حـالة مرضـية .. بقلم: عبد الله علقم

(كلام عابر)

مرض يسكن القلب والنفس ويبقى هناك  كالصنم  دون وعي من الإنسان ، يعرف بمرض الأنا أو مرض تضخيم الذات. يبدأ من مستصغر الشرر .. من  التفاخر في البيت والمدرسة ويكبر ويكبر لينتقل للشارع  والمجتمع العريض مدفوعا بطبيعة البشر وحب كل انسان للتفوق على غيره  باعتبار أن ما عنده ليس عند غيره ، وهذه طبيعة يسعى العقل المؤمن لتقنينها في النفس بالتقليل من مدح الذات والفرح لنجاح الآخر  خصوصا ذلك الآخر الذي  يتولى أمرا كنت تسعى إليه. قال الصحابي عتبة بن غزوان رضي الله عنه” أعوذ بالله أن أكون  في نفسي عظيما وعند الله صغيرا”. الذات المضخمة واستصغار الآخرين نقطة ضعف إنسانية كبرى كما يقول  الداعية الشيخ أبو أنس السيد البشبيشي ، فحقيقة ما يجب على المؤمن مدحه  هو جميل ستر المولى علي عيوبه.
ومن تضخيم الذات تجيء متلازمة الغطرسة وهي كما وضحها العالم والكاتب  الدكتور محمد العبد اللطيف “نقص الشخصية المكتسب ونقص المناعة النفسي” وهو مرض يصيب أكثر ما يصيب من يتولون السلطة الإدارية والتجارية والسياسية حيث ينزلق الإنسان تدريجيا من حالة الكاريزما والثقة في النفس والطموح والقدرة على المغامرة إلى حالة من انعدام الضوابط وغياب المناعة الذاتية ضد تضخم الذات والتغطرس واحتقار الآخرين. القذافي والأسد وصالح وبن علي وماو وصدام وهتلر ونابليون وستالين وفرانكو وسلازار ومن قبلهم نيرون في عصور قديمة ، جميعهم يمثلون درجات متفاوتة من الأنا وتضخيم الذات، بعضهم امتدت به السنين وبعضهم  دفع حياته ثمنا  لمتلازمة الغطرسة التي حجبت عنه كل  الدنيا من حوله وعزلته عن مجتمعه.
جالت بخاطري هذه الخواطر عن تضخيم الذات ومتلازمة الغطرسة وأنا أشاهد وأستمع على إحدى شاشاتنا الفضائية صحافيا معروفا إلى حد ما، يمكن تصنيفه من جملة المتمكنين ، وهو ليس في مثل شهرة الأستاذ محمد حسنين هيكل بالتأكيد وليس في  شهرة كثيرين  ممن سبقوه و عاصروه من صحافيين في بلادنا. قال لا فض فوه في معرض الحديث عن شأن ولاية النيل الأزرق، إن المعارضة ضعيفة وغير قادرة على تحريك الشارع ضد الحكومة، وهي كلمات لا غبار عليها  من حيث المبدأ  فهي في النهاية وجهة نظر سهلة وموقف شخصي لا يعيبه عليه أحد،  ولكنه استغرق في الأنا فأضاف قائلا إن عموده الذي يكتبه ،أي الذي يكتبه ذلك الصحافي فلتة زمانه، أكثر تأثيرا على الرأي العام من تأثير المعارضة،و قادر على تحريك الشارع أكثر من المعارضة. وهكذا يجد الإنسان نفسه   بلا مقدمات أمام حالة تضخيم ذات ومتلازمة  غطرسة واختلال شخصية مكتسب ونقص مناعة نفسي وخلقي.حالة رجل يمشي بين الناس في الأسواق ويكتب في الصحف ويتحدث في التلفزيون شديد الرضاء عن ذاته للدرجة التي تدفعه لأن يتوهم أن كل الناس  يسمعون ما يقوله ويقرأون ما يكتبه  ويعرفونه بحكم ما يتوهمه في ذاته من نجومية آسرة كفيلة بتحريك الشارع، وما درى أن هذا الشارع الذي يعنيه مستغرق آناء الليل وأطراف النهار في نحت الصخر بالأظافر لاستخلاص رزق العيال من فك المستحيل وجوف العدم.
نسأل الله له ولنا ولسوانا  العافية والمعافاة.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com

عن عبد الله علقم

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً