويسرا. لم يرث لا تشيسكيدي ولا الأسقف مونسينغو دولة موبوتو بل لورين كابيلا على رأس قوة محاربة، تسندها أربعة جيوش الرواندي تحت إمرة وزير الدفاع آنذاك بول كاغامي واليوغندي والبوروندي والآنغولي، دخلت كينشاسا في مايو ١٩٩٧. كان انتصار كابيلا الحلقة الأولى في حرب طاحنة  لم تزل أذيالها نشطة اعتبرها كثيرون حرب افريقيا العالمية الأولى.
    حاور نيريري التاريخ في تنزانيا بفلاح فتفادى أن يدفع بلاده في الاتجاه الموبوتي لكن بثمن. تحولت تنزانيا الجديدة منذ أواخر السبعينات عن تجارب الاشتراكية الافريقية إلى القبول بإعادة الهيكلة تحت توجيه صندوق النقد الدولي ثم أصبحت أول عهد التسعينات المختبر الافريقي لسياسات الليبرالية الجديدة. ظلت النخبة الحاكمة منقسمة حول جدوى التحول الديمقراطي؛ عارض أنصار الانفتاح الاقتصادي من المسؤولين الحكوميين التحول إلى التعددية السياسية بحجة أن البلاد ليست مستعدة بعد للصراعات السياسية الناجمة عن الانفتاح السياسي. احتج هؤلاء أن التعددية السياسية تهدد السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية ولن ينجم عنها سوى قدح الاستقطاب العرقي والديني في البلاد. نيريري من ناحيته اعتبر التعددية السياسية فرصة لاستعادة مشروعية الحزب الحاكم وقد أقر أن الحزب القديم لم يعد بمقدوره حشد الجماهير. دعى نيريري في خطاب شهير في أبريل ١٩٩٠، عدة أشهر قبل تنحيه عن رئاسة الحزب، إلى فتح حوار عام حول جدوى وضرورة التعددية السياسية لتنزانيا. كان نيريري قد تنحى عن الرئاسة في ١٩٨٥ لخلفه علي حسن مويني الذي قاد تحول تنزانيا إلى اقتصاد السوق لكن احتفظ برئاسة الحزب حتى نهاية العام ١٩٩٠.
    استنصرت المعارضة هذا العام بواحد من أقدم المحاربين  النافذين في الحزب الحاكم لسنوات، جمع ثروة مالية ضخمة، وتحوم حوله الشبهات من كل ناحية. تزينت  حملة المعارضة بثراء إدوارد لواسا .ظهرت طائرات الهيلكوبتر تحلق فوق سماوات مهرجانات المعارضة  لأول مرة . وعد لواسا في حملته الانتخابية بأمرين هما إنشاء محكمة خاصة لمحاربة الفساد ومجانية التعليم من الأساس وحتى الجامعة. طرح جون ماقوفلي وعود مشابهة، محاربة الفساد ومزيد من فرص العمل. فسر محللون قرار المعارضة الاستعانة برجل من داخل الحزب الحاكم بأن لواسا معروف في كل بيت تنزاني. أجرت صحيفة محلية استطلاعا مع سائقي -البودا بودا  في دار السلام  وهم يحملون صور ودعايات  حملة إدوارد لواسا، كانوا جميعاً يعرفون أنه ثري ، ثراء لم يقدر لواسا خلال العشر سنوات الماضية أن يشرح ماهيته، فهر ربما أحد أثرى أثرياء تنزانيا وربما الإقليم. أوردت خدمة البي بي سي السواحلية عن لواسا أنه سيعتزل السياسة إن خسر الانتخابات، خسارة لا يبدو أن الرجل مستعد لقبولها. قيل ان نيريري أخبره في يوم من الأيام “ أنظر يا ابني، أنا أعلم أن لديك كثير من المال شجعك لدخول القصر، لكن القصر ليس متجر. هل تستطيع أن تخبرني من اين لك بهذه الاموال؟” سيكون صعباً للمعارضة التنزانية أن تدافع عن حجتها الرئيسة في محاربة الفساد وهي لا تحمل إجابات  لشبهات الفساد التي تحوم حول مرشحها النجم.
