حقوق المثليين في السودان و حق الإجهاض .. بقلم: د. مقبول التجاني
4 يناير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
37 زيارة
magboul80@gmail.com
بما أن المباديء و القيم لا تقبل التجزئة و لا المساومة و لا التأجيل فإنه قد بات لزامًا علينا كحركة يسارية إنسانية في هذه اللحظة التاريخية المفصلية الحرجة أن نصدع بالحق و نعرض عن رفاقنا المزيفين و خصومنا المتاسلمين.
ان فئة المثليين من الجنسين تقدر بأكثر من ثلث عدد سكان السودان حسب آخر احصائية غير رسمية و لهم اسهامات كبيرة في الثقافة و الفن و الصحافة و الشرطة و الجيش و الخدمة المدنية و مختلف الأنشطة الاقتصاديه.
ظلت هذه الفئة الكبيرة من المجتمع السوداني مهضومة الحقوق و عرضة للهجوم و السخرية و لا توجد أي دراسات رسمية حقيقية و موضوعية لظروفها النفسية و الفيسيولوجية.
نعتبر نحن الأفارقة الأفارقة و الافارقة المستعربين أكثر من عاني من التميز و التفرقة العنصرية علي وجه الكرة الارضيّة بسبب لون بشرتنا الداكنة فكيف لنا أن نقبل بالتمييز ضد شخص بسبب ميوله العاطفية.
علي جميع أدعياء اليسار الحر أن يعلموا أنه لا توجد ليبراليّة خمسون بالمئة أو حتي تسعون بالمئة ! و لكنّها يجب أن تكون ليبرالية مئة بالمئة و أن تتسق المبادئ مع المواقف و الخطاب.
نحن هنا لا ندعو الي المثلية و الاجهاض و لا نشجع عليهم كما يظن بعض السفسطائيين ! و إنما ندعو الي كفالة هذه الحقوق بالقانون لمن يرتضي إليها سبيلا مع التأكيد علي حقه في ذلك دون تهكّم أو سخرية.
سنظل نُدافع عن كل مظلوم و مضطهد في بلادنا تماشيا مع القيم الإنسانية الكلية التي تُمجد الإنسان و تحفظ له كرامته.
هُناك من يعتقد أن مثل هذا الحديث سابق لأوانه بالنسبة للحالة السودانية و يُعتبر رفاهية ليبرالية ! و أن هناك أولويات أهم من حُقوق المثليين و قضيّة الإجهاض تتمثل في الحروب و النزاعات و الأزمة الاقتصاديه.
لكن مثل ذلك الحديث يعتبر حجة ضعيفة متناقضة و مردود عليها من داخلها إذا سلّمنا أن غالبية الحروب في الهامش سببّها الاضطهاد العرقي و التمييز ! أو اذا افترضنا أن الحديث عن حُقوق المعاقين جسديا و تسوية الممرات لهم و تعليمهم في دولة فقيرة مثل السودان يعتبر رفاهية في نفس تلك الظروف الموضوعية و قس علي ذلك.
تظل قضية الإجهاض من أكبر المسائل المعاصرة التي يثار جدل حول مشروعيتها الأخلاقية و الصحية الجسديّة و النفسيّة للمرأة.
لكن رغم ذلك و بغض النظر عن الموقف مع أوضد فإنه بات لزامًا علينا أن نكفل حرية ذلك الحق وفق قوانين و تشريعات صحية معلومة للجميع.
المدافعين عن حَق الاجهاض يستطيعوا ان يكتبوا آلاف الأسباب التي قد تدعم وجهة نظرهم و تجعلها منطقيّة ! بينما قد يكتفي خصومهم بتأويل بعض النصوص الدينية الغير قطعية الدلالة.
ان أي مشروع يساري إنساني لا يتبني قضايا المثليين و الإجهاض في السر و العلن يُعتبر معيب و بقعة متسخة في وجه الليبرالية العالميّة.
في المقابل فإن المشروع اليساري الماركسي عندما ينظر الي هذه القضايا فإنه يعتبرها ظواهر خاصعة لأدوات التحليل الماركسي في سياق أدوات الإنتاج و علاقات الإنتاج و لا يعيرها أي اهتمام يزكر علي مستوي التنظير و الخطاب.
ظل اليمين الأيدولوجي في مختلف الأديان ينظر الي هذه القضايا باعتبارها منافية للأخلاق ! و في نفس الوقت ظل اليسار الإنساني يعتبرها قضايا حريّة شخصيّة لا تنافي الأخلاق الإنسانية المجرّدة بعيداً عن فقه المحرّمات.
كما ظل اليمين الديني و اليسار الإنساني متفقين في أكثر من تسعين بالمئة من القضايا الأخلاقية المجرّدة الاخري.
ان التزام اليسار الإنساني بالقيم الأخلاقية المجردة مثل الصدق و النزاهة و العدل و غيرها يعتبر أكبر من التزام اليمين الديني بذات المعايير الأخلاقية ! فاصبح المتديّن في كثير من الأحيان يكذب ثم يستغفر ثم يكذب مستفيدًا من المرونة الأخلاقية داخل الأديان و أن الله غَفُور رَحِيم ! خصوصاً في مدرّسة المتاسلمين السياسيين.
بعض المفكرين اصحاب المرجعية الإسلامية يستنكر الدّعوة الي فصل الأخلاق عن الدين و يعتبرها تهديداً للاسلام ! و لكنهم تناسوا أنهم يدافعون عن مدارس دينيّة مشوّهة ليس للأخلاق فيها مكانة أكثر من حيّز الحديث عن المحرمات التي تُمارس في الخفاء و التستر.
لذلك فلتذهب تلك المدارس الدينية المشوهة غير مأسوف عليها الي مزبلة التأريخ في وجه الحركة الأخلاقية الإنسانية العالميّة.
ان أكثر ما تحتاجه المجتمعات المسلمة الآن هو ثورة إصلاح ديني بروتيستانتية إسلامية محمية بالسلاح ! لا تُهاجم أحد و لكنها قادرة علي الردع و حماية نفسها في وجه التكفيريين أدعياء الحق الالهي الذين يرفضون الحجة و المنطق ! و أن تكون مناطق هذه الثورة الإصلاحية الدينيّة ملازا امنا لكل المكفرين و مهدرين الدم في العالم الاسلامي تماما كما كانت مقاطعة سكسونيا ملازا امنا للبروتستانت المسيحيين.
لا مكان للخوف و حجر الاّراء في عالم اليوم ! لذلك عبروا عن منطلقاتكم الفكرية بكل شجاعة و احترموا آراء الآخرين. لكن في ذات الوقت تحسسوا مسدساتكم من أجل الدفاع عن النفس في حالة عجز الدّولة عن حمايتكم.
ان معركتنا الآن ليست مع الأنظمة السياسيّة الفوقية المهترئة اكثر مما هي معركة مع البني الإجتماعية المتخلفة التي أفرزتها و ليس من الغريب لإسلام أبو نواس و تلميذه خليفة المسلمين محمد الأمين التي تحتفي بالغلمان في قصر الحرملك أن تنتج لنا مدرّسة الإسلام السياسي البالية في السودان.