بسم الله الرحمن الرحيم
أفق بعيد
فيصل محمد صالح
فتح المقترح الأمريكي لمجلس الأمن بتمديد حظر بيع الأسلحة لأطراف الصراع في السودان، وفرض حظر على الطيران الحربي، الباب لتساؤلات كثيرة حول إمكانية تمريره في ظل الفيتو الروسي المتوقع، وحول مشروعيته، واحتمالات نجاحه في حماية المدنيين في حدّه الأدنى، وإيقاف الحرب بعد توقف الإمداد والتسليح في حدّه الأقصى.
حسب حديث المندوب الروسي في جلسة تقديم المقترح، فإن من الواضح أن روسيا ستقف ضد المقترح، حتى لو حظي بتأييد بقية الدول الأعضاء في المجلس، وبالتالي فإنه سيبقى مجرد محاولة لم يتحقق لها النجاح. فهل نأسى عليها، أم نتركها تمضي بلا حسرة؟
المنطق يقول إن أي محاولة لتخفيف معاناة السودانيين وتقليل آثار الحرب ينبغي تقديرها والترحيب بها، وإيقاف سيل إمداد الأسلحة والموت الطائر بالطيران الحربي والمسيرات هو عمل يستحق أن يُبذل فيه كل جهد ممكن. ولكن بشكل عملي، هناك قرار يتم تجديده منذ عقود، وهو قرار مجلس الأمن رقم 1591 لعام 2005، الخاص بوقف إمداد السلاح إلى دارفور. ومنذ صدور هذا القرار ظل سارياً بلا فعالية، وسيل الأسلحة يتدفق على دارفور من كل نوع وصنف، ومن مختلف الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة التي صدر القرار من مجلس أمنها.
يعني هذا أنه حتى لو أجاز مجلس الأمن المقترح الأمريكي بالإجماع، فإن درجة فعاليته مشكوك فيها، وبالتالي فإن نجاحه في تقليل معاناة المدنيين ومساهمته في وقف الحرب ستكون محدودة جداً، إلا إذا صاحبته خطة تنفيذية فعالة، مختلفة عن آليات تنفيذ القرار 1591، وإجراءات عقابية ضد الدول التي تخالف القرار وتواصل إمداد السلاح لأطراف الحرب.
الدول التي تواصل الإمداد معروفة بالاسم، والمندوب الأمريكي قال إنها 12 دولة، والصفقات معلن عنها في أجهزة الإعلام، وآخرها صفقة الأسلحة الباكستانية. وهناك اتهامات معلقة للجيش باستخدام أسلحة كيميائية، ومسيرات الدعم السريع تدمر محطات الكهرباء والمراكز الخدمية، والمتضرر من ذلك هم المدنيون. أو ليس الأولى، من كل قرارات مجلس الأمن، التعامل مع هذه الدول بشكل واضح ومباشر، والضغط عليها باستخدام الآليات السياسية والاقتصادية؟
هذا الكلام سيغضب الكثيرين من كل المعسكرات؛ منهم من يظن أنه بالإمكان حسم الحرب بانتصار عسكري، وهذا وهم يدلل عليه تاريخ الحروب السودانية من عام 1955 وحتى الحرب الحالية. وهناك من يقول إننا لا يجب أن نساوي الجيش بالمتمردين، ولا أعرف كيف تكون المناداة بوقف الحرب والموت والقتل تقليلاً من شأن طرف ومسؤولياته..
حرب الجنوب بدأت بتمرد وانتهت على موائد التفاوض، وزعيم المتمردين نائباً لرئيس الجمهورية. وحرب دارفور تم توقيع عدد من الاتفاقيات مع المتمردين، آخرها اتفاقية جوبا للسلام، وها هم قادة المتمردين يتولون المناصب العليا في الدولة.
هذه ليست دعوة لتسوية يتقاسم فيها العسكر، جيشاً ومتمردين، السلطة من جديد، فقد ولّى ذلك العهد، لكنها دعوة لوقف الحرب وحل كل الميليشيات القديمة والجديدة، وعودة الجيش الوطني الواحد ليقوم بمهمته في الحفاظ على أمن البلاد، وأن تؤول السلطة إلى القوى المدنية السودانية بعد حوار وطني مسؤول.
وليت الجهود الدولية تترك الخطوات الترقيعية، وتبذل جهودها في دعم إيجاد الحل الشامل الذي يوقف الحرب ويضع البلاد على خطى المستقبل.