    تعيد الانتخابات التنزانية إلى طاولة النقاش معضلة الانتقال من قبضة أحزاب الحكم الغالبة إلي التعددية السياسية التنافسية، وهي معضلة لا تجابه تنزانيا وحدها،  ففي  الاسبوع الماضي جرت  مشاورات في البرلمان الرواندي حول تعديل الدستور لضمان استمرارية حكم بول كيغامي لدورة ثالثة الأمر الذي يتطلب استفتاءاً شعبياً. من ناحية شكلية، تتمتع رواندا بنظام سياسي تعددي لكنه في واقع الأمر أقرب لحكم الحزب الواحد في هيئة تعددية.   في ساحل العاج يستعد الحسن أوتارا لدورة رئاسية جديدة بعد أن دعت أحزاب الجبهة الشعبية العاجية، التكتل الذي يسيطر عليه لوران قباقبو إلي مقاطعة الانتخابات. قدم التيار المتطرف داخل كتلة المعارضة – حزب لوران قباقبو –  ثلاثة مرشحين للسباق الانتخابي منهم رئيس الوزراء السابق شارلس كونان. جاءت دعوة مقاطعة الانتخابات علي خلفية احتدام الصراع السياسي الذي أعقب آخر انتخابات شهدتها البلاد وفاز فيها الحسن أوتارا ورفضها لوران قباقو لتدخل البلاد في حرب أهلية كانت نتيجتها اتهامات وجهتها المحكمة الجنائية الدولية إلي قباقو بارتكاب جرائم ضد الانسانية. لكن لم تصب ساحل العاج باليأس من الانتخابات برغم دورتين من الحرب الأهلية، في ٢٠٠٢ وفي ٢٠١١. أما في الكنغو برازفيل فتستعد الحكومة لإطلاق استفتاء لتعديل الدستور يسمح للرئيس دينيس ساسوو نغيسو المنتهية ولايته في العام المقبل بالترشح لدورة ثالثة. نفى ساسوو نغيسو لوكالة الأنباء الفرنسية أن يكون الهدف من التعديلات الدستورية التجديد لشخصه، لكن الدعاية السياسية المصاحبة للاستفتاء تصرح بغير ذلك. وصل ساسوو نغيسو إلى السلطة في ١٩٧٩ وفرض حكم حزب واحد، حزب العمال الكنغولي الذي استمر حكمه لمدة ١٢ عام. وافق ساسوو نغيسو تحت ضغط غربي على إقرار  التعددية  السياسية في ١٩٩٢ وخسر اول انتخابات  في ١٩٩٥. استمر بعدها يقود المعارضة مستفيدا من دوائر نفوذه وتجربته حتى دخلت البلاد في حرب أهلية سيطر بعدها على مقاليد الأمور. تتفاوت التجارب الافريقية بين “الحزب الحاكم “ والمسيطر الوحيد ،ففي كل من تنزانيا وجنوب افريقيا مثلا يسيطر حزب “التحرير” علي مقاليد السلطة لكن تتفجر الصراعات السياسية داخل مؤسسات الحزب الحاكم كمثل اللجنة المركزية الوطنية لحزب الإصلاح الثوري في تنزانيا المكونة من ٣٢٦ شخص.
    . قال  دبلوماسي كيني عمل في نظام دانيال آراب موي “ أنها حالة مصيرية تمر بها الدولة نحو انتقالها الديمقراطي. في حالة كينيا كان المطلب الرئيسي هو التعددية السياسية وتحت هذا المطلب تشكلت  مطالب صغرى ومهمة كمحاربة الفساد”. تسنم موي قيادة كينيا بعد وفاة الرئيس الأول جومو كينياتا في ١٩٧٨ ومنذ ذلك التاريخ ولمدة ٢٤ عاماً فرض موي نظاما سياسيا عُرف  ب” نيايو” ويعني “الخطوات المنتظمة” في طريق سلفه. كان واضحاً أن تلك الآيديولوجيا قربته  من الرافضين لانتقال السلطة خارج قومية الكيكويو. تعرض موي عام ١٩٨٢ إلى محاولة انقلابية قادها أحد الضباط الصغار في سلاح الجو الكيني تمكن من قمعها وإعدام الاتقلابيين ثم فرض نظام حزب واحد استمر حتى ٢٠٠٢. وجد موي دعماً من الدول الغربية لمحاصرة الجيوب الماركسية في تنزانيا وإثيوبيا وظهر في خطاباته يقول “لا مكان لماركسي في البلاد” مشدداً قبضته الأمنية عبر البوليس السري لمطاردة الناشطين والسياسيين المعارضين من المثقفين وأساتذة الجامعات . بنهاية الحرب الباردة قل حماس الغرب لموي حتى أدرك هو شخصيا ان الوقت قد حان فقرر في العام ٢٠٠٢ قبول التعددية السياسية. لم يكن موي ليقبل الهزيمة بعد تاريخ طويل في الحكم فقرر تقديم  إبن الرئيس الكيني الأول أوهورو كينياتا مرشحاً عن حزب كانو فيما اتفقت المعارضة علي مواي كيباكي. فاز كيباكي في أول انتخابات وظن الكثيرون أن حزب كانو قد ذهب إلى الأبد. لكن لم ينته الكرنفال “الديمقراطي” بهذه السهولة فالصراعات تأجلت إلى الانتخابات التالية في ٢٠٠٧ – ٢٠٠٨ التي سادها العنف جراء المواجهة بين كيباكي ورايلا أودينغا. قضى ضحية تلك الأحداث أكثر من ١٥٠ ألف شخص وتلتها اتفاقية بين طرفي الصراع نشأت بموجبها حكومة انتقالية ترأسها كيباكي بينما صار أودينغا رئيسا للوزراء. نجحت الحكومة الانتقالية في إجراء الاستفتاء علي الدستور الجديد في ٢٠١٠ انتخابات جديدة في ٢٠١٣ فاز فيها أوهورو كينياتا مفضل موي ليعود نادي كانو القديم إلى الحكم في تحالف قديم جديد.
    يفاخر المؤتمر الوطني بانتخاباته “الديمقراطية” الخالية من المنافسة في ٢٠١٠ وكذلك في ٢٠١٥ لكن يدرك الرئيس البشير في ذات الوقت أن حزب الحكم أصبح حزب حكومة وقد وبخ قادة المؤتمر الوطني مؤخرا على إهمالهم “القواعد” أو كما قال في خطاب مجلس الشورى. في ذات الوقت، عدمت المعارضة السياسية بخلاف مقاطعة الانتخابات أي عمل فعال تستحق به الثقة الشعبية بل ظلت على موال الصادق المهدي أن الانتخابات إما ١٩٨٦ (!) أو بلاش، وها هي المناورات على أوجها حول “الحوار الوطني”، داخلي أم خارجي. يطرح هذا الفقر السياسي احتمالات كالتي تواجه الناخبين التنزانيين، منقذ من بيت السلطة، لكنها لن تسعفنا لا في السلام ولا في الديمقراطية.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً