لكل إنسان في هذا الكون والدين، أم وأب ، لولاهما لما كان الإنسان كما هو المتعارف عليه، وذلك بعد أن خلق الله سبحانه وتعالي أبونا آدم من تراب، وبعد أن خلقت من ضلعه أمنا حواء، وبعدها تناسل الأثنان ليكون أبونا آدم هو أبوا البشر وأمنا حواء هي أم البشر، والتي منهما تنحدر سلالة البشر الي يومنا هذا، والتي سوف تظل علي حالها هذا لا شك ومن دون تغيير إلى حين.
كلّ إنسان يكني لوالديه قدر من الإحترام والوقار، والذي يتفاوت في النوع والمقدار، وذلك لسبب من الأسباب التي تحكم الأنسان في الإحساس والشعور، بما إذا كان الشخص مولود أو والد. علي سبيل المثال الإحترام المتبادل بين الوالد ومولوده، والذي يبدأ في فعاليته عند بلوغ المولود السنوات الأولي من العمر، والتي تتطلّب تربيته وتوجيهه الي الشيء الصحيح.
كثير من الوالدين يرتكبون بعض الأخطاء في تربيتهم لمواليدهم، علي سبيل المثال تدليل المولود أكثر مما يلزم، أو عدم تبادل الإحترام معه كمولود، وأمره بذلك تبادليا، مما يسبب خلل في التربية. الشيء الذي يميز الشخص بميزات غير حميدة، يكرهها فيه الآخرون، مثل عقوق الوالدين وغيره من المذمات.
من عجائب القصص، وإستناد علي ما سبق ذكره من سرد، قصة حدثت في إحدي القري والتي إشتهرت بحدوث عجائب الإمور فيها، مما جعل أهلها دائماً، علي تأهب في تتبّع الإشاعات أو التقصي في حقائقها أو نشرها.
بينما كان أهل تلك القرية يأوون منازلهم في إحدي ليالي الشتاء قارصة البرد، سمعوا من علي البعد صوت رجل يصيح طالب النجدة من أهل القرية.
أسرع أهل القرية في إتجاه الصياح، بعد أن حدّدوا مصدره، وبعد أن تبيّن لهم بأنه، صياح ذلك الرجل المسن، والذي صار يصيح، بعد أن عجز عن نجدة نفسه بنفسه. كانت حيرة أهل القرية لاتوصف عندما وصلوا الي منزل ذلك الرجل متقدم العمر . لقد رأوا ما رأوا، لقد رأوا عجباً لا يصدقه عقل الإنسان المتمعن.
رأي أهل القرية ذلك الرجل المسن مرتمي علي الأرض، يئن من الألم ويتحسّر علي شيء، وهو أن له ولد عاقاً به. كان ذلك بعد أن حضر جمع غفير من الناس، وسمعوا قصته الرجل المسن مع ولده، والذي أغلق عليه باب الدار، عازما علي إضرام النار فيها ووالده بداخلها، دون تقدير الي علاقة الولد بوالده.
إزدادت دهشة الناس، بعد أن ساعدوا ذلك الرجل متقدّم العمر في النهوض من الأرض وتهدئته. فكّر الناس في إمكانية احلال عقوبةً صارمةً، تؤدّب ذلك الولد العاق بوالده، و الذي دعته نفسه الي محاولة إضرام النار في دار والده وحرقه، وهو بداخلها.
همّ بعض الناس بضرب الولد أمام والده، حتي يأخذ العبرة من عقوبة جماعية له من كلّ أهل القرية. إقترح البعض الآخر شكوى ذلك الولد لعمدة القرية، والذي يقوم بدوره كعمدة، بإملاء بعض الشروط عليه كولد وحقوق والده عليه، حتي لا يتجرأ علي العقوق بوالده مرةً أخرى.
ذهب بعض أهل القرية الي عمدة القرية وأخبروه بما حصل لذلك الرجل متقدّم العمر. وتبقي البعض الآخر من الناس منتظر لسماع صوت عمدتهم الصارم ومترقب لحكمته.
أعدّ العمدة نفسه من دون كثير تشذيب نفس، وخرج مع قليل نفر، متعجل لمكان ذلك الجمع الذى ينتظره من الناس. كان الكل يراقب حركة العمدة الذي صار يتقد فؤاده، وتتطاير أعينه شررا. كان العمدة ذو الشارب الكث يبلغ من العمر نفس عمر ذلك الرجل المسن، المعتدى عليه من ولده.
دخل العمدة دار ذلك الرجل متقدّم العمر دون إنزعاج وحيا جمع الناس. شقّ العمدة طريقه، حتي وصل الي مكان جلوس الرجل متقدّم العمر والذي بدأ يشكي للعمدة ويبكي أمام الجمع، معبر عن تحسره على فعل ولده العاق به.
لم يحيى العمدة وقتها ذلك الرجل متقدّم العمر، بل ازداد غلظه تجاه الرجل المسن. تعجّب الناس من تصرف العمدة، مع ذلك الرجل المنكوب في داره، حيث بدأت الدهشة تظهر علي وجوه أهل القرية، من عدم مواساة العمدة للرجل المتقدّم العمر، بعد أن عق به ولده أشد عقوق.
أصغي العمدة لحديث ذلك الرجل كله بكلّ سخرية وإستهذاء. بعد أن فرغ الرجل من سرد قصته للعمدة ومعاملة ولده له، قال له العمدة: أتتذكّر يا فلان ابن فلان قبل خمسون عام … أتتذكّر نفس هذا المكان الذي نحن فيه الآن … أتتذكّر عندما كنت أنت في عمر ولدك هذا … أتتذكّر عندما تجمّع أهل هذه القرية نفس هذا التجمع حيث كنت أنا من بينهم … أتتذكّر عندما أضرمت أنت نفسك النار في دار والدك متقدّم العمر في تلك الليلة، عازما علي حرقها وحرقه بداخلها، حتي صاح طالبا النجدة من أهل هذه القرية؟؟؟ … لا تلومنّ يا فلان ابن فلان في هذا اليوم إلا نفسك …
بعد سماع الناس الي الحقيقة المرة من لسان عمدتهم الذي لا يعرف التطبيل أالمجاولة، ولا يعرف الكذب والنفاق، تقلّبت موازينهم توقعاتهم في كيفية إنصاف حقّ الوالد من ولده، وحقّه في التمتّع بحقوق الوالدين، بعد أن تبيّن لهم بأن الرجل متقدّم العمر كان عاقا بوالده من قبل، كما يعق به ولده الآن في نفس الظرف وفي نفس المكان. كان واضح للناس بأن الولد لم يخطيء في شيء، وإنما الخطأ هو تربية والده له. إذ شب الولد على تربية مشبعة بالعقوق.
تفهّم كلّ الناس، بما فيهم العمدة حدوث مثل هذا الشيء العجيب، بعد أن تعلّمه الولد من والده، وهو ملاحظة الولد في صغره، عق والده لجده وهو صغير في عمره.
بعد أن سمع الرجل متقدّم العمر كلام العمدة، عجز عن الرد علي كلام العمدة، وإزداد خجل أمام ذلك الجمع الغفيىر من أهل القرية، والذين بدأوا يرشدون حساباتهم، ويعيدون النظر في شخص ذلك الرجل متقدّم العمر.
تحسّر الرجل متقدّم العمر علي أفعاله عندما كان ولد، متذكّر اليوم الذى عق فيه والده متقدّم العمر أيضاً، ومقارن لما يعايشه نفسه الآن من ذل وهوان، في يومه الحزين هذا. بعد أن سمع الولد العاق بوالده، بقدوم العمدة، هرب وإختفي، متحاشي الإصتدام بالعمدة الصارم، وثورة غضبه المتفجّرة.
أمر العمدة بحكمته العميقة، وخبرته في ادارة أمور أهل قريته بعض من أهل القرية في البحث عن ولد ذلك الرجل متقدّم العمر وإحضارهم إياه، دون أي اللجؤ لفعل خسائر تضر بالطرفين، وهذا حتي يلقي عليه درس حياتي لا ينساه أبداً.
بحث الناس عن ولد ذلك الرجل متقدّم العمر وووجدوه، ثم أحضروه الي العمدة، بعد أن تسلق سقف دار والديه يأسا، وعازم على الإنتحار سقوطا من أعلى السقف. أخبر العمدة الولد، بأنه رأي اليوم شيء قد رآه قبل خمسون عام، وهو عق والده لجده، كما من قبل، وفي نفس العمر والزمان والمكان.
نصح العمدة الولد وقال له، بأنه سوف يتقدّم في العمر في يوم ما، ويصير في عمر والده هذا، وسوف يكون له أبناء في نفس عمره هذا، فإذا أنه يتعامل مع والده هكذا في المستقبل، فإنه سوف يربي أبناءه علي عقوق الوالدين، ويورثهم عق الولد لوالده. ركّز العمدة أعينه بين مقلتي الولد، وصار يجوب أعينه بتأمّل وحكمة، متبحّر ومتفكّر في أمره. بين العمدة للولد بأنه على علم، بأنه ليس له من الأمر حيلة. وقتها إنفجر الولد باكي لفعلته الذميمة تلك، طالب من والده العفو و الصفح، بعد أن تأثّر من قول العمدة، وسماع تلك القصة كتملة، والتي أثرت في نفسه بعمق، ونفس غيره من الناس.
غيرّ الولد في تعامله مع والده، بتعامل يميّزه الحب والوقار ووالرفق والإحترام، والخشية والخوف من دفع ما كسبت يداه اليوم، في يوم الغد. الشيء الذي غير من سلوكه جذريا، الشيء الذي جعل منه إنسان إشتهر من بين أهل القرية في السبق في فعل الخير، ونجدة الضعيف. كل هذا بفضل ما تعلمه من خطأ كاد يؤدي به وبسلالته.
***
كل الحقوق محفوظة للكاتب عن ومؤسسة دارين للطباعة والنشر- بتاريخ: 1994
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم